الصراع - محمد نديم

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

((تحت الصفر))

حول الصفر‏

يذكر جيداً يوم نال (الكفاءة) كانت أكبر شهادة، يحملها ولد، في القرية. في آخر الليل. عندما نام الجميع. جلست أمه، إلى جانبه، على فراشه. وكان النوم، قد طار، من عينيها. هي التي كانت تنام، بعد العشاء، مباشرة. من التعب، الذي كان يهد، جسدها. كل النهار.‏

أخذت أمه، تروي له. لأول مرة. أسرار المعركة الصامتة. التي خاضتها، طوال سنوات دراسته، في المدينة. دون أن يعرف بسرها، أحد في البيت:‏

-قلت لأبيك. أنت تدفع أجرة الغرفة، في المدينة. وأنا أتكفل، بمصروف الدراسة. كان أبوك. ضد فكرة، الدراسة في المدينة. كان يعتقد. أننا ضحينا كثيراً. حتى نلت الشهادة الابتدائية، في القرية. وبإمكانك أن تتوظف بها، في وحدة مكافحة الملاريا. لكن زوجة الشرطي، أبو جابر. أكدت لي. أن شهادة الكفاءة. تفتح أمامك. أبواب الوظائف الكثيرة. والراتب الكبير.‏

صمتت لحظات. وهي تنظر خلال الظلام الكثيف. تلملم ذكرياتها البعيدة. ثم عادت، إلى الحديث:‏

-كنت أخفي البيض، عن عيون الأسرة. حتى أبعث به، إليك، مع فاضل. معاون (الباص) وكنت أسمن الدجاجات. من أجلك. فأذبح الضعيف منها وأبيع الكبير. لأبعث لك بثمنها ومن أجلك، ياولدي. عرفت العمل، خارج البيت. فكنت، أذهب مع (الركاشات) إلى حقول القطن، في الصيف. وإلى (الحواش) في الخريف. وفي أوائل الشتاء. كنت أقلع، سيقان القطن، وأبيعها. في أطراف المدينة، لصاحبات (التنانير).‏

وتصمت. وهي تلتقط أنفاسها، بصعوبة. فكأن تعب السنين الماضية. قد انحط، فجأة، على كتفيها. أخذت نفساً عميقاً. وهي تحضن رأسه بقوة. ثم أخذت تضحك، وهي تطلقه. وقالت:‏

-الحمد لله لم يذهب تعبي سدى...‏

ثم قامت، وهي تتمطى. وقالت وهي تنتقل إلى فراشها:‏

-بعد الوظيفة سوف أزوجك...‏

أضافت وهي، تستقر على ظهرها:‏

-الموظف. يجد المئات، بانتظاره.‏

واستدارت، وهي تذهب، في نوم عميق....‏

فوق الصفر‏

أصبح موظفاً، في المدينة. وعندما قبض الراتب الأول وضعه، بكامله، في حضن أمه. فأخذت نصفه، وهي تقول:‏

-بهذا المبلغ. سوف نحسن حياتنا. وأعتقد. أن الباقي، عندك. يكفي لمعيشتك، في المدينة. وتستطيع أيضاً، أن توفر منه، (نقد) العروس.‏

تدخل الأب. من خلال الضحك، الصاخب، الذي شارك فيه الجميع:‏

-نقد (فارس) عليَّ. لست أقل، من الآباء الذين زوجوا أولادهم، في القرية...‏

بعد سنة. التحق بالخدمة الإلزامية. وقبل نهاية الخدمة. كتب (كتابه) على (فضة) التي كان يحلم بها.. من زمن بعيد. دفع أبوه، خمسة آلاف.. كاملة، بعد الحصاد. وكان المبلغ، قيمة حاصل (مطش) أكياسهم العشرة، بالكامل.‏

بالنسبة إليهم. كان نقد العروس.. مبلغاً كبيراً. إلا أنه في حساب، الاعتبارات القبلية. وبيتهم الوحيد، في القرية. يناسب بيتنا، هو فرع لعشرة بيوت. جعل الأب، يبدو سعيداً، وهو يدفع مبلغاً، فوق طاقته. فالنسب الذي حصل عليه (فارس) يساوي النقد المدفوع، وزيادة.‏

وجد فارس، أنه ليس من المناسب أن يقيم، مع عروسه، في غرفته الطينية، التي رافقت، سني دراسته. فتركها إلى غرفتين و(صالون) من الإسمنت. في طرف المدينة، الجنوبي. واتخذت الأسرة، قراراً... بأن يستقل الابن الذي أصبح زوجاً، براتبه، خاصة وأنه مقبل، على تكوين أسرة. عمادها، الكثير من الأولاد.‏

ومضت الحياة به. كما كانت تمضي بأكثر الناس. وكان هناك‎، حيز كبير... للأحلام. فقد كان بإمكانه أن يخطط، منذ الآن. لشراء منزل. فقد كان المبلغ المتوفر، من الراتب. يزداد شهراً، بعد شهر.‏

العودة إلى تحت الصفر‏

لايدري ماذا يحدث، حوله. حاول أن يفهم مايجري. فوجد أن كل الناس، تريد أن تفهم، مثله.‏

الذي يدريه. أن راتبه. خلال السنوات الماضية. قد تضاعف. ثلاث مرات. إلا أنه لم يعد بإمكانه، أن يصمد، إلى آخر الشهر. أما ربطة النقود التي كانت تستقر في عمق، خزانة الثياب. فقد تبددت... منذ زمن بعيد.‏

الأحلام. ذهبت، إلى غير رجعة. ثم توضع، مكانها. خوف مستمر، من الآتي. قال لزوجته، ذات يوم:‏

-لنتوقف، عن إنجاب الأولاد..‏

صعرت خديها. ثم صاحت، وهي ترميه بنظرة غاضبة:‏

-حتى تتزوج، علي...‏

ضحك، وهو يشهد السماء، على جهلها:‏

-كأنك، لاتدركين بعد، كيف تجري.. حياتنا. الزوجة لاتأتي اليوم، ولو بمئة ألف. الذي أردت، أن تفهميه. أنه لم يعد بإمكاني، أن أربي أكثر من أولادنا، الثلاثة..‏

ثم قام يائساً، وهو يقول:‏

-لو رأيت الدنيا، خارج بيتك. لعذرتني، في كل ما أقول.‏

ثم أخذت زوجته. تدرك مايحدث، خارج البيت. لكنها لم تعذر زوجها. ثم أخذت تدخل معه، في جدل عقيم، كل يوم. هدم.. أول ماهدم، الحب بينهما. ثم أتى على الاحترام التقليدي، لزوجها. والذي كانت قد اكتسبته، من القرية. ثم صعدت الأمور بينهما. فطالبته، أن يعزل، حصته من (الانتفاع). حاول أن يشرح لها أن مايصيبه. حسب البحث الاجتماعي، هو (مطش) كيسين فقط. وكل الانتفاع. لم يعد يعيل أسرته. فقد كبر الأولاد وزاد، مصروف الزراعة. لم تهدأ. فعادت تطالب. أن يبيع انتفاعه، ويصرف ثمنه، على البيت. لم يتمالك نفسه، هذه المرة. فضربها. كما كان يفعل رجال القرية. إلا أنها حردت، عند أهلها. توقع أن يعيدها أبوها إلى البيت، في اليوم التالي... كما يحدث عادة. إلا أن الأخبار. التي نقلها أبوه. بعد أسبوع. أطاشت صوابه. ولم يصدقها، بادئ الأمر. إلا عندما، أكد أبوه. أن زوجته، لن تعود إليه. بعد أن أرسلت أولاده، إلى دارهم في القرية. وأن أباها. أشد تصميماً منها، على موقفها. ثم اعترف له، على استحياء.. بأنه لن يستطيع أن يفعل، من أجله، شيئاً. فهو ضعيف. وأهل زوجته، أقوياء.‏

لم يصدق. مايحدث له. إلا بعد أن جاءته الأخبار. تؤكد له، أن أهل زوجه، يتحدثون، عن الطلاق. وأن ابن عم، لزوجته. يعمل في الخليج. قد نزل عندهم. ثم جاءه، تبليغ من المحكمة. تطلب فيه زوجته، الطلاق منه. راجع محامياً. فأكد له. أن زوجته سوف تحصل، على الطلاق. قال للمحامي:‏

-أنا لن أطلق. ألم يعطني الشرع، هذا الحق، لي وحدي. وليس لها.. أكد له المحامي، شارحاً:‏

-أن زوجتك. تطلب التفريق بينكما، للشقاق. والطلاق هنا سيكون، بيد القاضي. وليس بيدك.. والمحكمة، هنا. ملزمة بالطلاق. ولو بدون سبب. وأسوأ مايحدث، لزوجتك. أن تعيد إليك. المهر الذي سبق، أن دفعته.‏

لم يصدق، أيضاً، مايحدث له. الأبعد أن صدر قرار المحكمة. وجرى الطلاق. غصباً عنه.‏

وعندما كان دوي الصدمة. مازال ينخر في رأسه. بلغه، أن زوجته -مازال هكذا يسميها- تزوجت من قريبها، الذي يعمل في الخليج. وقد دفع لأبيها، مئة ألف. ومن هذا المبلغ. أعادوا له، مهره الذي سبق ودفعه. وظل أبوه يردد خلال سنوات.. أنه دفع لابنه.. مهراً كبيراً.‏

عندما بلغه النبأ، كان، لحسن حظه، وحيداً في مسكنه، في المدينة. فهو لم يكن يجرؤ، على الذهاب، إلى القرية. منذ أن بدأت أزمته، مع زوجته. حتى أنه لم يلتق بأطفاله، منذ ذلك الحين.‏

أخذ يدور في الغرفة. وهو يضرب كفاً بكف. ويطلق صيحات مختنقة. ثم ارتمى، على الأرض. خيل إليه، أنه يبكي. ثم وجد نفسه، يضحك، فجأة. ثم أخذ يهذي. وفي النهاية. اعتقد أنه قد أصيب بالجنون، عندما أمسك رأسه بين يديه، وهو يحاول أن يحسب مقدار المهر الذي دفعه.. مضروباً بالمهر الذي دفعه، الخليجي. كان يريد أن، يعرف. كم درجة نزل، حتى الآن.. تحت الصفر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244