زقزقة عصافير - محّمد قرانيا

قصص قصيرة جدّاً - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رجلٌ من صخر

يبدو له العالمُ صلداً قاسياً. قبل الخروج، طالبته زوجته بثمن حذاءٍ. دارت دائرة الأفكار في رأسه... قطع الطريق سيراً على قدميه، ليوفّر ثمن تذكرة الحافلة... الآلاتُ في المعمل صاخبةٌ هذا الصباح أكثر مما هو معهودٌ... كلبُ صاحب المعمل وحده الذي أظهر له الودَّ. لوّحَ له بذنبه محيّياً عند مدخل المعمل... صاحبُ المعمل رجلٌ صلبٌ، وكأنّ قلبه قُدَّ من صخرٍ... مرةً واحدةً شاهده يبتسم، عندما جاءته ابنته الصغيرةُ، استقبلها بوجهٍ باشٍّ... جميع العمال يقولون: "قلبُ ذاك الرجل من صوّانٍ"... الهديرُ يتعالى من حوله. يصمّ أذنيه. يشعر بدوّارٍ.. تدور الدنيا أمام ناظريه... يختلّ توازنه أمام الآلات. يتمالك نفسه... لا تزال أصابعه تمسك خيط النسيج... جاءه صوتُ ابنته الصغيرةِ: "بابا. اشترِ لي جراباً أبيض.." الآلات تزيد من صخبها.‏

-آه. ه. ه!!!...‏

ندّت عنه صرخةٌ عالية!. أحسّ بالآلات تداعب أصابعه. انتفض. وضعَ إصبعه في فمه. ذاق طعماً حلواً دافئاً... تجمّع العمال حوله. أمسكوا يده. مسحوا إصبعه المدمّاة.‏

حمدوا الله على سلامته... قدِم ربُ العمل. ابتعد العمال. أفسحوا له المكان... شعر الرجل بوهنٍ في جسمه. غامت الرؤى من جديدٍ أمام ناظريه. استند إلى العمود، أحسّ بيدٍ حانيةٍ تربّت على كتفه... استعاد شيئاً من وعيه. فتح عينيه. وجد ربّ العمل أمامه، وعلى وجهه ابتسامة...‏

تعجّب. كيف يقولون "قلب هذا الرجل من صوّان"؟!. ها هو يراه يبتسم. إنهم مخطئون. وها هو يهزّه بلطفٍ من ساعده، والابتسامةُ لا تزال مرسومةً على وجهه. ويقول:‏

-عُدْ إلى شغلك حتى لا تخسرَ أجرَ هذا اليوم!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244