زقزقة عصافير - محّمد قرانيا

قصص قصيرة جدّاً - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عارية

تركتْ سماعة الهاتف. تمدّدتْ على السرير. هذه فرصة العمر. بعد ساعةٍ ستستقبله بكل مفاتنها الأنثوية. خيالها يصوّر لها الخطوة الجديدة، نقلةً سحريةً إلى عالمٍ لم تكن تحلم به.‏

أسبلتْ جفنيها. تذكرت في لحظاتٍ خاطفةٍ حياتها الماضية، منذ أن وطئت قدماها المدينة، مع زوجها، الذي اكتشفت فيه وغداً دنيئاً. ومع ذلك فقد تعلّقت به لأنه قادر على حمايتها بعد أن أدخلها إلى المدينة، وقدّمها إلى نواديها وفنادقها، ورجالها، ودفعها بيديه لتعبّ من لذاذات لا تنتهي، وجعلها تقتنع بأن الحب فعلٌ حضاري، وأن للجسد حقاً، فتحضّرت -على طريقته- وجعلت جسدها يتشظّى متعةً، وصار جواز سفرٍ توضع السفارات عليه أختامها، فتنفتح لها الحدود والحواجز.‏

في السنوات العشر التي انقضت، والتي انفتحت فيها على (الحضارة) كادت تنسى القرية التي خرجت منها، ولم تزرها سوى مرةٍ واحدة، ولم يعد يشغل بالها سوى امتصاص رغبات الرجال، وابتداع الأساليب التي تجعلهم يتهافتون عليها من دون هوادة، وها هو زبون اليوم، بمؤهلاته الكبيرة، وموقعه الأكبر، يأتي إليها بكامل وجاهته، بعد أن أجادت اصطياده، ولن يكون -بعد قليل- سوى الليمونة التي ستعصرها حتى القطرة الأخيرة، ثم ترميها قشرةً من دون ماء.‏

بغير إرادةٍ منها تتذكر الآن القرية. تتذكر أهلها ومنزلهم الريفي البسيط . تبعد الذكريات جانباً. تفكر في زبون الساعة. تستعيد حرارة حواره الهاتفي الرشيق منذ دقائق:‏

-أريدكِ وحدكِ في المنزل. لا أريد أن يعكّرَ أحدٌ علينا صفونا هذه الظهيرة.‏

-حاضر يا سيدي، لن يكون معنا أحد.‏

-وزوجكِ.؟‏

-منحته إجازة.‏

-والخادم؟‏

-خدّرته.‏

-إذن. أنتِ ستفتحين لي الباب بنفسك.‏

-وسأستقبلكَ بأحضاني.‏

-ولكن..‏

-ماذا؟!‏

-أريدك عند الباب عارية!‏

-الجو حارٌ، وجسدي لا يطيق غلالةً رقيقةً. اطمئنْ.‏

نظرت إلى ساعة الجدار الكبيرة. أزف الوقت. نضَتْ عنْها ثيابها. تحوّلت إلى حورية بحرٍ. مسحت عريها بالطيب. سمعت رنين الجرس. قفزت كظبية. ستستقبله عارية. تضمه عارية..‏

اقتربت من الباب. تحفزت للقفز والارتماء في أحضانه.‏

مدّت يدها إلى القفل. استعدّت للوثوب. فتحت. ندَّت عنها صرخةٌ حادَّة:‏

-ياه!! من هذا!!‏

طالعها وجهٌ ريفي. شعرات لحيته كشوك الصبّار. صعقته بعريها الفاضح. أفقدته توازنه سقطت سلّة البيض من يده. وجدته يغطي وجهه المتغضّن بيده المعروقة ثم يستدير راجعاً.‏

لم تنتبه إلى نفسها. فمها مفتوح من الدهشة، وقد نسيت أنها عارية، والباب مفتوح على مصراعيه!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244