زقزقة عصافير - محّمد قرانيا

قصص قصيرة جدّاً - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أحلامٌ ورديَّة

على الرغم من ضيق الزنزانة، فإنه لايزال يتمسك بالصبر، ولن يدعه يفلت من نفسه. ضربةٌ. ضربتان، من هراوة الشرطي.. يحسّ ببداية الألم، ثم مايلبث أن يهدأ وينام.. يحلم أحلاماً كثيرةً ملوّنةً.. لايدري كم ساعة ينام كل يوم، فاليوم طويلٌ. طويل. ومع أنه كان يعلم جيداً أن الليل والنهار يتعاقبان، إلاّ أنه في زنزانته، صار يحسّ بأن الليل أطول أمداً من النهار، الذي يتسرب إليه بعض نوره من النافذة العالية... تساوت لديه الأزمنة. فلا فرق بين صيفٍ وشتاءٍ، مادامت الرطوبة -هي- الفصل الوحيد الذي يعيش في مناخه.‏

أخرجه الشرطي من الزنزانة. وضع اللثام على عينيه. سأله أن يترك يديه حرّتين، وأن يميط اللثام عن عينيه هذه المرة. فهو مسالمٌ.. لن يقاوم، ولا يخاف من رؤية ماينزل به من اللمسات الحانية العطوف.‏

قال الشرطي:‏

-يخشون أن تراهم.‏

-وماذا عساي أفعل لو رأيتهم أو عرفتهم؟!.‏

-غداً عندما يطلق سراحك، يمكن أن تلتقي أحدهم...‏

ضحك ضحكةً بلهاء. وتساءل ساخراً:‏

-يطلق سراحي؟!.. وإلى أيّ عالمٍ سأذهب؟ وهل يوجد عالم خارج الأسوار؟!.‏

-الحياة لاتتوقّف ياغبيّ!.‏

هذا يعني أن الشمس لا تزال تشرق، والقمر يسهر مع العشاق، والعصافير تغرّد على الأغصان، والأنهار تجري عبر السهول، والأزهار تتضوّع في البساتين، والأطفال يذهبون إلى المدارس و...‏

قاطعه الشرطي:‏

-لاتحلم كثيراً، فالأحلام محرمةٌ على السجناء!‏

لم يسمع الإنذار. استرسل مع أحلامه الملونة. أردف:‏

-.. والنسمات تهبّ عليلةً، والشواطئ تغصّ بالأجساد العطشى للبحر، والشعراء يكتبون قصائد الغزل والحرية، والصحف تكتب في الثقافة والأدب والسياسة...‏

-أوَ تتكلّم في السياسة؟!!...‏

جاءته ضربةٌ على أمِّ رأسه. أغمض عينيه. سقط. اصطدم رأسه بالجدار. تمدّد على الأرض. جرى خيطٌ أحمر على جانب فمه.. لم يفقد الوعي هذه المرة. ولم يحلم أحلامه الملوّنة، وإنما تحسّس الدم بإصبعه فوجده دافئاً. قرّبه من عينيه. اهتزّت الصورة، تذكر (شمسة) الصبية الخادمة التي كانت تعمل في منزل (البيك) عندما دخل عليها ذات مرةٍ، وهو صغيرٌ، يحمل كيس (الفريكة) التي ستطبخها صباح يوم العيد.. يومذاك. رآها وقد وضعت (الحمرة) على شفتيها.‏

-لماذا صبغتِ شفتيك؟!‏

-لا تتدخل فيما لايعنيك!.‏

وحين ألحّ عليها. قالت:‏

-(البيك) يريدني هكذا.‏

وعندما عاد في مساء ذلك اليوم إلى المنزل الذي تعمل فيه شمسة، يحمل صرَّة ثياب السيدة الكبيرة من حمَّام السوق. دخل فشاهد (البيك) مع شمسة على سرير السيدة، ولما كان المنظر غريباً ومثيراً للصغير، فقد تجمّد مكانه، وهو يحملق مندهشاً بغير وعيٍ، ولم ينتبه إلاّ عندما سمع (البيك) يصرخ:‏

-أيها السافل. ماذا تفعل هنا؟!‏

يتذكر الآن أنه هرب. وظل طوال تلك الليلة يحلم أحلاماً ملونة ومتداخلة، وحين أطلّ الصباح لبس ثوبه الجديد، ووضع في جيبه عشرة قروش، ثم خرج ليلعب مع أترابه، ويركب (القلابة) ومن دون أن ينتبه، وجد أحد الخدم يسرق الفرح منه، ويسحبه من ثوبه إلى المنزل الكبير، حيث كان (البيك) ينتظره على درج (العليّة) وهو يفتّل شاربيه، ثم رآه يغمز بعينه.. فاصطحبه الخادم إلى الإسطبل، وضربه على أم رأسه، فاصطدم بالجدار، ثم سقط على الأرض الطرية، المفروشة بروث الحيوانات، ونام... ويومذاك عرف بداية الأحلام الورديّة الحقيقية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244