زقزقة عصافير - محّمد قرانيا

قصص قصيرة جدّاً - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المحرقة

دخلت منهكةً، بيدها أوراقها الثبوتية، وقفت أمام المستخدم، طلبت إليه السماح لها بمقابلة المدير العام. وجدته يصعّدها بنظرات فاحصة. يتملّى قوامها ووجهها، ثم سمعته يعلن بغير اكتراث:‏

-سعادة المدير العام مشغول.‏

توسّلتْ إليه.. كادت تبكي.. ألّحتْ، وأمام رجائها رأته يدخل غرفة المدير.‏

"-هناك فتاةٌ تطلب وظيفةً."‏

"-ما إمكاناتها؟"‏

"-إنها فقيرة."‏

"-وملكاتها؟"‏

"-جميلةٌ. جميلة جداً."‏

"-تصرّفْ."‏

طلب إليها أن تعود غداً. أصيبت بخيبة أملٍ كبيرة، لكنها لم تفقد كل الأمل. أخرجت بطاقة التوصية. لكنها لم تغيّر موقفه. رجته من جديدٍ. استعطفته. توسلت إليه أن يُريَ المديرَ البطاقة. أعلمته أنها نجحت بامتياز. سمعته يقول بسخريةٍ حادّةٍ:‏

-إذا كنتِ تعتقدين أنك ببطاقةٍ صغيرةٍ تحصلين على وظيفةٍ فأنتِ مخطئة. الناس ....‏

شعرت بغصَّةٍ حارقة. لو كانت تملك المال لما وقفت ذليلة أمامه. خمس سنواتٍ مضت على التخرّج. أنهكتها الوحدة الموحشة. نهش جسدَها الفراغ الممضّ. لابدّ أن تعمل وتحصل على دخلٍ... بكت بصوتٍ مكتوم. سمعته يأمرها بالجلوس، ثم يدخل غرفة المدير.‏

عاد بعد قليلٍ:‏

-سعادته رضيَ بمقابلتك، ولكن يجب أن تكوني لطيفةً وذكيةً معه.‏

-سأكون مهذبةً جداً.‏

دخلتْ. وقفتْ لحظاتٍ أمام المحرقة. سعادته ينظر إلى أوراقه، ثم رويداً رويداً يرفع رأسه. ينظر إليها. أحست وقع نظراته يكوي وجهها. عنقها، صدرها. أسفل أسفل.. ثم رأته يُقلّب شفتيه..‏

أخذ الأوراق من يدها. ألقاها بغير اكتراث. سمعته يقول متأففاً:‏

-هل تعملين سكرتيرة؟‏

أومأت برأسها. رأته يمعن النظر إلى تفاصيل جسمها. نظراته تعرّيها. تجرِّدها من كل شيءٍ. تسلب براءتها... ارتجفت. اعترتها قشعريرة ساحقة، وجدته ينهض من خلف طاولته. يقترب منها. يدور حولها، يصل وهج المحرقة إلى جلدها...‏

سمعته ينطق بعد الفحص الدقيق:‏

-تقولين إنك فقيرة. لابأس. ولكن السكرتيرة، يجب أن تتمتع بمزايا خارقة. على كل حالٍ عودي غداً. شريطة أن ترفعي الغطاء عن رأسك وتخلعي هذا الثوب الطويل.‏

في الغد...‏

كانت السيارات في الشوارع تزغرد لها. الناس على الأرصفة يباركون لها الوظيفة. وقفت أمامه بشعرها المصفّف بعنايةٍ فائقة. رأت فمه يفترّ عن ابتسامةٍ صفراء. ثم يهتف:‏

-حسناً. عودي غداً، واعتني كثيراً بأناقة وجهك، فالسكرتيرة وسيلة الشركة إلى النجاح.‏

في الغد الثاني...‏

كان جميع المارّة ينظرون إلى نسمة العطر الآسرة التي تتحرك على أجنحة الفرح...‏

وقفت أمامه. طالعت الإعجاب في عينيه، ورأت ابتسامته تكبر، ثم ينهض من خلف طاولته. يقترب منها. يدور مثل فراشة تحوم حول زهرة. يشمّها. يرسل إليها فحيح أنفاسه.. يعبّر عن رضاه:‏

-كل شيءٍ صار مقبولاً. باستثناء هذا الثوب الذي لايليق بسكرتيرة شركةٍ مرموقةٍ.‏

ادخلي الآن الغرفة الجانبية، وارتدي ثياب الشركة.‏

دخلت الغرفة، وجدت سريراً، وشراباً، وعطراً، وثياباً داخلية.. شعرت بالغبطة. شرعت تخلع ثيابها قطعةً قطعة.. صارت عارية. سمعت صوت الباب.. شاهدته يدخل. يقترب منها. أذهلتها المفاجأة. عقدت لسانها. شلّت تفكيرها.. بحثت عن منفذٍ للنجاة أحاطت بها ألسنة النيران. لسعت جسدها. خافت. تحركت العذرية في داخلها.. حلمت ذات يومٍ أن تكون عروساً. ترتدي ثياب العرس. حمامةً بيضاء.. تحركت الشهادة الجامعية. درجة الامتياز. ألسنة النيران تحكم الطوق. تصرخ كلبوة ثكلى!!.. (لا!!!).‏

تسحب شرشف السرير. تتلفع به. تمسك زجاجة الشراب. تسدّدها باتجاه النيران. تفجّر القنبلة.. تهرب بعيداً عن مكان العملية الانتحارية. تخرج. يستقبلها الشارع. تزغرد السيارات. تشتعل إشارات المرور الحمر. يقصف الرعد.. تفتح الفتاة عينيها. ترى عرائس بثياب بيض حولها، وذراعها تتغذى من خراطيم وأكياس معلقة على حوامل. تغيم الرؤى في ناظريها. وتذهب في إغماءة طويلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244