|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أســطورة جدي جدي كان يعرف ما هو الله.. وكان يعرف الخير.. جاء أبي وبدأ يعرف أن الله هو الشيء الذي يجب أن يخافه الناس، وعندما جاء أخي الأكبر صار فمه ممتلئاً بالله. ولكن قلبه صار للدنيا. جدي مات في زمن ليس بالبعيد، وأنا حفيده الثالث من ابنه الأول، من زوجته الأولى.. أزور الأرض التي دفن فيها بين فترة وأخرى.. أرض ترابية حمراء، تستلقي على تلة تنتصب عليها أشجار خرافية ضخمة، ليس لها عمر ولا حقب.. سألت أمي مرة، وأمي.. تعرف الكثير الكثير عن تلك الأرض، وعن تلك الأشجار، حتى إنها تعرف متى مات جدي الأكبر "حنان": أمي لماذا يموت الإنسان، ولا تموت الأشجار؟ وأذكر أنها أجابتني: الأشجار لا تموت يا ولدي لأن لها جذوراً في الأرض، ويموت الإنسان لأنه لا جذور له. أمي تعرف الله وتحبه. ولا تذكره إلا عندما تكون وحدها (الله في القلب يا ولدي وليس على اللسان) قالت لي مرة: أذكر الله ولا تخف من شيء، وحملتُ قولها محمل جد، وصرت أذكر الله كثيراً وأحبه كثيراً، ولكنني أصبحت أخاف كثيراً.. أمي لماذا أخاف كثيراً؟ أسألها وتجيبني: لأنك لا تذكر الله من قلبك. جدي اسمه "أومر" منذ ولد وحتى ذلك اليوم وهو يعرف أن الله خلقه باسمه هذا.. (أومر "أما عمر فهو لا يعرفه إلا منذ أن هجر أبي القرية.. وهكذا صار اسمه "عمر".. لا أذكر كم سنة مضت، ولكن أمي تصرح بأنه كان في السبعين عندما جاء أبي إلى المدينة، وتقول ضاحكة: إن أول من أطلق عليه هذا الاسم هو الشرطي الذي كان يجيء حاملاً تحت إبطه كومة أوراق. ليستدعي والدك إلى بعض الواجبات الحكومية.. كان الشرطي يقول له: أنت اسمك "عمر" وابنك اسمه "محمد" يعني "محمد عمر" وليس "محمه أومر" هل فهمت؟ ولأنه كان لا يفهم.. فقد كان يضرب كفاً بكف ويتمتم بكلمات تقول أمي: أنه كان يشتم الشرطي. وتسرد أمي: هذا العجوز الذي تراه أمامك الآن يا بني، كان أسطورة زمانه. ما معنى أسطورة يا أمي؟ أسأل أمي وتجيب: أنت تسأل كثيراً أيها الولد. الأسطورة يعني أنه كان كبيراً جداً جداً. هل فهمت؟ فهمت.. تتابع أمي: كان همه في الدنيا شيئين اثنين: الترحال والنساء. فأما الترحال: فقد كان يذهب إلى أماكن لا يمكن لإنسان آخر أن يفكر بها.. وأما النساء: فيا ضياع عمره الذي قضاه وهو يلاحقهن.. (علمدار) الضيعة الغافية على ذلك الجبل الأخضر.. يا حسرتي عليها.. تقول أمي بلوعة: كانت ملكه هو وأخوه.. وأما المختار والآغا اللذان يتربعان الآن على عرش الضيعة فكانا يرعيان الأغنام لهما، سبحان مغير الأحوال.. وتتحسر أمي، ثم تسكت. جدي كان يحبني كثيراً، وكان يقول لي مداعباً: أنت طالع لي يا حفيدي. ويمسح بكفه العريضة الخشنة شعري، ويربت على كتفي.. (كدع يا ولد كدع)، وأخيراً يضحك ضحكته الثخينة، ويقول: الدنيا فاضية، وعلى جهنم وجع الدنيا والناس.. عمري الآن ثلاث وتسعون سنة، حدثني مرة عن حياته بعد إلحاح مني: خضت حروباً كثيرة يا ولدي، فهذه المنطقة دافئة، وفيها خيرات وآثار، تجعل كل ابن كلب يطمع فيها.. ولأجل ذلك حدثت حروب كثيرة هنا.. ورجوته أن يحكي لي عن شيخ المريدين، وعندما تحدث ظهر وكأنه لا يريد أن يخوض في الحديث ولكن إلحاحي دعاه إلى أن يقول: حسناً.. سوف أحكي لك: عندما جاء إلى المنطقة، دخل على الآغوات، وكانوا آنذاك مجتمعين في يوم احتفالي قال لهم بالحرف الواحد: الجيش التركي، وخلال أيام سوف يهاجمنا بقواته، وعلينا أن نشكل نحن جيشاً نواجه جيوشهم، إنه يريد أن يستعمرنا.. استعمار!؟ يا إلهي أية كلمة جديدة هذه؟ قال أحدهم، وتابع آخر مستهزئاً: اذهب أنت واستعمارك إلى الجحيم.. وضحك الآغوات حينذاك حتى انقلبوا على أقفيتهم. وعندما رفض الآغوات دعوته تلك -تابع جدي- تسلل إلى بيوت الفقراء، وبدأ يخاطبهم: أيها البسطاء، يا خبز الرحمن.. كيف ترضون أن تخدموا هؤلاء الناس، والله لم يجعل بين الناس سيداً وعبداً؟ كيف ترضون لزوجاتكم أن يخدمن في بيوت هؤلاء وبناتكم يخدمن في مخادعهم!؟.. والفلاحون -طبعاً- أناس فقراء وبسطاء.. ولكن لا تنسى يا بني أن الفلاح كريم، ولا ينسى أبداً اليد التي قدمت له يوماً معروفاً.. وهنا يا ولدي استغل ضعاف النفوس الفرصة، وهكذا انقسم الناس في المنطقة على إثرها إلى فريقين وتصارعا.. وسالت الدماء، ومات رجال كثيرون جداً يا بني. وهنا سكت جدي، وسحب نفساً طويلاً من سيكارته.. أما الشيء غير العادي يا ولدي.. تابع جدي حديثه أن هذا الشيخ الجليل ابن الحرام، فلقد رأيته بعيني هاتين عندما كنت في استانبول، وكان يرتدي بزة جنرال تركي.. لعنه الله، جاء بفتنة ذهب ضحيتها الآلاف، وباسم الدين والدين يا ولدي منه براء (قال دين قال) ويسرف جدي في الحديث، بعد أن فتحت عليه الأبواب ناسياً سيكارته اللف وحفيده: إيه يا ولدي. حروب ذلك الشيطان ابن إبليس كلها عايشتها، ثم جاء الإفرنسيون، بعد أن رحل الأتراك، ثم كانت حرب الاستقلال وبعد كل هذا.. أنظر ما جنيت، ورفع يديه إلى الأعلى وصفق: الحياة غرورة يا ولدي وأنت طالع لجدك، فكن مثله ولا تبال. وكنت أضحك بينما هو يمسح على شعري، وأتذكر حديثه الآن، وأبتهج، إذاً سوف أسافر وأختطف النساء... سألت أخي الكبير: لماذا تعامل والدك هكذا؟ صرخ في وجهي: اسكت أنت لا علاقة لك..، ولأنه أكبر مني فقد سكت. قالت أمي بحسرة: اتركه يا ولدي له ربه، وهو سوف يحاسبه. صرخت بعصبية بعد أن فقدت آخر صبر كان لدي: أي رب هذا وهو لا يعرف (وبالوالدين إحسانا) بالأمس قدم إلينا عمي من أم ثانية وكان بارداً، ولا يشبه جدي في شيء، ولذلك لا أحبه، كانت الساعة قد جاوزت الثانية عندما دخلت ميساء علي ووجدتني منكباً على الكتابة، وأكواب الشاي والقهوة مكدسة أمامي.. وأكوام من الورق وأعقاب السجائر.. صرخت وهي تصر على أسنانها: ما هذا أيها الأديب؟ وعندما نظرت إليها، ضحكت وقلت: لقد جئت في وقتك.. إياك أن تقول نظفي هذا الركام!! لا لا تخافي.. تعالي أنقذيني من عالم جدي الرائع هذا وابتسمت ميساء، وعندما كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحاً، كنت وإياها نعزف سيمفونية الحياة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |