|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القبر الرخامي "يا زائري لا تنسني من دعوة لي صالحة.. قف على قبري واقرأ لروحي الفاتحة" كان جالساً على ضريح جده.. عندما وقعت عيناه على تلك الجملة. جده الذي رحل منذ زمن طويل لا يتذكر منه سوى صور تتراءى له الآن كما في الحلم.. أطال النظر إلى ذلك القبر.. في حين كانت السماء صافية لا تشوبها غيمة، وكانت المقبرة تسبح في صمت مميت، حتى الأشجار ما كانت لتصدر أية حركة. أشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها.. وكانت الشمس آنذاك "كرة من النار تدور فوق رأسه".. " يا زائري لا تنسني.. وقف على قبري" ثانية استقرت تلك الكلمات في رأسه المتعب وهي ترتسم أمام عينيه.. "غيمة مطر مثقلة بالأوجاع" غاصت تلك الكلمات إلى أعماقه.. ساءل نفسه في حين كانت عيناه تلمان ذلك القبر الرخامي الفخم: -ترى أي عمل قام به هذا الإنسان في حياته حتى يطلب من زائره دعوة صالحة وقد لا تكون صالحة..؟ نظر إلى قبر جده الذي كان بسيطاً ولا تظهر منه سوى شاهدتين وكومة تراب على شكل علوة صغيرة . تنقل بنظراته بين قبر جده البسيط و ذلك القبر ذي البلاطات الرخامية الفخمة: -جدك يا ولدي كان طيباً وبسيطاً. قال له أبوه مرة. عندما توفي كانت كاس الشاي بيده ساخنة.. وعندما وضعها أمامه.. صاح على ابنه، وارتسمت صورة عمه للتو أمامه "رجل ما تجاوز الأربعين ذو شارب ضخم، وعينين ناريتين وهو الآن أب لأربعة أولاد.." ولكن عمك في تلك اللحظة كان بعيداً عنه فلم يسمع نداءه.. وعندما خرج إليه.. كان جدك ممدداً ورأسه فوق الوسادة التي كانت تسند ساعده.. وخيط رفيع أحمر ارتسم على جانب فمه. تذكر حديث أبيه عندما حدثه عن جده، وكان أبوه دائماً يحمد الله على تلك الميتة ويقول: -الأشرار من الناس يتعذبون كثيراً عندما يموتون، أما جدك فكان بسيطاً وطيباً.. فمات بهدوء وراحة بال. وبينما شريط الذكريات يعبر في مخيلته.. خطرت له على الفور صورة ذلك الرجل الذي توفي في المدينة.. هو لم يره ولكن الذين رأوه قالوا ذلك.. قال أحدهم وكان ساعده الأيمن في العمل: -كانت روحه تخرج منه ثم تعود، تذهب لدقائق تحلق في الفضاء ثم ترجع.. وبهذه الرجعة كان جسده ينتفض وعيناه تخرجان من محجريهما.. وبقي هكذا ثلاثة أيام وهو يتقيأ دماً من فمه وأنفه.. حتى خرجت روحه أخيراً ولم تعد. وقال آخرون: -لقد مات أخيراً. ولكن الحقيقة تقال قال أحدهم: -صحيح أنه مات وعلى الميت لا تجوز إلا الرحمة.. ولكنه كان ظالماً في حياته، وهذه كلمة حق يجب أن تقال فهو رغم وجاهته ومنصبه، وغناه الفاحش.. فقد كان دنيئاً.. تصوروا.. كان ينقل الموظف من موضع لآخر دون أي سبب وخاصة النساء منهم. وأكد شخص آخر: -صحيح هذا.. زوجتي نقلها إلى مكان يبعد عن البيت مسافة الساعة في حين كانت مستورة معها بربع ساعة فقط وعندما حاولت معرفة السبب ولاحقت الموضوع من خلال شخصيات مقربة منه. أدركت بأن السبب هو زوجتي.. نعم زوجتي لأنها كانت جميلة.. ولم يستطع أن يحصل منها على غايته.. ولأجل ذلك نقلها إلى مكان بعيد.. هذا ابن الـ.. المهم الله يرحمه.. فقد رحل وأراحنا. وتذكر أن قبر ذلك الشخص كان فخماً كما بيته بالضبط هبت نسمة حركت رؤوس الأشجار.. ومن بعيد تناهت إلى مسامعه أصوات غير واضحة كانت تصل إليه ناعمة ولكن بشيء من الرهبة ومن الجلال. "يا زائري.. لا تنسني". للمرة الثالثة استقرت عيناه على تلك العبارة، وكان الصمت المطبق يلف المكان. شكر الله في سره أن جده لم يكن مثل ذلك الشخص ذي القبر الرخامي.. لأن الله يعذبه الآن بكل تأكيد لظلمه وأيضاً لأنه كان دنيئاً. وخطر له أن يذهب إلى القبر الرخامي ليعرف اسم صاحب القبر.. ولكنه بهت.. وتراجع خطوات للوراء.. عندما وقعت عيناه على فجوة في وسط القبر.. وشعر بوحدة قاتلة وبخوف رهيب يلفه.. وغير ذلك شعر وبشكل فجائي لم يخطر له على بال.. بأنه سوف يموت أيضاً وأنه لن يأخذ معه كتاباً ولا شهادة، وحمد الله في سرِّه أنه ليس مسؤولاً وليس غنياً.. وحمد ربه أيضاً لأن قبر جده لم يكن قبراً رخامياً فخماً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |