صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

بكاء حمار

إلى زوجتي‏

مع باقات من البكاء الإنساني‏

عندما ارتديت ثيابك..‏

وأنهيت زر أزرار قميصك.. كان رأسك ممتلئاً بالوجع.. سألتك زوجتك:‏

-إلى أين ستذهب؟‏

صوبت نحوها نظرة سخرية.. ثم أدرت وجهك للمرآة التي امتلأت بالتجاعيد وبتعابير الغضب..‏

بادرتك بحركة من يديها:‏

-قل إلى أين ستذهب؟‏

وعندما لم تجد بداً من الإجابة.. صرخت بغضب تاريخي:‏

-سأمشي في الشوارع. سأجد حماراً أتحدث معه.‏

وهنا خفضت زوجتك نظراتها للأرض وسكتت..‏

خرجت من البيت تاركاً وجه زوجتك بين جدرانه.. وأنت لا تعرف أو ما عدت تعرف هل هي ذاتها المرأة التي اخترتها أم أنها امرأة أخرى؟‏

عندما نزلت بضع درجات من درجات البناية المئة والعشرين.. تذكرت شيئاً ما.. وضعت يديك على صدرك..‏

عاودك سؤال زوجتك:‏

-إلى أين ستذهب؟‏

ترددت كثيراً. وقلت في نفسك:‏

-الآن يجب أن أجيب عن هذا السؤال..‏

وعندما لم تجد الإجابة التي تبحث عنها..‏

أخذت تفتش جيداً في جيوبك.. وأخيراً وجدت ورقة من فئة عشر الليرات.. وكانت كل ما تملك. وتابعت النزول.. هذه الليرات العشر سوف تكفيني أجرة الطريق، وعندما وصلت إلى مخرج البناية، كنت قد عزمت على أن تذهب إلى مكانك الذي طالما كنت تلجأ إليه، وطالما كان يؤويك في حالات إفلاسك.. وألغيت في رأسك. مشوار المقهى الذي تلجأ إليه والذي ما إن تجلس على الكرسي.. حتى يبادرك الكرسون بالقهوة.. رغم تنبيهك إياه ألاّ ينزل لك القهوة إلا حين الطلب.‏

ولكن الكرسون أذكى منك.. وهو أكثر دبلوماسية. فهو لا يقول لك شيئاً. بل يبادرك بضحكة وبضع كلمات يرميها عليك مع فنجان القهوة ويذهب..‏

صعدت سيارة السرفيس.. وكان رأسك صاخباً.. طلب منك المعاون الأجرة. ناولته القطعة الورقية كاملة.. وأعاد لك نصفها.. وضعت رأسك على النافذة (البلور) وحاولت أن تنسى..‏

ارتسمت أمام عينيك صور متناثرة.. ثم أخذت تتوضح الواحدة تلو الأخرى.. ودون أن يسمعك أحد.. أخذت تتمتم فيما بينك وبين نفسك:‏

-أبي شجرة زيتون متعبة.. أرض صلبة..‏

وتعاودك صور لذكريات قديمة.. قدم آلامك.. ورأسك الصدئ.. تتذكر السنوات السالفة.. حين كان أبوك يعود من العمل.. حينها كان يخدم في القوات المسلحة وتتذكر.. كيف كان يجلس على الكرسي عندما يأتي من دوامه.. وتهجم عليه أنت وأخوتك وتحاول أن تنتزع حذاءه الثقيل وتتذكر ضحكته آنذاك ومداعباته.‏

صور تمر في مخيلتك كشريط سينمائي.. تمسك برأسك.. تطفر دمعتان من عينيك.. يعاودك صوت أمك.. يقول لك:‏

-أبوك قدم لك حياته.. وأنت ماذا قدمت له؟‏

تتساءل بحرقة:‏

-ماذا قدمت له..؟‏

وتنطفئ التساؤلات قبل اشتعالها..‏

-أبوك زوّجك.. أمَّن لك بيتاً.. وهو الآن رغم الستين سنة التي تثقل كاهله، مازال يعمل. يكد، يتعب..؟ وأنت..؟ ماذا فعلت أنت؟‏

تصرخ:‏

-أنا.. أنا حمار.. تصرخ في داخلك بعنف.. تتذكر الحمار.. ترتسم صورته أمام ناظريك:‏

-لا الحمار حرام.. فهو على الأقل يعمل.. أما أنا..؟‏

دراستك.. شهادتك كلها على (الفاضي).. كانت أمك تقول لك دائماً:‏

-الصحافة لا تطعم خبزاً يا ولدي.. الكتابة لا تعطيك رغيفاً ولا بيتاً.‏

وكنت تضحك. ببلاهة كنت تضحك.. وتقول:‏

-بلى.. سأكون شيئاً.. وسيكون لي مستقبل كبير يا أمي. وها هو المستقبل.. وها أنت الآن ابن لهذه الشوارع.. لهذه الأرصفة.. لهذه المدينة التي لم تعطك سوى الفقر.‏

حتى زوجتك التي كانت تنظر إليك على أنك شيء عظيم.. ها هي اليوم تعيرك ليس في ظهرك وإنما في وجهك.. وبكل وقاحة.. تقول لك:‏

-أنت فاشل. أنت لا تصلح لأي شيء..‏

لقد محا الزمان تلك الأحلام.. والكلمات التي كانت تقولها لك:‏

-"سوف نعيش سوية.. سنجوع سوية.. فقط أن نكون مع بعضنا"‏

لقد مضى ذلك الوقت.. وكأن تلك الكلمات كانت مكتوبة على رمال الشاطئ.. الآن أخذت تعيرك بكل شيء. حتى بالمشروب الذي ما كانت تشربه إلا معك. فجأة شعرت بطعم المشروب في فمك.. شعرت بحاجة للإقياء..‏

ضربت رأسكَ بنافذة السيارة.. وأيقظك صوت المعاون، يصرخ فيك:‏

-هيه يا أخ.. لقد وصلنا..‏

وتنهض.. تنظر حولك تبصقك السيارة مع وجعك إلى الشارع..‏

وفجأة تجد نفسك وحيداً.. تماماً..‏

وتمشي بهدوء.. تجتاز الشوارع التي ما عادت تنظر في وجهك. تمشي حاملاً انكسارك.. كحمار عليه أطنان من الأحمال.. وعندما تصل إلى ذلك المكان..، تنسل بهدوء حزين.. وتأوي إلى مقعدك.. تضع حقيبتك الممتلئة بالخيبة إلى جانبك.. تمتد نظراتك إلى أرجاء الحديقة الواسعة الخضراء..‏

تنظر بحرقة إلى هذا العالم..‏

إلى الناس وهم يتحركوا ممتلئين بالحياة.. تعاودك صور عديدة تتداخل في مخيلتك.. تذرف دمعتين تشعر بأنهما ساخنتان.. وتلقي برأسك الثقيل.. كرأس حمار. فوق مسند الكرسي الخشبي.. وتبدأ بالبكاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244