|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-آراس- إلى يعقوب صليبا ضرب الطبيب كفاً بكف ثم طرح وجع خمسة أولاد لايكفّون عن طلب الحاجيات، وفجأة نهض من كرسيه وأخذ يمشي في الغرفة ثم خرج.. شيء ما في تلك اللحظة تحرك في داخلي. إحساس بالرجولة مسخني: أنا إذا قادر على فعل الإنجاب.. وعندما رجع الطبيب بعد مدة كان الصراخ بين يديه، وكانت آراس تطلق تمردها.. آراس أغنية خرجت من قمة الوجع.. في لحظة انبثاق الحياة من رحم يختزن أوجاع العالم، خرجت آراس أغنية، أطلت برأسها وأطلقت صراخاً امتد إلى المدى. صرخة آراس كانت زلزالاً حرك الثور الذي يحمل الأرض على قرنيه. (إنها غير راغبة في الحياة) قال الطبيب مداعباً وناولني إياها.. إذاً لأجل من تأتي..؟ لأجل أن أعلن رجولتي وتعلن المرأة التي هي زوجتي أمومتها أمام العالم.. هه.. كنت مع الطبيب قبل خروجه أنتظر سماع هذه الصرخة. كنت وإياه نحل معادلات هذا الكون، نضيف أرقاماً ونحذف دولاً وأمماً.. إننا شخصان مهمّان، قال الطبيب: الأولاد زينة الحياة الدنيا.. وجاء في القرآن الكريم: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا". قلت للطبيب: المعادلة ناقصة لديك. المال أولاً ثم البنون لأن بنين بلا مال هم وجع كبير.. في اللفّة القطنية كان وجه مثل جمرة النار يطلق صرخاته.. إنه التمرد في لحظة الانفلات من حركة السكون. وعندما استمر الصراخ.. استنجدت بالطبيب الذي ابتسم وقال فيما هو يقترب مني: هذه عادة الأطفال: يستقبلون الحياة بالبكاء والصراخ.. قلت: إنهم يمارسون حالة من العصيان السلبي.. مسح الطبيب ابتسامته عن وجهه وعاد إلى الطاولة.. في هذه اللحظة دخلت الممرضة وتناولت اللفة مني وخرجت.. الولادة هي الموت لأن حياة الجنين في تلك اللحظة أفرغت في حالات الطلق العسيرة التي مارستها الأم قبل حين. قلت للطبيب: ألا يمكنني رؤية أمها الآن..؟ وكان الصوت الذي جاء منه الجنين قد صار أنيناً. أجاب الطبيب: أنت في مستشفى عام. اتّجهت إلى النافذة وأشعلت سيجارة، سحبت منها نفساً عميقاً ثم رميته دخاناً في وجه النافذة، وكان المطر من وراء النافذة يتساقط بغزارة.. فيما كان الزمن في الغرفة جبلاً لا تحركه آلاف السنين. عاود الطبيب حديثه من وراء الطاولة: دائماً الطفل الأول يرفض أن يأتي بسهولة هذا لأن الفضاء القادم إليه لا يتسع لأنفاسه. دخلت الممرضة للمرة الثانية ووضعت الطفلة بين ذراعي وخرجت. تمعنت في الوجه ملياً.. مازال جمرة من النار فيما كانت العينان مغلقتين وكان الفم مفتوحاً يخرج منه الصراخ الأبدي.. كانت الغرفة فارغة من الدفء. وكان الطبيب قد بدّل ملابسه وبدأ يفرك يديه بعضهما ببعض. دخلت الممرضة للمرة الثالثة وفي كل مرة تكون مستعجلة ومرتبكة.. الملائكة في السماء لا تستريح قط.. ولكنها في هذه المرة لم تكن مستعجلة، تناولت الطفلة مني وهنأتني على سلامة أمها وقالت: إنها متعبة قليلاً.. اذهب فهي بحاجة لرؤيتك. في هذا الوقت كان صراخ الطفلة قد هدأ قليلاً.. أسرعت إلى الغرفة البعيدة.. كانت زوجتي تئن.. وعندما شاهدتني أمامها. حاولت أن تقعد.. وقفت فوق رأسها وأخذت أخفف من حدة أنينها. أين هي ابنتنا..؟.. لقد رأيت الموت بعيني من أجلها لا أريد أولاداً.. لا أريد أن أموت.. انظر مافعلوا بي.. لقد اجتمعوا كلهم فوقي.. كانوا يريدون موتي ولكن كنت أقوى منهم.. -لو كنت أقوى منهم لما صرخت هكذا.. ولكن خوفك من أن تكوني عاقراً منحك قوة لكي تصمدي. في هذه اللحظة دخلت الممرضة مرتبكة كعادتها.. هيا علينا أن نخرج من هذه اللحظة وإلا فإنها ستبقى هنا عدة أيام. الأنظمة في معظم دول الأرض لا تشبه نظام هذا المستشفى.. رافقنا أبو جعفر إلى الباب الخارجي هرباً من أية مساءلة وكانت آراس بين يديه.. وعندما استقبلنا الشارع كانت الأرصفة مغسولة وكانت السماء صافية.. ولما ابتعدت بنا السيارة عن مبنى المشفى الوطني.. ضحكت الممرضة جارتنا وقالت مداعبة: أتينا ثلاثة وها نحن نعود أربعة.. وكانت آراس تدندن أغنية أسطورية.. أغنية خرجت من قمة الوجع الإنساني. 18/11/97 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |