|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المقبرة كان الليل كعادته في كل مساء من هذا الوقت.. يأتي ويفرش ملاءته السوداء على رؤوس الأبنية والشوارع المزدحمة بالسيارات التي لاتشبع من التزمير. وكعادته هو في هذه الآونة يترك مجلسه ويهرع إلى هذا المكان.. يلتحف الملاءة السوداء الناعمة ويجلس فوق مكان ما.. يراقب هؤلاء الأحياء.. الذين يعيشون تحت سطح الأرض بين جدران ضيقة وسقف من حجر أو قرميد.. يرقدون بهدوء ويتكلمون فيما بينهم بصمت، دون أن يحركوا أي عضو من أعضائهم. وقعت عيناه على شاهدة طويلة تراءت له فجأة وكأنها جسد ملفوف بكفن أبيض وفجأة وجد نفسه وحيداً في هذا المكان.. أخذ يلتفت حوله ليحتمي من خوفه الرابض في ذلك الجسد الملفوف بالكفن.. بدأت شفتاه تتمتمان بكلمات مبهمة خائفة.. لقد بدا في تلك اللحظة مضطرباً للغاية.. وقد لجم الخوف كل حركاته.. وشعر بحالة من الشلل تعتري أعضاءه.. يا إلهي..؟ وارتجفت شفته السفلى.. وفي داخله لعن اللحظة التي فكر فيها بالمجيء إلى هذا المكان.. ولكن الأحياء خذلوه.. فعاد إليها ثانية وتتابعت زياراته لهذا المكان.. وفي المرات التي تلت لم يعد يفكر أو يلعن اللحظة التي تقوده إلى المقبرة.. بل صار يجيء بتلقائية حاملاً معه وجعه وملاءة الليل السوداء. لقد بدأ أخيراً يرتاح هنا.. وكان يقول: -الموت أجمل شيء خلقه الله في هذه الدنيا. وفي آخر مرة حضر فيها إلى المقبرة.. قرر وبشوق ألا يفارق تلك الشواهد بعد أن داس خوفه وداست الحياة عليه.. قال له رئيسه: -أنت حمار ولا تصلح لأي شيء. وكان يتذكر الحمار.. ويخفض نظره إلى الأرض ويقول: -ألن يزعل الحمار وأنت تنعتني به ياسيدي؟ وينتفض رئيسه على هذه الجملة ويتابع: -أنت رجل لا تملك ذرة عقل. وهنا تصير الدنيا في وجهه قبراً ضيقاً قاتماً وهو مضغوط فيه.. وعندما صاحت به صديقته: -أنت رجل ليس فيك شيء نظيف سوى جيوبك. شعر بأنه يحتاج لمئات السنين ليكون حماراً.. وهكذا قرر أن يلجأ إلى الأولياء "كل الأموات أولياء" قال في نفسه.. وقد رمى بخوفه في وجه صديقته ورئيسه.. وفي وجه الحياة أيضاً. وبينما كان ينتحب من وجع الدنيا، تناهت إلى سمعه أصوات جعلته يتوقف بغتة عن انتحابه.. وقد تملكته رعدة شديدة.. وعندما نظر إلى أمامه رأى كما يرى النائم حلماً.. بأن الشاهدة التي ينتحب بجوارها قد تحولت إلى كفن.. ثم أخذ هذا الكفن يتحرك أمامه.. في البداية وقف كالأبله وقد شلت حركته تماماً.. ثم قلب نظراته التي خرجت من عينيه بشهقة في أجواء المقبرة الصامتة.. ثم سمع أصواتاً وضجيجاً.. وأخذ قلبه ينتفض بشدة.. وكأنه يريد أن يهرب من صدره.. ولمح من خلال اضطرابه بأن الشواهد الأخرى أيضاً بدأت تتحرك.. وهاهي تقترب منه.. وكل شاهدة ارتسمت في مخيلته على شاكلة عصا طويلة ملفوفة بالأعلام الخضراء.. وهي تندفع بقوة نحوه.. وفي تلك اللحظة أسقط كل شيء من يده. حاول أن يستحضر صور رئيسه وفتاته.. وجيبه النظيف.. ولكنه لم يستطع.. وتلاشت الأصوات واختفت كل الصور.. وسيطر هدوء كهدوء الأموات عليه وعلى كل المقبرة وعندما فتح عينيه.. كان المساء ببطء يحمل ملاءته السوداء عنه وعن المقبرة.. ويرحل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |