|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الأفعى كان حزيران يراقب بفضوله تدرج أيامه.. وكان لايروق له أن يمضي. هكذا بسرعة، دون أن يترك على جدران أيامه حدثاً، أو واقعة.. يتذكره الناس من خلالها.. كما /آذار وأيار/.. وعندما لم يكن هناك شيء.. فقد رضي أن يكون ضحية تموز. مشى بخطوات خفيفة مضطربة.. وكان قلبه يخفق هلعاً من أفعى تعترضه.. وما كان أكثرها هنا.. وخاصة الآن وفي موسم الحصاد.. الحشائش العالية تجاوز ركبتيه علواً.. ومع كل خطوة يخطوها.. ومع كل نسمة تهب.. كان يقف متجمداً في مكانه ويصرخ: -أفعى وعندما يتأكد أن الصوت هو صوت الأعشاب تلعب بها الريح كان يتابع سيره والاضطراب يسير معه.. مع مزيد من الهلع والخوف. وهكذا حتى انتهى من الأرض المعشوشبة ودخل الحقل المفلوح.. عندئذ شعر بالراحة والهدوء يلفان كيانه الذي كان مضطرباً قبل حين.. الآن بإمكانه المسير مطمئن البال، فأرض الحقل مكشوفة وواضحة المعالم.. اجتاز خطوطاً كثيرة لا حصر لها.. وعندما وصل إلى قمة التل بحث عن ظل يحميه من شمس حزيران.. وكانت الأشجار متناسقة ومتباعدة بعضها عن بعض بعناية مدروسة.. استقر أخيراً تحت شجرة زيتون ضخمة كثيفة الأغصان. اقترب منها في البداية.. تفحصها جيداً.. وعندما اطمأن أن لاشيء هناك.. جلس على صخرة كانت مركونة تحت جذعها.. وأسند ظهره إلى جذع الشجرة.. و.. أخرج سيجارة وأشعلها.. نفث دخانها في الفضاء الرحب.. ومن شدة النقاء الذي شعره في هذا الفضاء خاف أن يتلوث من دخان سيجارته.. فأطفأها. نظر إلى الأفق المترامي.. لملم بعينيه المسافات.،. وشعر بغبطة تلفه من رأسه حتى أخمص قدميه. جبال تناطح السماء بشموخها.. حقول وأشجار منتشرة حتى المدى.. وأراض مترامية ممتدة. والله هناك في الأعالي جالس على كرسي العرش: -لا إله إلا الله.. قال في نفسه: -هؤلاء البشر يتركون كل هذا الجمال ويذهبون ليحشروا أنفسهم في تلك البيوت الكبريتية. وتمنى لو كان جده لم يهرب في ذلك الزمان من أجل امرأة.. تاركاً وراءه.. بيته وطفولته وتاريخه. الأصوات تتناهى إلى سمعه، موسيقى عذبة الجبال والسهول والوديان.. تنقل له كل حركة تصدر.. صرير الجندب.. صياح الرعيان.. تغريد العصافير.. هسيس الأعشاب. -آه ما أجمل الطبيعة. تمنى أن يدخن سيجارة، ولكنه كف عن ذلك -في المدينة -حدث نفسه- يأخذ الناس بصرف الآلاف من الليرات لاقتناء عصفور. أما هنا فكل الأصوات بلا ثمن. هنا تستطيع أن ترى الله.. أما هناك فلا تستطيع أن ترى حتى السماء والغيوم (في المدينة كل شيء صار له ثمن وبقي الإنسان بلا ثمن). الطريق المعبدة منذ زمن الفرنسيين مازالت تشكل حركة مرور نشطة. شكرهم في سره على الذي عملوه في هذا المكان.. وقال: الخير لايضيع حق لو كان في غير محله. مرَّ من أمامه جرّار، كانت العربة الخلفية منه مكتظة بالناس.. تابعهم بنظره.. حتى اختفوا وراء الوادي. قال محدثاً نفسه: ما أبسطهم أهل القرى.. يجلس الرجل مع المرأة دون أية شبهة أو شهوة.. بينما في المدن فالرجل والمرأة هما غيرهما هنا في القرية. هبت نسمة أزاحت الأوراق المتدلية فوق رأسه.. داعبتها ثم انسلت لتداعب أوراقاً غيرها. سرى في جسمه خدر لذيذ. مدَّ يده إلى غصن.. قرّبه من أنفه وشمَّه.. ثم تركه يعود ليتماوج. هبت نسمة أخرى.. هز برأسه: -كيف يترك الناس هذا النعيم؟ مرقت سيارة صغيرة.. تتبعها أخرى.. ثم دراجة نارية. قال متألماً: -الأجانب يتذوقون طبيعتنا ونحن نهرب منها. أخرج علبة السجائر.. نظر للسماء.. دعك العلبة ورماها بعيداً.. أخذت الشمس تميل نحو الغروب.. وعندما نهض كانت قدماه متخدرتين وقد تجمد الدم فيهما.. حركهما.. ليعيد الدماء إلى مجراها. ولكنه وفجأة -يا إلهي.. ماهذا؟ وقف متجمداً، وعيناه مثبتتان على ذلك الموضع الذي كان جالساً عليه قبل حين.. حاول أن يتحرك من موضعه.. وكان قلبه يضخ الدم بعنف لا مثيل له. تغيرت الأشياء أمام عينيه وما عاد يرى شيئاً سواها أراد أن يصرخ.. أن يهرب.. ولكنها وبهدوء وبرودة أعصاب.. سحبت نفسها من تحت الصخرة التي كان جالساً عليها من توه. وزحفت عائدة إلى جحرها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |