صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الشـــــجرة

إليها لقد رحلت منذ البداية..غ‏

..ب‏

نهضت.. قامت..‏

وكانت قبل حين يلامس جذعها الأرض‏

لقد.. كبرت. وصار لها الآن ستة وعشرون غصناً، الأغصان للعصافير والغربان.‏

رأسك صخرة سيزيف..‏

أبداً لن يصل إلى مكان عال..‏

قدماك.. بلاطتا شارع موغل في القدم..‏

يداك.. تعب الأزمنة ولهاث الجائعين..‏

وتمشي هكذا تحمل الصخرة والأزمنة.. وتبدأ رحلتك في التسكع.. مدن كثيرة عرفتك "المدن للأغنياء".‏

شوارع عديدة احتضنتك "الشوارع للفقراء" وأرصفة وليال قاتمة آوتك ولكن واحدة منها.. لم تعطك خبزاً ولا أغان ولا موسيقى..‏

كانوا ينظرون في وجهك وعندما يلمحون طيبتك وبساطتك يبصقونك.. ويتركونك للبرد، والغول.. ولأمانيك العديدة التي تحملها في رأسك.. صاحت:‏

-سنذهب من هنا.. أخاف العتمة وعيون الآخرين.‏

وكانت طفلة بجانبك تنط وتطير.. قلت لها:‏

-تعرفين؟‏

نظرت في وجهك سهماً عانق صدر الحسين.. هزت برأسها علامة النفي. قلت:‏

-رغم أنك قفزت فوق عشرين أربعينية شتائية فإنك مازلت طفلة في الثامنة أومأت برأسها.. وضحكت ثم طارت عصفوراً لا يلوي على شيء.‏

مدينتك صغيرة.. صغيرة.. لا يغرنك حجمها المتطاول.. كانت منذ زمن.. قبلة للسياح.. مدينتك الآن أصبحت رغبة، وهذه الرغبة هي هناك في السماء تطير.. العصافير.. هاجرت منها.. والطيور رحلت إلى أماكن أخرى.. ولم يبق فيها سوى غرابين.. يبحث أحدهما عن قبر للآخر.. تتذكر: عندما صرخ أبوك في وجهك.. وأبوك يحبك كثيراً.. هكذا تقول أمك الحبيبة.. قال:‏

-إن لم تترك هذه الكتب الفارغة وتعود إلى عملك فلا تريني وجهك.‏

وكان صوت أبيك آنذاك.. رعداً يقصف خمسة عشر غصناً من الشجرة التي مازالت تطمح أن يلامس رأسها غيمة مشبعة بالخبز والمطر.. أمك.. آه كم تحبها.. وهي تحبك أيضاً، ولكن ليس كما تحب الله.. وأنت تتخيل.. تخجل أن تقول لها.." ماما ماما أنا أحبك" وعندما تصرخ في وجهك تصير غيمة مشبعة بالدموع.." آه يا أمي لكم أحبك.. وأحب زوجك.. وأولادك.. وأيضاً حجارة بيتك".‏

أمسكت بك وقالت: "تعال لنبكي"‏

نظرت إليها بحزن وقلت: "لا أستطيع أن أبكي" وتمنيت في تلك اللحظة أن تبكي. "بل تستطيع" قالت لك: انظر إلى ذلك الطفل كيف يبكي.‏

وعندما نظرت.. كان الطفل قد صار أمنية وطار.‏

قلت "أنتِ ابكي" وبكت.. وكانت قطة تموء.. تركض على جدار بيتكم القديم.." هيا دورك الآن: حاول أن تبكي.. انظر.. الشارع خاو ولا أحد.. هناك" ونظرت إلى الشارع وشعرت أن حياتك مثل هذا الشارع.. وأردت أن تبكي. ولكنك كنت شجرة مقطوعة الأغصان تنظر للسماء وتحلم بالمطر وبحبل غليظ. عينا رئيسك ذئب جائع يرقب قطيعاً من النعاج.. صرخ فجأة وقد تسلل من وراء الباب "ما شاء الله.. وقت العمل.. وأنتم ترشفون الشاي".‏

وتساقط القمر من وراء النافذة كتلة حجرية سوداء..‏

وتكبر مدينتك.. هذا ماتشهد به باقي المدن المجاورة.. وأنت وأمثالك.. تضيعون.. تصغرون.. وتتأوه على كل الأشياء:‏

مدينتك صارت غربة.. ونواح أرامل..‏

تمسك برأسك.. الذي بدا بين كفيك.. كحبة (قرنبيط).. عيناك.. بدأتا تشتهيان منظر الطيور.. والغيوم البنفسجية.. عيناك البائستان ما عادتا تريان شيئاً سوى موديلات الأحذية والأرصفة المتكسرة.. حاولت أن تتذكر أشكال الكثير من الأشياء العصافير.. السماء.. الغيوم.. البساتين.. النساء.. ولكنك لم تستطع ذلك.‏

لأنه كانت هناك شجرة تنظر للسماء وكانت سوداء. مثل الليل فيما كانت أغصانها.. الستة والعشرون.. متدلية نحو الأرض.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244