|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
فلسفة حمار كان يحمل حقيبته السوداء ويمضي.. شوارع المدن وأرصفتها تعرفه.. ربما يتساءل كل من يراه وفي يده حقيبته السوداء التي لاتفارقه لحظة: "ماهي محتوياتها..؟" مرة واحدة فقط استطعت أن أسترق النظر إليها وأستطلع ما بداخلها.. لم أجد بداخلها سوى كومة من الأوراق.. وبعض الصحف.. وعندما سُئل مرة: -ماذا تحمل في حقيبتك..؟ ابتسم وتمتم بكلمات غامضة: -أحمل تعاستي السوداء في داخلها. ثم يقول أحياناً: -صدقوني لا أعرف معنى لتلك التسمية السوداء حتى اليوم. اسمه سحبان.. أما من أطلق عليه هذا الاسم فلا أحد يعرف. ورغم أنه لم يتجاوز عقده الثالث فإن رأسه قد صار أبيض تماماً.. حياته هي غابة من الأحلام الوعرة. على حد قوله.. يكره أكثر الأشياء فصل الشتاء.. ولأجل ذلك يظل مرتدياً حتى في عز أيام الصيف بدلة الجينز.. رافعاً ياقته محكماً أزرار جاكيته.. وعندما يسألونه: -ألا تشتعل من حرارة هذا الجاكيت؟ يجيبهم بابتسامة عريضة: -أنا ذلك الشيخ الذي لا تدفئه نار جهنم. وعلى ذكر الشيخ فسأحكي لكم قصته التي يرويها سحبان على مسامع جلسائه وخاصة الذين يمازحونه: "كان هناك شيخ عجوز -هكذا يبدأ بسرد حكايته- أكل الدهر من رأسه ومن جسده.. عجوز تقي صالح لاينقطع عن فريضة من الفرائض التي أنزلها الله على نبيه وعباده.. ويزيد عليها من عنده فرائض ما أنزل الله منها من سلطان.. وكان يقطن حياً شعبياً مكتظاً بالسكان.. وفي الشارع نفسه الذي يقطن فيه كان هناك ثلاثة شبان مشاكسون.. لا يتركون شيئاً حرمه الله إلا وهم أهله.. وكان الشيخ العجوز يدعو لهم دائماً بالصلاح وبالعودة إلى الإيمان والطريق السوي.. ولكن كانت هناك مشكلة يعاني منها هذا الشيخ العجوز الورع.. وهي أنه دائماً يشتكي من البرد.. حتى في أوقات القيظ.. وكان ذلك الهاجس يؤرقه.. حتى أنه كان يقول لنفسه: -سوف أدخل الجنة وأحرم من النار ودفئها. ولأجل ذلك ولكي لا يحرم من النار ودفئها.. فقد قرر شيئاً بينه وبين نفسه.. في يوم الحشر سوف يطلب من الله أن يبادل هؤلاء الشبان الثلاثة الملحدين أماكنهم.. سوف يقول لربه: -أي ربي أخاطبك مدركاً رحمتك وغفرانك.. وأطلب منك السماح لي بمبادلة هؤلاء الشبان أماكنهم.. عسى أن يتقوك ويطيعوك.. فإن رضيت فإني أقبل أن أذهب إلى جهنم ويذهبون هم إلى الجنة. وبعد رحيلهم.. وبعد أن تمت المبادلة.. وفي يوم.. وبعد زمان طويل وبينما الشبان الثلاثة ينعمون بأطايب الجنة وهنائها.. خطر في بالهم ذلك الشيخ العجوز التقي واتفقوا فيما بينهم على أن يذهبوا إلى جهنم للاطمئنان عليه.. وبعد مشوار طويل وعذاب مستديم وصلوا إلى بوابة ضخمة.. وكانت تلفح حرارتها وجوههم الفتية.. واجتمع ثلاثتهم على فتح ذلك الباب الذي تزعزع قليلاً.. ولكنهم بهتوا عندما سمعوا وراء الباب صوتاً وكأنه الريح الحامية آتياً من عمق لا قرار له.. وكان الصوت هو صوت الشيخ العجوز.. وكان يصيح بأعلى صوته: -أغلقوا الباب. أغلقوا الباب. أنا بردان" وبعدما ينتهي سحبان من سرد حكايته كنا نضحك بعمق.. ليس على الشيخ البردان وإنما على سحبان وطريقته في سرد الحكاية.. وهو يرفع ياقة جاكيته وكأنه العجوز. وسحبان يا أصدقائي هو واحد فلتان على رأي "أم أحمد" ولكنه مهذب وخجول.. هكذا تقول "أم أحمد" من الممكن أنكم لم تتعرفوا عليه بعد.. ولكن صدقوني.. كل من عرفه أحبه سوى بعض الأغبياء.. ومشكلته أنه لايستطيع أن يحقق أحلامه في هذه الدنيا.. ويقول: -إن حياته هي معادلة لا حل لها. ومايريده هو: -حياة تنتفي فيها كل العادات والتقاليد.. وجميع الشرائع والمعتقدات. إن هذا لايعطينا شيئاً عن حقيقة سحبان.. ولكي نعرفه تماماً، سنصغي لحديثه مع فتاته وليكن اسمها حسناء: -حسناء إني تعيس وأتمنى أن أموت. -ولماذا تموت؟ أما قلت لي بأنك وجدت فتاة أحلامك؟ -بلى ولكني تعب يا حسناء، وماعادت لي القدرة على الاستمرار. -حسناء.. أنا مريض -ستشفى يا حبيبي فأنا بجانبك -حقاً؟ -نعم.. وسنعيش كما يحلو لنا. -ولكن هل يتحقق هذا؟ بلى.. سيتحقق.. وسنفعل كل شيء.. أي شيء. ودون خوف أو شعور بالذنب. -أنت رائعة ياحسناء.. هل تحبين البراندي؟ -كما تحبه أنت.. أنا أحبه كثيراً. -وهل تحبين التسكع؟ -إنه في دمي -آه.. حسناء هل ترحلين معي؟ -إلى أين؟ ـ إلى كل مكان. سنجوب العالم... سنبحث عن عوالم أخرى.. عالمي هذا يقتلني.. سنمارس حياة بعيدة عن كل القيود. ـ إذاً هيا يا حبيبي لنعش كما نريد.. وكما نشتهي. ـ الآن أنا أشعر بالسعادة. ـ وأنا أيضاً يا حبيبي. ـ حسناء مارأيك بالحمار؟ ـ ماذا؟ الحمار؟ ـ نعم الحمار.. ـ الحمار كائن مسالم وصبور لا يؤذي أحداً. ـ أعتقد يا حسناء أن صبره ورضوخه هو فلسفة..ألا تعتقدين ذلك؟ ـ فلسفة.. كيف؟ ـ سأقول لك كيف.. ماغاية الإنسان في هذا الوجود.. السعادة أليس كذلك؟ طبعاً يختلف الناس في مفهومها.. ولكن النهاية المطلقة. وأنا لا أؤمن بالنهايات المطلقة ـ هي أن يمتلك الإنسان كل الأشياء. أليس كذلك؟ إن الحمار قد وصل إلى هذه القناعة.. وهذه القناعة أتصور بأن الإنسان يحتاج لمئات السنين ليصل إليها... هل تفهمينني يا حسناء؟ لقد عرف الحمار أن غاية وجوده أن يعيش.. وفلسفته تكمن في أنه وصل إلى تلك القناعة.. وأما رضوخه وتحمله فهو لأن تفكيره يعلو تفكير من يرضخ له.. ولاحظي الفارق بين سلوك العبد أمام سيده وسلوك الحمار أمام الإنسان.. فالحمار رغم ضعفه لا يرضى كالإنسان أن يهان. ـ ألا ترى بأن الإنسان إن وضع قناعته في شيء ما فإنه بذلك لن يستطيع أن يفكر ولا أن يتطور. ـ إذاً فما عليه إلا أن يتعذب.. وأن يكافح من أجل سعادته التي لن يصل إليها حين موته. ولا تنسي يا حسناء. إن مانحلم أن نمارسه. يمارسه الحمار دون أن يحسب حساباً لأي شيء.. وهو لا يقول مثلنا.. سوف نفعل هذا الشيء لأن الناس لا تمانع.. وسوف لا نفعل ذاك الشيء، لأن الناس تمانع.. رغم رغبتنا في ذاك الفعل.. إذاً كم يحتاج الإنسان لكي يصبح حماراً..؟ هذه هي الفتاة التي أطلقنا عليها مجازاً اسم حسناء، والتي يعيش معها سحبان ويحدثني عنها بشكل دائم وهو يقول: ـ سأجدها يوماً سأجدها.. ولكن المشكلة يا أصدقائي، أن سحبان مازال حتى الآن يمشي في شوارع المدن، وحقيبته السوداء على كتفه.. وياقة جاكيته مرفوعة، يبحث عن حسناء.. وعن أشياء أخرى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |