|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حديث جدي بخطوات مثقلة بالألم كان يمشي.. سقط جسده من الحافلة، بصقته ومضت. نظر حولـه.. كان السكون يحملق في وجهه وروحه.. مضى وقلبه كان يدق بوجل. بداية لم يكن يعرف إلى أين سيمضي.. ولكن فجأة قرر: ـ سأنزل هنا.. ونزل..وهكذا وجد نفسه بينهم.. ترى أي شيء يجعله يأتي إلى هنا؟ لم يكن يدري أبداً.. شيء ماكان يشده يسحبه.. وهو لا يشعر إلا وقدماه تقودانه إلى هنا كان الهدوء يخيم.. ولولا النسيمات الربيعية التي كانت تهب وتلعب برؤوس الأشجار. لتملكه الوجل.. اجتاز الأضرحة المنتصبة بجانب بعضها.. وكان يقفز من فوق المرتفعات الترابية وهو يقول لنفسه: ـ هذا قبر وتحت هناك جسد يرقد. ويتخطى القبور الكثيرة.. ليصل أخيراً إلى قبر لا تظهر منه سوى شاهدتين ارتفعتا بمقدار بسيط عن الأرض.. وقد كتب على طرفي الشاهدة الخارجي.. اسم جده: ـ آه جدي.. ويتذكر ذلك الكائن الأسطوري.. تعاوده ذكراه.. ذلك الإنسان المحمل بطيب الطبيعة وعند الجبال الشاهقة. يحاول أن يصرخ: ـ جدي. ـ جدك. صار تراباً. يأتيه حديث نفسه.. ـ أنظر ياولدي.. وينظر بانكسار.. يلمح صورة جده يقول: ـ هذا أفضل مكان يرتاح فيه الإنسان.. ولا شيء يملأ عيني الإنسان سوى هذا التراب. ويرفع نظراته صوب الأفق.. يلمح حماراً واقفاً.. وبدهشة يلمح في عينيه نظرات حزينة.. يستغرب... يدقق النظر إليه أكثر.. لا يصدق. آه هناك دموع في عينيه يخفض نظره للأرض كسيراً. يعاوده حديث جده: ـ هنا يا ولدي لا يسألك أحد عن شيء.. ابن من أنت.. أية لغة هي لغتك.. وماعرقك، ودينك. ويصغي بانتباه وحيرة: ـ هنا كلمة الله هي العليا.. ومايقوله الناس عندكم "إن الناس سواسية كأسنان المشط"، هذا القول لا يمكن تطبيقه عندكم حتى ولو صدق الكافرون. يسيطر عليه هدوء غريب ممزوج بإشارات استفهام عديدة: ـ هنا.. هناك.. عندنا..عندكم.. وتتداخل الصور في رأسه.. وهو حائر.. يرفع رأسه.. تقع نظراته على ذلك الحمار الذي مازال واقفاً يرمقه بنظرات يجد فيها حناناً عجيباً. وفجأة يتذكر بأن الوقت مضى.. ويتذكر المدينة.. والوظيفة.. وإسفلت الشارع مرات ومرات.. وجده يدعوه أن يذهب إليه.. كان يقول له: ـ اترك هذه المدينة ياولدي، وتعال لتعيش معي بين الكروم.. وبين هذه الجبال. يمسك رأسه بين يديه.. وقد تلاشت كل الصور التي حملها معه.. قبل حين.. تختلط روائح الأيام الغابرة في ذاكرته.. يحاول أن يعيد جده إلى الحياة: ـ صباح الخير ياجدي. ويتذكر كيف كان يستقبله بابتسامة وهو يطل عليه بهيئته الجبلية. يركض نحوه.. يقبل ظاهر كفه.. ويحتضنه هو بحنان أبوي: ـ بارك الله فيك ياولدي. يسحبه من يده ويقوده إلى غرفته: ـ جدي هذه غرفتي، وهي غرفتك أيضاً.. سننام هنا سوية.. أرجوك ياجدي.. وستحكي لي عن الطبيعة وأيضاً عن الجندرمة. كان يحب حديث جده.. خاصة عندما يغوص في تفاصيل تلك الأيام الغابرة.. كان يشعر بنشوة ممزوجة بالحب والكبرياء.. وهو الآن واقف أمامه ممداً.. آه كم كان عظيماً.. ويحاول أن يصرخ.. ولكن صوت الرياح الممتزج مع صمت المقبرة.. يكتم صيحته.. تلفح وجهه نسائم خائفة.. تركن نفسه للصمت.. ويتساءل: ـ أية راحة أشعر بها الآن..؟ فينظر من خلال نظارته صوب الجبال الشاهقة التي يكسو رأسها بياض أزلي.. تحلق نظراته في الفضاء.. في الغيوم.. في تلك الطيور المحلقة فوقه والتي لا يعرف نوعها.. ولا هويتها، ويتملى بحزن أرجاء المقبرة الشاسعة. بهدوء ينهض من جلسته وقد تخدرت قدماه. يحركهما ثم يعاود الجلوس. تعاوده صور من الماضي.. من شتات أيام لن تعود.. ـ يا جدي.. أنا أحب الطبيعة.. ولكن الدراسة و.. المشاغل. رغبة ملحة جاءت به اليوم.. في داخله بوصلة تقوده إلى هذا المكان.. ـ جدي كان أسطورة حقل قديمة.. جدي أصبح الآن شذرات من الماضي. ويتمنى أن لا تنتهي اللحظات التي يقضيها مع جده هنا. ولكنه في النهاية. يدرك أنه سيرحل.. وسيترك جده وحيداً.. وهاهو يبتعد.. تبتعد خطواته عنه.. ويتذكر الحمار.. يمنحه نظرة مليئة بالعطف.. ويتركه.. ويمضي وفي داخله.. صرخة لا يستطيع إلا أن يكبتها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |