|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
وجهة نظر حمار كان يمشي وسط الشارع مطأطئاً رأسه، وكعادته عندما يمشي كان غير مبال بأحد حتى بصاحبه الذي كان يمشي وراءه، ويلكزه بعصاه. يترنم بأغنية ما، ولحن حميري قديم، ولأجل ذلك كان يحرك رأسه إلى الأعلى وإلى الأسفل، وفي بعض الأحيان إلى جهة اليمين، وجهة الشمال، وكان كل من يراه هكذا يشعر بالعطف نحوه، وبالسخرية، في أغلب الأحيان، ويحاول الابتعاد عنه قدر الإمكان، لأنه حمار، والحمار لا يفهم، فهو يرفس، ويعض، ولأجل ذلك سمي حماراً هكذا يعتقد الناس.. ولكنه في النهاية يظل كائناً خلقه الله هكذا.. وخلق له فلسفته وعقله..، وليس لأحد أن يتدخل فيهما، كان مايزال سائراً في الشارع، يترنم بأغنيته الحميرية، عندما سمع لغطاً وأصواتاً، توقف فجأة على أثرها وقطع أغنيته. رفع رأسه الثقيل عن الإسفلت، وقد تصالبت أذناه،. وقف لحظة ليكتشف مصدر تلك الأصوات، التفت إلى جهة اليسار، ثم إلى جهة اليمين.. حرك رأسه الكبير الممتلئ فلسفة، وتأتأ تحت ثقل حمله ثم نهق مرتين، ومضى يرقب بعينيه الجميلتين، تفاصيل الشارع الإسفلتي المحترق.. "الحمد لله أن ربي خلقني حماراً". قال لنفسه وهو يحرك ذيله، وقد شعر بابتهاج عظيم.. حرك ذيله مرة ثانية، وحمد ربه للمرة الثانية أيضاً، أن الله لم يخلقه بشراً.. عندما ارتسمت في مخيلته الواسعة صورة ذلك المشهد الذي رآه حينما التفت جهة اليمين وكان شيئاً ثقيلاً عليه، لم يستطع هو الحمار تحمله.. عندما التفت برأسه لجهة اليمين، شاهد جماعة من الناس، كانت متكومة على شيء أدرك بمفهومه الحميري أنه ليس من أبناء جلدته، وكانت تنهال بالضرب عليه. حرك رأسه بسخرية وامتعاض، وتمنى في نفسه لو كان الله قد خلق هذا المضروب مثله، يتعالى على تلك الضربات التي كانت تنزل عليه. ولكن ولكونه حماراً، لم يستطع أن يتمنى ذلك، بل تمتم بشفتيه الغليظتين ونهق بصوت مرتفع وتابع طريقه، هؤلاء البشر.. آه من البشر.. حدث نفسه. باتوا يضربون بعضهم بوحشية، وما عادوا يترحمون على بعضهم البعض فكيف بالله سوف يتسنّى لهم أن يشعروا بآلامنا نحن الحمير.. ويترحموا علينا..؟!! هؤلاء يظنون أننا لا نشعر بالآلام عندما يضربوننا. ولكنني في الحقيقة أشفق عليهم، وعلى قلوبهم القاسية، فهم لو أدركوا بأن كل عصا تنزل على مؤخرتي تنسيني حليب أمي، لاستحوا من أمهاتهم..ولكن لابأس.. ولنترك هذه التفاهات، ودعوني أسأل هذا السؤال الذي طالما أرقني. أنتم بني البشر يا ماشاء الله عليكم.. أنتم يامن خلقكم الله في أحسن تقويم، أريد أن أسألكم عن قناعتكم بحياتكم التي تحيونها..؟ طبعاً ستضحكون، ولن تجيبوا فأنا حمار وأنتم بشر. وشهق نفساً طويلاً، وتابع: هذا أولاً. ثانياً، وهنا أرجو منكم ألا تتهربوا من الإجابة، أجيبوني: نحن الذين تقولون عنا حميراً.. نحن الذين لا نملأ عين أصغر واحد فيكم.. بربكم أيها البشر قولوا: هل وجدتم بيننا فقيراً وغنياً؟ هل وجدتم عندنا اضرابات وتنظيمات؟!!.. طبعاً عندكم هذا شيء مفروغ منه.. وتقولون أنكم أحسن منا، لا وحق الكائنات، فنحن أفضل منكم، ونعيش حياة أرقى منكم بكثير.. واعذروني. إذا قلت لكم بأنكم بحاجة لمئات السنين لكي تصلوا إلى مراتبنا، ولا تستغربوا، فأنا أقول بفخر بأننا تجاوزنا كل إشكالياتكم..، ونحن نعيش والحمد لله في قرية كبيرة اسميناها العالم. وتقولون: أننا لا نفهم.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. وضربتم الأمثال علينا في هذا الشأن..؟ عذراً فقد نسيت..؟ ذلك الشاب الذي كان يضرب، ترى.. لماذا كانت الناس تضربه،؟ أنا أعرف لماذا..؟ ولكنني لن أقول لكم.. ولكن.. شيئاً واحداً أقوله لكم، وهو: لا يشعر بالوجع إلا صاحب الوجع.. وأنتم لن تشعروا بآلام ذلك الشاب كما شعرت أنا بها، فاعذروني أيها السادة، إن كنت أتفلسف عليكم، وذلك لكي تفهموا إنني أيضاً كائن ولي وجهة نظر.. ولكن مشكلتي هي أن رأسي يابس، ولا أسمع نصيحة أحد، ولا أتعلم من أخطاء غيري ولا حتى أخطائي.. وهذا عائد إلى شيء واحد، وهو أنني حمار، فتصوروا ياسادة كل هذا الحديث، كان من التفاتة واحدة لجهة اليمين،. فيما التفاتتي لجهة اليسار، فسأتركها لكم، وهذه وجهة نظري.. فعذراً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |