صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المزامير

إلى نادر السباعي‏

مع مواسم حصاد لا تمنح مزامير.‏

تلوح في الفضاء قريتك المعلقة بين السماء والأرض. إنها ستقترب لتفسد أحلام غربتك! وهذا النسيج العنكبوتي الهائل العالق بك، هو محصول إرثك العظيم.. الذكريات العارمة المطرزة بالماضي.‏

ليس بماضي حياتك فقط، بل بماضي الأرض التي خرجت منها! تلك الذكريات التي ترافقها نزعة الاستكشاف العميقة الجذور، والشاعرة بكل شيء: كيف أشرقت الشمس وغربت في يوم من الأيام وأنت صبي لم تتجاوز العاشرة؟‏

وكيف يكون الإحساس بنداوة العشب المندس بين أصابع عارية، وحفيف الأشجار عندما يداعبها الريح؟‏

كنت تمشي وتهرول وتلعب في هذا الطريق المترب البائس الذي أكل من قدميك. لعلك لاتذكر المرات التي لسعت قدميك الأشواك والعليق (المعربش) على حواف الدروب، تبدو واضحة آثار دعسات أظلاف البقر الذي يخلف روثه المملوء بالشعير. وأصوات نقر خطى قطيع الأغنام وهو عائد من النهر ممتلئ البطون. ورائحة شجر الزيزفون والصفصاف في أيام الربيع، ولغط أيام الحصاد عندما يثار في مواسم الصيف... ورنين الكلام المرح في الكروم أثناء قطاف الزيتون؟..‏

تلاشى الزمن كحلم عابر، وذكرياتك المطمورة التي ينبشها الخفقان الدائم في تجاويف الدماغ، حتى أنك عشتها في أحلامك حاملاً عبئها الثقيل الدائم خلال نومك المرهق.‏

لم يضع شيء مما كان. إن الشلال المتدفق لا ينقطع، حتى تكتكات النار في موقد جدتك وهي تطبخ، ورائحة يديها المعطرة، بروائح شتى، لم تفارق أنفك، رائحة البيت الجبلي المشلوح بشكل عفوي. رائحة جلوس جدك في مكانه المعتاد، وآثار جلوسه المطبوعة في الحواس رغم ارتحاله. ودخان العشب المتراقص في الهواء،ورائحة أوراق الشجر المتساقط، وتكسرها تحت الأقدام المتعبة العائدة إلى بيوتها، والأنوف التي تشم رائحة الطعام الساخن.‏

أجل، كانت ترقص في نومك تلك القرية الخرافية.. لقد عشت خلال الأزمنة تلك التقلبات الجوية المختلفة التي عرفتها وحشة شتاء (كوانين)، ومع الشتاء الكئيب البارد إذ تغيب الشمس بلونها الأحمر المعشب، ويضج الاخضرار في نيسان، حيث يرافقه تورد الوجوه، وافترار المباسم بالزغاريد في أيام الأعراس، والأجساد السكرى على صوت الطبول والروزنا والدبكة، ودق الكعوب في الساحات المتربة والمتحجرة..‏

لقد عاودتك اللحظات المنسية والساعات التي لاتحصى بأثقال الذكريات، ومعها الأصوات المتلاشية في الجبال منذ القديم، أصوات أقرباء ماتوا ولم ترهم قط، والبيوت التي شادوها وماتوا معها والطرقات الوعرة التي ساروا عليها، والأقدام التي تهرس الحصى وتفتت الصخور، وكل التفاصيل التي حدثتني بها العمة (خاجو)، عن حياتهم الغامضة في الأزمنة الماضية البعيدة.‏

وما تزال تتعرى أمامك القامات الأسطورية المدهشة، وتنقر أذنيك المواويل الحزينة تختفي إلى حين.. ثم تظهر! وهكذا استيقظ كل شيء في طريقك إلى القرية!‏

قرأت في إحدى المجلات وأنت في منفاك أن البلاد تمر بتحولات عظيمة: انجرفت تلك البلاد نحو سيادة العلم وهستيريا التصنيع!! ملهوف الآن.. وأنت تقوم بجولة عبر الدروب التي تاقت نفسك إليها. سمعت نباح كلب في البعيد فهالك الفراغ. أطلقت صوتك عالياً فسمعت صداه، كصوتك في واد ذي زرع، فجأة، انبعث صوت نهيق حمار معلول دبت فيه شيخوخة مفاجئة. صحت وحدك في جنون: "أين أنتم يا سكارى القرية؟!! القرية فضفاضة وأنت وحدك زائرها الغريب! عرفت حكاية (مدينة النحاس)، تلك الحكاية الخرافية القديمة وهي تحكي عن المدينة التي هجرها أهلوها ذات يوم بسبب ملوكها الطغاة.!...‏

تساءلت والخيبة تنهش داخلك: "لماذا لا تكون هذه القرية آهلة؟".. وتفحصت البيوت والحقول والكروم القريبة الخالية من الحركة. مازالت تصيخ لنثارات من الأنغام البعيدة، قادمة.‏

امتدت نظراتك نحو النهر المتعرج في السفح الآخر وقد راعتك تلك الغابة المجنونة التي تشكلت حديثاً من نباتات القصب المهرولة. رشقتك بعض الأصوات من جهة النهر فشدتك لتعرف مصير أهلك وناسك بعد طول غياب. تفتحت الرؤوس وهي تظهر من قلب مجموعات القصب السامقة بخضرتها اللينة وقد غزا رؤوسها الاصفرار.لما كنت صغيراً، كنت تقطع لنفسك واحدة وتصنع مزماراً. وفي أحيان كثيرة، كنت تبتعد لتجلس في مكان قصي في ظل زيتونة وتسكب الأصوات: ألحاناً مشوشة، مرتبكة، ولكنها تطربك. وتفرحك وأنت تسمع الأصوات. صوت الأرض ينبعث في روحك الهائمة.‏

جاءك صوت كشفرة السكين: "هناك غريب يا جماعة!" اقترب منك فلان بن فلان، وفي عينيه نظرة جامدة. لقد عرفته ولكنه لم يعرفك. قلت: "كيف حال الناس والقرية و...؟..‏

كان صوت حش القصب يملأ المكان:‏

ـ " ومن أنت؟"..‏

أنطلق صوتك غريباً مهزوزاً.‏

ـ أنا فلان ابن فلان.. تركت القرية منذ سنوات طويلة!"..‏

حدثك الرجل بارتياح بعد أن عرفك، وأفاض، مزهواً في شأن القرية المزدهرة والثروات المكتشفة. وعلى رأسها القصب ورواجه في البلاد وأثره في حياة المواطن اليومية.‏

فكنت تجد القصب مكاحل للنساء، وأقلاماً للخطاطين في أيام المناسبات الوطنية، وسلالاً للزهور، وأدوات للزينة، ومزامير تباع للسياح الذين يرتادون المنطقة طلباً للآثار.‏

استطاع المختار أن يحتكر سوق القصب وحده ويجني ثروات يعمر بها القصور والمعامل، وقد اتبع الأساليب الحديثة في الصناعة. ازدهر مصنع المزامير وراج إنتاجه في الأيام الأخيرة عندما أصدر المختار قراراً واعتبر التزمير واجباً وطنياً. فتحتم على كل مواطن، اقتناء مزمار حتى يزمر، فالموسيقا تهذب الأخلاق، وترقى بالشعوب. أنغام المزامير التي شاعت خلال تلك المناسبات الوطنية، أطربت الحيوانات والنباتات أيضاً، فزاد نتاجها، وكثرت مهرجاناتها ورفرفت الأنغام في أرجاء البلاد وأصبح التّزميز طقساً يومياً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244