صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أين تنام الطيور

-صباح ذلك اليوم‏

-على شاطئ ذلك البحر‏

-وعلى أنغام ذلك الليل الذي مضى‏

(عندما يصرخ الجسد من شدة البرد فإنه بذلك لا يبكي البرد، بقدر ما يبكي جسده وهو يصرخ)‏

-انقشع الظلام، وتفتقت ساعات الصباح الأولى.. وأخيراً.. صدق أن الليل قد أدبر. عندما نزل من السيارة كانت الساعة قد تجاوزت السابعة، وكان قلبه يخفق بشدة بخاصة عندما يتذكر أنه سوف يجالس ذلك الكاتب العظيم وتلك الأديبة التي أحب كتاباتها..‏

وعندما يتذكر حديث رواد مقهى الموعد والقصر ورمسيس..‏

مضى في شوارع بيروت عصفوراً دورياً، شبع لتوه من أنثاه.. "آه ما أروع فتيات بيروت" ويبدأ بدندنة أغنية "بيروت تفاحة.. والقلب لا يضحك"‏

جلس في مقهى مشرف ببراعة على جمال بحر بيروت.. ارتشف بهدوء قهوته "الإكسبريس" ألقى نظرة ساخنة سريعة على أوراقه.. أمعن في الأسئلة.. أضاف وحذف. كل شيء جاهز قال في نفسه:‏

"الآن عليك أن تمتلك ثقتك وتمضي "الثقة هي مفتاح التعامل مع الآخرين ملأ رئتيه بهواء رطب ونفث هواء ساخناً.. حمل حقيبته الجلدية، ومضى.. وفي رأسه آمال عريضة ممتدة كخريطة وطنه.‏

بيروت مزيج من المحرمات التي يشتهيها الإنسان، ولا يستطيع الحصول عليها. وضع "عبد الله حقيبته على الأرض، ورمى بجسده فوق الكرسي. كانت قدماه حينذاك قدمي "زوربا" وهو يرقص، لقد باء مشواره بالاخفاق، ولم يستطع أن يرى أحداً.. حتى ذلك الصحفي الذي ينزل عنده ليشرب فنجاناً من القهوة قالوا له لقد سافر إلى الغرب.‏

تكاثفت الغيوم فوق بيروت، وتلونت. بيروت لها ناسها.. لها أصحابها. حرك "عبد الله رأسه ومسح العرق المتصبب عن جبينه. لقد شعر بكآبة غريبة تسيطر عليه في تلك اللحظة.‏

عندما نزل من السيارة كان يشعر بأنه يستطيع أن يمتلك العالم أما الآن فقد تلاشى هذا الشعور.‏

هجم المساء و"عبد الله" لم يفعل شيئاً بعد، ذهب إلى المرأة التي كان ينزل ويبيت عندها.. وكانت هذه أكبر ضربة توجه إليه اليوم عندما لم يجدها.‏

الليل في بيروت وحش يفترس حتى الصعاليك، والبحر في الليل مخيف يذكره بالموت وأكفان الموتى والتوابيت الخشبية السوداء.‏

حاول أن يبحث في ذاكرته عن مكان يلجأ إليه..، وكان قد استبعد الإقامة في الفندق، فكر بالأصدقاء، ولكنه استبعدهم أيضاً، فكر بالعودة.. ولكن!!‏

لقد تبخرت كل مشاريعه في تلك اللحظة، فقط شيء واحد تملكه، وهو أن يجد مكاناً يبيت فيه وتمنى لو كان الجو دافئاً لتدبر أمره في مكان ما على الرصيف، أو على هذا الكورنيش..‏

مشى في شوارع طويلة، وكانت الريح الباردة تلفح وجهه، تمنى ألا تكون للشوارع نهايات، ولكنها كانت كلها تقود إلى البحر.‏

قضى "عبد الله" حتى منتصف الليل في مقهى الروشة وكان جسده يرتجف من البرد، فيما المحلات المجاورة للمقهى تطفئ أنوارها وتظلم الواحدة تلو الأخرى، ومع كل آخر ضوء ينطفئ، كان الظلام يحل في كيان "عبد الله".‏

لقد ذهب الناس، كلٌ حمل تعبه إلى بيته ومضى، سوى عبد الله، الذي كان يحمل تعب العالم كله.‏

قرر أن يذهب إلى بيت "أم فادي" وينام أمام المدخل.‏

كانت الشوارع فارغة حتى من الكلاب. أخذ يمشي ويمشي حاملاً تعب العالم كله. شتم حياته، شتم الدنيا وأم فادي.. ولم ينس أن يشتم حذاءه أيضاً.. وفي غمرة تعبه تذكر "راسبوتين" تشجع على تعبه قليلاً (ولكن البرد والتعب وصمت الليل) وتمنى عبد الله لو يصرخ لو يوقظ كل الناس، ولكنه دلف إلى مبنى مظلم، وهو يخاف الظلام..‏

تمدد على الأرض، فرش تعبه عليها، وقبل أن يغط في نوم متعب تساقطت عليه الأصوات حمل نفسه وتعبه وولى بهما..‏

بيروت ليست لأمثالك يا عبد الله.. هي لأصحاب السيارات الفارهة، وللنساء العاريات..‏

وتذكر صورة رآها عندما كان جالساً مساء في المقهى المشرف على البحر كان هناك في الأسفل شاب وفتاة يقبعان في زاوية مظلمة، لقد راقبهما بكل جوارحه، لم يترك حركة من حركاتهما إلا صورها..‏

آه.. بيروت أنت واحدة من مدن هذا العالم العاهر أنت لهؤلاء فقط يفعلون ما يشاؤون. وأمام الله والبشر.. فيما "عبد الله" فقدماه ما عادتا تحملانه.. الشوارع مظلمة والدقائق أبدية..!! واجهته بناية شاهقة مهدمة من فعل الحرب، شكر الحرب في سره، وتشجع دخل إلى الظلام الشاهق، رمى بجسده على الأرض.. كانت رطبة، غفى وقد امتصت الأرض تعبه، ولكنه لم يستطع إلا أن ينهض على أثر أصوات وطلقات صادرة من مكان ما.‏

في البداية ظن أن الصبح قد أقبل، ولكن الليل لم يزل كما هو. تجاوزت الساعة الثالثة.. وعبد الله ما زال يبحث عن جحر يضع جسده الجميل فيه/ على حد قول صديقته/ والذي أضحى منهكاً تماماً وبالياً.. آه لو تراه في هذه الحالة لبكت عليه..‏

وأخيراً وجد نفسه أمام ملهى ليلي، وكان كشك البواب خالياً، نظر حوله، شاهد بضعة كلاب، دس جسده في زاوية الكشك، وكان البرد في تلك اللحظة يأكل حتى الخشب، أغفى على الرغم من البرد واستسلم لحالة تشبه الحلم.‏

وجد نفسه في فراشه، وبجانبه صديقته، ولكن البرد لم يتركه، فنهض، جلس ثانية واستجمع قدميه، ووضع رأسه بينهما.. حاول أن يستعيد صورة الفتاة والشاب، كانت الفتاة ترفع ثوبها الطويل وكان الشاب ينزل بنطاله.. ثم أخذ يصعد ويهبط فوقها..‏

استمتع "عبد الله بهذه الصورة، وشعر ببعض الدفء، ولكن أصوات الأقدام القادمة من بعيد أوقفت الدفء المتدفق عليه من تلك الصور. رفع رأسه، ونظر من خلال زجاج الكشك، شاهد بضعة أشخاص يركضون على الكورنيش، يرتدون البيجامات الرياضية، لقد استيقظوا لتوهم على ما يبدو، وكانت فتاة تركض معهم وترتدي مثلهم، تابعها عبد الله بنظرات شبقة، وتمنى في تلك اللحظة أن يكون هو ذلك الشاب، وهذه الفتاة تحته.‏

إذا هؤلاء هم أصحاب بيروت قال عبد الله، وتأفف بحرقة، ثم صرّ على أسنانه.. و.. كبت صيحة عاشت الليل كله في داخله، كان الظلام ما زال يصارع من أجل البقاء.‏

ترى ما عدد الذين يعيشون هذه الحالات في هذا العالم؟‏

أسئلة كثيرة بدأت تلج رأس "عبد الله"، وتأفف أخيراً وقال: ما أصعب أن تكون بلا مأوى.‏

صرخ صوت بجانبه، انتشل قلبه من صدره، ولكنه تنفس الصعداء، عندما رأى كلباً يعبر أمامه إلى الجهة المقابلة.‏

وكانت بيروت في تلك اللحظة تقاتل بضراوة ليل البارحة، والشمس بكسل تنهض من أعماق البحر الذي كان هادئاً، ولا يحمل الموت ولا التوابيت.‏

وكانت النوارس تطير ضاربة الأمواج باجنحتها ومناقيرها.. وعندما شاهد "عبد الله" النوارس تحلق هكذا وهي ممتلئة بالحياة، نسي تعبه وكل آلامه لكنه تساءل:‏

ترى أين تنام هذه الطيور..؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244