|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الجد العظيم أظن أنني ولدت في (ديار بكر)، كلا قد تكون ولادتي في (خربوط) أو في (تبليس). الحقيقة أني لا أذكر ذلك مطلقاً، أو لعلنا كنا نقيم في (وان)، لأننا كنا دائمي التنقل، وقد مضى على ذلك وقت طويل.. كان والدي يعصر ذاكرته وهو يتحدث بوجه مضيء، وقلب مطمئن "كل ما أذكره يا بني، كان يوماً من أيام الربيع الجميلة، وكانت الشمس بنفسجية تتلألأ فيها نجوم كثيرة، على كل حال يمكنك أن تسأل جدك يا بني. فجدك يمتلك ذاكرة عجيبة. جدي يشبه زيتونة حقل أسطورية، هكذا هو مرسوم في ذاكرتي، عندما يأتي لزيارتنا، كان البيت يشع ويتلألأ بالحياة. كانت ملامحه العفوية تمنحني شعوراً ألوفا خالياً من شوائب الدنيا. أجد حديثه نسمات رخية منعشة قادمة من عمق الماضي السحيق، أشعر بأنني جزء منه، أحاول امتلاكه. لا يمكن أن أنسى ذلك الرجل القروي البسيط. على كل حال هذا الرجل الجبلي لم لا يكون إنساناً عظيماً؟ ذات مرة مازحته قائلاً لماذا لا تأتي وتسكن معنا يا جدي؟ غام وجهه، وأبرقت عيناه ثم أرعد صوته: "أخ منك يا ولد.. والدك زرعك هنا ونسيت جذورك هناك" بدا رجلاً حقيقياً، رجلا كما يتمنى الرجال أن يكونوا. عندما تسمعونه ساعة يجود بالكلام، يختفي كل ما هو قبيح في النفوس. ومهما حاولت أن أصف جدي أجدني عاجزاً، إذ لم أستطع أن أعثر على الكلمات التي تعبر عنه تماماً. أنا أشبه جدي كثيراً، هكذا يقولون سبحان الله، ولذلك نلت حظوة عن سائر الأحفاد. لقد جعلني أرتبط به إلى درجة أن فكرت بالعودة إلى القرية. كان يشعر بالبشاشة وملامحه تزدهر عندما يراني أتسكع في أطراف القرية ومنعطفات الجبل. كنت أزوره بين الحين والحين. تنتابني دوافع عديدة لتلك الزيارات، ينازعني شعور الهارب من الجحيم أحياناً. وعندما يجري الحديث عن المدينة أمام جدي يكفهر وجهه وتنقلب ملامحه. معه حق.. ألم تسرق المدينة جميع أولاده وأحفاده!؟ كنت أعاين وجه جدي، فأرى وميض عينيه المحاصرتين بالتجاعيد. كان شعاع ما يلمع في حدقتيه، شعاع يثير الرهبة والانتظار. إنه من الرجال الأشداء. لقد روى لي كثيراً عن المعارك التي شارك فيها، وعندما سألته عن الحروب التي عاصرها، زوى ما بين حاجبيه مقطباً ثم هتف بكلمات ترن في إيقاعات محزنة: "إن أحقر الأمور تحدث خلال فترة الحروب يا بني، حيث تعم الفوضى، ولا يتورع أي مخلوق عن ارتكاب الحماقات" ثم صمت وكأنه يلملم ذكرياته. أعرف أن جدي لم يكن راغباً في هذا الحديث، يعتبره حلماً مزعجاً، استغربت عندما تابع الكلام بلهجة صاخبة، كعادته: الأتراك يا بني هم سبب الحروب والمجازر، وهم الذين أشعلوا الفتنة بين الأكراد والأرمن.. والشعب يا ولدي بريء من كل هذا الدم. كنت مولعاً بمراقبة ملامح جدي أثناء الكلام، تبدو ملامحه شبيهة بشجرة عظيمة الأغصان، وارفة الظلال أراه ينبثق من الأرض.. ينمو من التربة المتشبث بها ليفوح كلامه عطراً جبلياً لقد رأيت كما رأى غيري.. تابع جدي حديثه، كثيراً من الأرمن كانوا مكدسين بعضهم فوق بعض، في ذلك اليوم، ركبنا القطار إلى (ديار بكر) فمررنا بقرية يقال لها (قرية بونارى) فنزلنا خانا كان مليئاً بنساء الأرمن وأطفالهم، وقليل من الرجال المرضى.. وكانت النساء بحالة يرثى لها إذ أنهن جئن من (أرضروم) لقد تكلمت معهن، وقلن أن (المليس) حرس الطوابير، كانوا يجيئون بهن إلى الأماكن التي لا يوجد فيها ماء، فيتركونهن هكذا في البراري والقفار الخالية. كنت في ولاية (سيواس) عند أحد الأقرباء، وبعيني رأيت الموتى مطروحين كأكوام الحنطة، فبدت تلك المناظر أشبه بكابوس جهنمي أو كأنه القيامة. توقف جدي عن الكلام، رأيت الدموع تنثال من عينيه ووجهه يتلون بمشاعر الفزع. وبعد أن راق جدي وهدأ نبشت الحكاية وأنا أقول: يعني لم تشارك يا جدي في صنع هذا التاريخ؟! انتفض جدي وصاح: أعوذ بالله.. أعوذ بالله. الغضب المفاجئ أبرز كل التغضنات والتجاعيد، بل تكاثرت بصورة غريبة في وجه جدي. تجمع الدم دفعة واحدة في ملامحه المثارة. أرعد صوته وهو يقول: حسناً يا بني، سأحكي لك هذه الحكاية التي لم أحكها لأحد "في طريق عودتنا من تلك السفرة المشؤومة كنا قد وصلنا إلى محل قريب من قرية تسمى (قره جورن) تبعد ست ساعات تقريباً عن (الرها) نزلنا عند ماء لنشرب، مشيت قليلاً نحو منبع الماء وإذ بامرأة ملقاة على وجهها، محتضنة طفلها الصغير عندما اقتربت منها وجدتها ميتة وأما الطفل فكان لا يزال حياً، فوالله لم أملك نفسي من الألم والحزن، وجاشت نفسي فدمعت عيناي أمام صحبي المبهورين. قال أحد الأصحاب ماذا نفعل بهذا الصبي؟ كان صبياً في الثانية من عمره مثل ليرة الفضة. فقلت: أنا آخذه وأتحمل العواقب. أطعمته مما تيسر لأنه كان جائعاً جوع الموت. وبعد أن قطعنا مسافة طويلة من الطريق، رأينا مجموعة أولاد شاردين من بعيد في قفر لا زرع فيه ولا ماء قلوبنا انفطرت لمرآهم، خافوا الاقتراب منا لأنه قد وضع في عقولهم أن الأكراد سيقتلونهم حين يرونهم، ولحظة أبصروا الطفل الموجود معنا، وهو من أبناء جلدتهم، استأنسوا فاقتربوا منا بحذر، كانوا شبه عراة لا يستر أجسادهم سوى أسمال بالية. فأثار منظرهم شفقة أصحابي، فكان نصيب كل واحد من الأصحاب ولد يتبناه ليعيش بين أولاده. واتفقنا أن نكتم الأمر عن الآغا أو (خوجة) القرية خشية اتلافهم واتلافنا. فقلت لجدي: وكيف استقبلت جدتي هذا الولد؟ وما هو مصيره يا جدي؟ لقد أحبته وقد عاش معنا.. وعندما كبر زوجته ابنة أخي، وخلف ذرية أيضاً. لحظة ألححت عليه بالسؤال، قاطعني جدي وهو يقول: -أعرف عنادك يا ولد.. لا تسأل أكثر من ذلك هذه الحكاية رويتها لك لأشبع فضولك ولتعرف جدك أكثر. أعرف ماذا ستسأل: ما اسمه؟ أي الأعمام هو..؟ لن أقول لك أبداً.. ويجب أن تظل هذه الحكاية هكذا بلا خاتمة.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |