صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مجــــــرد مصادفة

إلى عبد القادر أبو رحمة‏

الهم والوجع ونحن واحد‏

بعد جهد وكفاح ونضال، وبعد أن باع كل ما كان يملكه من أثاث واستدان فوقه أيضاً، استطاع/ آلان الحمو/ أن يؤمن تكاليف السفر..‏

واتفق مع السمسار /زكريا عكاش/ المتعهد على أن يسافر مع دفعة من دفعات الشاحنة الطويلة/ قاطرة مقطورة/.‏

وأكد المتعهد على آلان أن يأخذ كافة احتياطاته وتمنى له سفراً ميموناً.‏

وفي ليلة من ليالي كانون الباردة كانت الشاحنة تنطلق بحمولتها وكان /آلان/ قابعاً في تلك اللحظة يفكر في الزمن التعس الذي جعله يهجر أهله وأصدقاءه وطفولته.‏

وعندما وصلت الشاحنة قرب الحدود البلغارية أوقف /آلان/ غناءه لأن السائق وكما هو متفق سيرسل صافرتين للفضاء علامة التوقف.. وصافرتين أخريين عند المسير.. حاول /آلان/ أن يحبس أنفاسه.. أن يكتمها، أولاً من أجل ألا يشعر به أحد من حراس الحدود، وثانياً من الرائحة الخانقة التي تنبعث من رفقاء سفره.‏

وانطلقت صافرتان شقتا أديم السماء وانطلقت الشاحنة تاركة وراءها لغط حرس الحدود وضجيجهم..‏

وهنا تابع /الآن/ دندناته وأغنياته.. ولكنه في هذه المرة رفع صوته لأن إحدى البقرات داست على مشط قدمه.. فانداحت أغنياته بعيدة بعيدة..‏

وبعد أعوام طويلة عاشها /آلان/ على متن هذه الشاحنة.. سكن عن الغناء تماماً.. بعد توقف الشاحنة ولأنه استنفذ مخزون أغنياته حتى أن هناك‏

أغنيات أعاد غناءها آلاف المرات مثل أغنية (بلادي) التي يحبها كثيراً وأغنية (من نحن) التي يبكي عند سماعها وأغنيات كثيرة أخرى‏

ولكن الشاحنة بقيت واقفة ولم يسمع الصفرتين.‏

انتابته هواجس شتى.. أدخل نفسه إلى نفسه.. أغلق عينيه... كتم أنفاسه وانتظر.. بدأ رفقاء سفره يضجون.. منهم من أخذ بالتحرك. ومنهم من بدأ يتبرز.. والشاحنة ساكنة و/آلان/ ينتظر بكل حواسه.‏

وفجأة هبطت يد فوق كتفه وشالته من رقدته.. انقطع قلبه وتمزقت أعضاؤه. وكانت يد السائق بلدوزراً وكان صوته مدفعاً.‏

ما بك يا رجل؟ انهض هل صرت بقرة. منذ ساعة وأنا أصيح... نزلا من المقطورة واستويا على الأرض.‏

دار السائق حول الشاحنة دورتين.. تفحص الحمولة واطمأن عليها.. ها قد وصلنا أخيراً الحمد لله على السلامة.. تناول السائق بقية المبلغ المتفق على تسليمه بعد الوصول.. وفي بقعة من الأرض بيضاء صافح شخصان بعضهما بحرارة. ثم أسرع أحدهما إلى الشاحنة وانطلق بها ناقصاً رأساً واحداً.‏

شعرَ آلانَ في تلك اللحظة بغربة فظيعة، انتابه خوف جنوني وهو وحيد بين هذه الجبال البيضاء الناصعة. ولكنه أمسك بقلبه وهو يقول: "الغربة موت دون أن نموت".‏

بعد نقاش اتفق قاسم أبو رحمة مع /زكريا العكاش/ المتعهد في مدينة حلب أن يسافر قاسم مع دفعة من دفعات الشاحنة وأكد المتعهد أمام قاسم أنه قد سفّر من أمثاله الكثيرين وأنه ضامن وصوله مائة بالمائة.. وفي يوم بارد من أيام كانون التقى شخصان صدفة في مكان عام على رصيف مغسول بالمطر، سأل الآخر: من أي بلد أنت؟‏

سأل الأول: وأنت من أي بلد قدمت؟ قال الآخر: لقد أتيت إلى هنا منذ خمسة عشر عاماً.‏

قال الأول: وكان رفقاء سفرك من الأبقار؟‏

نظر الآخر إلى الأول مستغرباً.. بل كانوا من الأغنام..‏

قال الآخر. زكريا عكاش اسم لا يمكن أن أنساه ما حييت..‏

قال الأول: الأبقار الذين كانوا رفقاء سفري لا يمكن أن أنساهم ما حييت. نظر بعضهما إلى بعض تبادلا في غمرة استغرابهما بطاقتي التعريف. قال الأول:‏

أنت.. قال الآخر: وأنت.. أعاد كل منهما بطاقته إلى جيبه. قال /آلان الحمو/ أية صدفة هذه؟‏

قال قاسم أبو رحمة: نعم أية صدفة هذه. حتى في هذه نتفق..‏

دخلا بارا وعندما خرجا كانا متأبطين.. وكانا يضحكان بشكل هستيري ويرددان: إنها مجرد مصادفة..‏

7/12/1997.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244