|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
دعــــــوى كان الجو غائماً جزئياً، تارة تصبح السماء ملبدة بالغيوم، وتارة تسطع شمس خجولة ترسل أشعة باهتة على الأرض الطيبة الندية وعلى الناس الطيبين الذين يشبهون الأرض. في هذا اليوم خرج "علي" من بيته متوجهاً صوب مدينته (مكان ولادته ونفوسه وذاتيته). ولأنه لم يزر مدينته منذ وقت طويل، فقد شعر بأنه يحب هذه المدينة وهذه الأرض والناس الذين يعيشون عليها والأشجار وحتى الحمير التي فيها.. قال لجاره الجالس قربه في الحافلة: أنت تسكن هنا؟ نظر جاره إليه بطرف عينه ولم يجبه. المسافة بين المحافظة التي يسكن فيها وبين مدينته هي ساعة ونصف الساعة. عندما وصلت الحافلة إلى المدينة شعر علي بغربة لم يعهدها من قبل، وابتدأ هذا الشعور منذ صعوده الحافلة، فالوجوه هي غير الوجوه السمراء التي يعرفها.. حتى الحديث لم يسمع أحداً يتحدث مع جاره على غير عادة أهل هذه المدينة.. ثم هناك شيء آخر انتبه إليه جيداً وهو الشاخصات على طرفي الطريق. ما معنى هذا.؟ وما معاني هذه الأسماء الجديدة للقرى.. ؟.. وعندما قرأ اسم قرية أمه تساءل: لماذا صار اسمها هكذا؟ إنه يعرف أن اسمها (كَالو) ويعرف أيضاً أن (كالو) هذا هو الجد الأكبر لأمه وهو من بنى هذه القرية. مشى في شوارع مدينته وقد أدرك حقيقة أن مدينته بقراها الثلاثمئة والستين قرية قد تغيرت أسماؤها كلها. صعد طريقاً ترابية تقود إلى قمة تلة. حيث يتوضع مبنى أمانة السجل المدني، دخل غرفة ذات باب خشبي ضيق، كان هناك رجلان يجلسان وراء طاولة مستطيلة أحدهما طاعن في السن يضع طاقية على رأسه والآخر صغير.. اتجه "علي" نحو الرجل المسن وناوله بطاقته الشخصية: أريد إخراج قيد نفوس.. نهض العجوز من كرسيه الخشبي واتجه صوب خزانة خشبية مكدسة بالسجلات، سحب سجلاً كبيراً من بينها وعاد به. فتح السجل، وبدأ يقلب صفحاته.. وقف عند صفحة وأخذ ينقل منها المعلومات على ورقة مكتوب عليها من قبل. وبعد أن أنتهي من نقل المعلومات ناول الوثيقة "لعلي" الذي خرج.. ولكنه توقف فجأة قبل أن يخطو بضعة خطوات أخرى.. عاد إلى الرجل العجوز وسأله: هل هذه الوثيقة لي أنا؟ نظر العجوز ذو الطاقية القديمة إليه متسائلاً: وهل هناك أحد غيرك هنا؟ قال علي: ولكن المعلومات المدونة ليست لي.. نظر أمين السجل العجوز إليه وصاح: وهل تراني أعمى لا أعرف ماذا أعمل؟ - معاذ الله ولكن أنظر إلى بطاقتي وإلى هذه الوثيقة. حرك العجوز رأسه وقال: المعلومات التي أعطيتك إياها هي الصحيحة وبطاقتك غير صحيحة. - ولكن ما معنى هذا؟ قبل مدة أعطيت والدي وثيقة بنفس معلومات بطاقتي.. صرخ العجوز: لا تناقش يا ولد أنا أعطيك معلومات من السجل وليس من بيت أبي.. - ولكن السجل فيه خطأ.. أو أن هناك سجلاً آخر غير هذا السجل الذي أمامك.. يا سيدي أكيد أن هناك خطأ ما. - ليس هناك أي خطأ يا ولد. لقد دققنا في سجلات هذه المنطقة كلها ولا توجد أية أخطاء. الأخطاء هي في بطاقاتكم. - ولكن أي تغيير حصل في هذه المنطقة؟ - هذه ليست مشكلتي إنها مشكلتك.. - خرج علي مكسور الجناح، قادته قدماه إلى غرفة فخمة الأثاث، وقف مرتبكا وأخذ يخاطب رجلاً في متوسط العمر تلمع على كتفيه نجوم كثيرة: - سيدي: منذ ثلاثين سنة وأنا أحصل على وثيقة نفوس مطابقة تماماً لبطاقتي الشخصية وبطاقتي بدورها مطابقة لدفتر العائلة ولسجلات العائلة كلها. - اختصر يا ولد. - أنا من هذه المدينة سافر أبي إلى المحافظة بحكم عمله ولكنه دائم الاتصال بهذه المدينة. - اختصر يا ولد. - اليوم حضرت لآخذ وثيقة ولكن أمين السجل أعطاني وثيقة مختلفة تماماً عن بطاقتي حتى اسم أبي يا سيدي صار غير اسمه الذي أعرفه به منذ خلقت. - اختصر يا ولد. - وحتى نسبي يا سيدي تغير أيضاً.. وناوله البطاقة. قلبها السيد ثم أعادها إليه وتابع قراءة المجلة قائلاً: - اذهب (خلِّي أمين السجل يحل مشكلتك.. هذه شغلته) عاد /علي/ إلى غرفة أمين السجل وفور دخوله هبّ العجوز فجأة وكأن أفعى لدغته من مقعدته وأخذ يصرخ: تذهب وتشتكي للسيد، نقرتك عالية يا ولد ولأن نقرتك عالية (روح خلّي السيد يسوي لك شغلتك) نظر علي إلى وجه العجوز الذي احمرَّ ومالت طاقيته عن رأسه وخرج بخطوات فيها تصميم على فعل شيء: نقل للسيد كلام العجوز بالحرف الواحد وأضاف من عنده جملتين جعلتا السيد يرفع عينيه عن صفحات المجلة ويبتسم: وبعد برهة كان العجوز واقفاً أمام السيد مطأطئ الرأس ودون أن يسأله السيد تحدث العجوز من تلقاء نفسه قائلاً: - يا سيدي هذا الشخص. - أعرف قال له السيد: دلَّه ماذا يريد أن يفعل وأخرج أنت وإياه. - سيدي - قلت لك اخرج وأفهمه هو وليس أنا. وأمسك العجوز /علي/ من كتفه. وفي الغرفة الضيقة بدأ العجوز يفقد صوابه: أية مصيبة هذه.. أي وجع رأس هذا، افهم يا ولد: اذهب إلى المحافظة.. هناك ترفع دعوى تصحيح نسبك وبعد أن تأخذ حكماً بذلك. نقوم نحن من تلقاء أنفسنا بتغيير بطاقتك.. بحيث تصبح نسبتك مطابقة لسجلاتنا وقيودنا.. هل فهمت أم أعيد مرة أخرى..؟ - ولماذا لا تغيرون أنتم النسبة في سجلاتكم؟ - اخرج الآن ولا تعد إلا بعد أن تقوم بما أمليته عليك.. نظر علي إلى العجوز الذي بدا مرتبكاً ومنزعجاً وسحب نفسه وخرج من المبنى.. نزل المنحدر والصور تتداخل في رأسه. وصوت العجوز في أذنيه: ترفع دعوى و.. تأخذ حكما.. هز برأسه.. وتمتم.. ولكن لماذا الدعوى.. ولأجل من..؟. 20/12/1997 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |