صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ماذا يعني أن تكون مفلسا..؟

إلى زوجتي‏

مع مزيد من الإفلاس‏

بالأمس كنت جالساً نفس الجلسة التي كنت تجلسها في كل مرة. ولكن في هذه المرة الوضع يختلف تماماً.‏

صرخت زوجتك، وقالت إنك لست رجلاً..‏

زوجتك تفهم شيئاً واحداً فقط.. أن تعمل وأن تأتي "بالمصاري".. زوجتك تفهم بأنك زوجها.. ولكنها لا تفهم أن الرجال ما عادوا كما في العصور السابقة..‏

إنها لا تفهم معنى التضخيم.. وكيف لها أن تفهم؟‏

إنها لا تفهم ما هي البطالة. وإذا أردت أن توضح لها بأن البطالة هي سبب من أسباب التضخيم..‏

صرخت في وجهك:‏

"لا تضخم ولا بطيخ.. أنت لست برجل.. لو كنت رجلاً لاستطعت أن تدبر لنفسك عملاً.‏

وهي لا تعيرك اهتماماً ولا حتى لإمكانياتك. إنها تفهم شيئاً واحداً كونك رجلاً إذاً عليك تأمين الحاجات والمصاريف.‏

عندما قال لك عريف الجلسة تحدث أستاذ:‏

نظرت في وجوه الجالسين ولم تستطع أن تقول شيئاً اعتذرت بخجل وسكت، وكأنك تدرك أن نظرات الجالسين تتهمك بأنك لا تملك قرشاً واحداً..‏

رغم أنهم يعرفونك كثير الكلام.. وأنك تملك من المصطلحات الأطنان..‏

تسحب وجهك من بين وجوههم، وتركن لإفلاسك..‏

تفكر بكلمات زوجتك، وتشعر في تلك اللحظة بأن: مالك المال هو مالك الدنيا والثقافة..‏

الأصدقاء تنكروا لفقرك، حتى المقربين منك نفروا من مجلسك، صاروا يختبئون منك إن لمحوا وجهك..‏

رأسك ما عاد يخرج أعلى كتفيك. جبينك.‏

خطواتك..‏

وها أنت أخيراً وحيد في هذا العالم لا تملك سوى الثقافة..‏

خرجت من قاعة المحاضرة.. ولم يسلم عليك أحد.. تركوك لألمك.. الفقر أكبر ألم في هذه الدنيا..‏

مشيت وحيداً تبعثر خطواتك في تفكير عقيم..‏

قال لك صاحب العمل: أي الأعمال مارستها قبلاً؟‏

قلت بانكسار: كنت أعمل في الكتابة.‏

ضحك ثم هأهأ.. وماذا تعطي الكتابة..؟ هل تجعلك تبني هذه الحجارة فوق بعضها..؟ ..حملت انكسارك وتابعت مسيرك. قال صاحب الجريدة بمكر: اسمع يا بني أنا أعرف إمكانياتك، ولكن كما ترى فالكمبيوتر وفّر عليّ أشياء كثيرة..‏

زوجتك تنتظر مجيئك.. لقد قالت لك: إما أن تجد عملاً أولا تأتي إلى البيت..‏

تنظر بارتياب وحسرة إلى سوق الخضرة.. تتمنى لو تحمل من كل صنف كمية وتذهب بها إلى البيت..‏

تدور الدنيا في عينيك.. تنغلق كل الأبواب في وجهك. تبحث في الذاكرة عن بصيص أمل.. فجأة تتذكر تلك الوظيفة المنشورة على شكل إعلان في الجريدة..‏

الراتب جيد، تعويض عائلي لا بأس به..‏

ولكنك تتذكر زوجتك.. تقول لها: يا امرأة العمل ليس عيباً العيب هو أن أبقى بلا عمل..‏

وماذا سيقول عنك أهلي.. زوج ابنتنا.. هه..‏

تحاول أن تنسى كلام زوجتك.. ترميه جانباً وتمضي تقترب خطواتك من مرآب البلدية.. تدخل بحذر، تقف أمام غرفة، تبحلق عيون من داخلها فيك..‏

نعم أستاذ أية خدمة.. يقول أحدهم: تنظر في تلك العيون.. تتملى تقاطيع الوجوه.. تخرج كلماتك مهتزة: هل الإعلان عن الوظيفة مازال جارياً..؟ أريد أن أتوظف..‏

ينظر الجميع في عيون بعضهم.. وتضج الغرفة بالأصوات. تترك المكان وتهرب.. تلاحقك أصواتهم: هه هه أستاذ ويريد أن يعمل زبالاً.‏

تقودك قدماك إلى المقهى.. تجلس وحدك.. أصدقاؤك. هناك.. تشعر بأنهم يسخرون منك، يضع الكرسون فنجان القهوة أمامك: تقول له: لا أريد.. يحمل الفنجان ويرميك ببضعة كلمات: نحن فاتحين مضيفة.‏

تحمل جسدك المتثاقل وتمشي به.. تدخل به إلى البيت. زوجتك نائمة، تغلق باب الحمام على نفسك، تقف بجسدك المتعب تحت الدوش، يتهاطل الماء عليك، يغرقك.. تنسى نفسك.. ينهدم جسدك على الأرض..‏

وكجثة تتمدد وسط الحمام..‏

ينفتح الباب فجأة.. تدخل ريح باردة.. ويظل الصوت يتساقط من الأعلى..‏

6/7/1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244