صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

صباح رديء آخر

أخذت الصباحات في أيامي الأخيرة تسلمني لليأس وللتعاسة وتلون وجهي بصبغات تشكيلية قاتمة.‏

في هذا اليوم ارتشفت فنجان القهوة مع سيكارة ثم أجبرت نفسي على كسر أحلامي الجميلة وذهبت إلى العمل..‏

العمل الذي بدا لي فعل اغتصاب لذاتي ولجسدي..‏

ولكن علي أن أمارس هذا الفعل..‏

فالعمل هو أساس كل القيم هكذا يقول أبي.. وعملي هو فعل اغتصاب كما قلت.. صحيح أني لا أعمل حرامياً ولا كاتب عرائض.. ولا موظفاً في إحدى الدوائر الرسمية، غير أني أعمل، ورغم أن الضوابط التي تتحكم بالشرف والأخلاق والقيم غير موجودة في مجال عملي فإني أحرص تمام الحرص على تلك القيم. وهذه مشكلة. لكن ماذا علي أن أفعل..؟‏

هل أصب لومي على أبي..؟‏

عندما صرخ الريس في العمال أن يسرعوا في ضب الأكياس.. قلت لأبي: إنهم يغشون يا أبي وهذا الريس يسرق خبز الناس.‏

وعندما أكد الريس أن أفعل ما يفعله الآخرون قال أبي: أنت لا دخل لك بما يفعلون.‏

وهكذا أخذتُ أعمل.. ولكنني في نهاية كل يوم كنت أعود إلى البيت محملاً بالخيبة والحقد..‏

وعند الصباح كنت أعود وأحملهما معي وأمضي أمارس فعل الاغتصاب لنفسي..‏

إلى أن كان ذلك اليوم.‏

عندما صرخت في وجه الريس ورميت على وجهه أكياس الخبز وخرجت.. يومها لا أخفي أني بكيت..‏

وعلى فكرة فأنا ضعيف جداً أمام مواقف الحياة الدنيئة وأول ما أفعله هو البكاء.. نعم البكاء..‏

أذكر مرة في خدمتي الإلزامية: كان عندنا قائد دورة ذو شخصية فريدة، كنت أتصوره أشرف ضابط في الجيش، وهذا ما كان يقوله الآخرون عنه.‏

في يوم وبينما كنا نتدرب ونتعاقب أنا زملائي التلاميذ، جاء أمر من /فوق/ يأمر قائد دورتنا أن يمنح اثنين من رفاقنا إجازة ليومين..، أدركنا من خلال تصرفات قائدنا معنا أنه منزعج كثيراً من هذا الأمر.‏

ولكنه منح رفيقينا الإجازة وبعد عودتهما عاقبهما وعذبهما كثيراً وكان ما رأيناه نحن علامة أو إشارة على ان لا يلجأ أحد منا /لفوق/ هذه صفة من صفات قائد دورتنا الذي أتذكره الآن بكل الاحترام.. مرة وبينما كنا في استراحة وجه إلي كلمة أخذت على إثرها أرتجف، واحمر وجهي وبدأت الدموع تنثال من عيني، ولمحني هو في تلك اللحظة لا أعرف كيف لمحني... وصرخ علي، ركضت إليه خائفاً، وتوقعت أن يصفعني كما كان يفعل مع زملائي.. ولكنه ابتسم وعبس ثم صرخ أن أقف أمامه برجولة، وقال بلهجة حازمة لكنها أبوية:‏

تعلّم أن تكون رجلاً يا ولد.. البكاء ليس للرجال، الآن ورغم مرور تلك الأعوام فإني لا أستطيع إلا أن أبكي أمام المواقف العديدة..‏

وعندما صرخ الريس، احمر وجهي وبالكاد كدت أبكي لكني خرجت وأخذت أسير في الشوارع طويلاً، حتى خطر لي أن اذهب إلى صديق لي يعمل في دائرة حكومية..‏

وقصصت عليه ما جرى لي وما يجري في الفرن من سرقات و.. لكن صديقي ضحك وربت كتفي وقال:‏

هذه أشياء عادية لا تدقق.. ولكني صرخت: وأين مصلحة المواطن وأين هي الرقابة؟‏

ضحك صاحبي ثانية وقال: على المواطن السلام يا صاحبي، لقد ماتت منذ أن عمل أمثالك في الأفران..‏

عند ئذ وضعت رأسي في الأرض وخرجت من عند صاحبي أحمل خيبتي وانكساري..‏

ومشيت بهما في شوارع مدينة ما عادت تحترم أبناءها.. وكانت كلمات أبي تضرب رأسي..‏

19/11/1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244