صباح رديء آخر - أحمد خيري

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قضيــــــة

إلى الأديب : محمد باقي محمد‏

خرجت آخر حشرجة من حنجرتها وتدلى جسدها الفتي رمزاً لأول امرأة تشنق في الشرق، كان ذلك في صباح يوم ندي كصباحات الربيع في قرى الشمال.‏

وكان الليل ينسحب بهدوء تاركاً خلفه ضباباً خجولاً لفجر بدا خجولاً، بينما مطر ناعم يتساقط على رؤوس الأشجار والأبنية وعلى ارض عطشى لم ترتو.‏

أخذت قبضة سوداء كالليل تضرب الباب طرقات عنيفة وحشية، وبهدوئها المقيم انسلت من فراشها وسارت عبر الدهليز الضيق أمام غرفة امرأة عجوز، فاطمأنت إذ رأتها نائمة. وكانت هذه آخر مرة ترى فيها أمها. مضى آذار وكان العيد مطأطئاً رأسه.‏

صرخ في وجهها وقبضته ممتلئة بالغضب: ألن تتحدثي..؟ ألن تقولي شيئاً عنهم..؟ حسناً نحن نعرف كيف ننتزع الكلمات من تجاويف دماغك.‏

وفي ذلك اليوم استيقظ الناس من نومهم على أصوات ضجيج وصراخ وعويل، ظنوا أن العفاريت قد خرجت من أمكنتها، وهرع الناس إلى الساحات والشوارع والأماكن التي لا بناء فيها حاملين ما استطاعت أياديهم الوصول إليه.‏

واستيقظ الأموات من قبورهم فزعين هلعين. في تلك اللحظة كان كل شيء هادئاً في تلك الغرفة سوى جسدها والسرير والكرسي، كانوا يعزفون سيمفونية الألم الإنساني المتناهي العذوبة. جاء نيسان مضرجاً بدماء النعمان كئيباً ودموع سماوية تتساقط من عينيه. صرخت الأم: ابنتي أريد أن أرى ابنتي، ورددت الجبال: أنيناً خافتاً حزيناً: ابنتي أريد أن أرى ابنتي...‏

الزنزانة قبر مشتعل لجسد حي.. والجلادون يريدون من هذا الجسد بوحه وحنينه. قال أحدهم.. وكان جسده حي يشتعل في الزنزانة:‏

كل فلسفات العالم لا شيء.. وحقوق الإنسان كلمات فارغة في أجسادنا النابضة الحية.‏

قال الضابط: سترينها أيتها العجوز، ولكن على شرط أن تتكلم، أن تبوح لنا عن عشقها وعن حبها. وتصرخ الأم وتردد الجبال صدى أنينها بذبذبات طويلة وحزينة.‏

في الربيع الرابع..‏

والفجر ندي والليل ينسحب والمطر الناعم يغسل الأزقة الناعسة. كانت تتقدم من المنصة يجرها اثنان من رجال الشرطة، وكان شعرها مسترسل على كتفيها، شعرها الأجعد المهمل منذ عشرات السنين.‏

المنصة على بعد خطوات والحياة في الجسد الفتي تمضي إليه، وهو على بعد خطوات يفغرفاه.‏

الموت الذي كان يتربص بها في كل مكان وكل لحظة ها هو الآن يبتسم، إنها تجيء إليه. لقد طال الصراع بينهما، وها هي اللحظات الأخيرة، وسيعلن انتصاره عليها. المنصة على بعد ثلاث خطوات وعيناها المحروقتان بالزيت تشعان نوراً.‏

فجأة يتعثر جسدها الأهيف يميل نهداها النائمان فيسندها الشرطي فتقف برأسها الشامخ. تصعد أول درجة. يضحك هو مقهقهاً. تصعد الثانية تتمايل تستند على سبطانة البندقية تتلمس الفوّهة، يمد الشرطي يده حول خصرها، تمسك بيده الغليظة وتبتسم. تقف على المنصة ترتفع فهقهاته، يلفح الفجر الندي وجهها.‏

يتوقف المطر عن الهطول ترفع الشمس رأسها صوب المنصة فيخفض القمر رأسه ويتوارى. يتلاشى الضباب ويسكت كل شيء في ذلك الصباح.‏

تتنشق النسيم مل رئتيها، تفتح فمها وتخرج فراشات ملونة تملأ الساحة المقفرة. يلتف الحبل الغليظ مقهقهاً حول العنق الأملس، تستمر الفراشات بالخروج، تتلون السماء بألوانهن، وفجأة يتدلى جسدها في الفضاء، وفجأة تختفي كل الفراشات.‏

19/9/1991.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244