|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أبـــي ما كادت قدماي تلامسان مياه النهر حتى صاح بي أخي الصغير قائلاً: أمي تناديك. ولما رآني لا أكترث به وبها قال منذراً: تريدك أن تحمل الخبز لأبي فهو ينتظر.. ثم أضاف: لقد بلغتك وأنت المسؤول. ولأن الأمر يتعلّق بأبي تبدّل الموقف كلياً... تراجعت إلى الشاطئ، تناولت ثيابي وارتديتها بسرعة وعيون الرفاق الذين قذفوا بأجسادهم المحروقة في مياه النهر تحاصرني وتطاردني بنظرات التهكم والشفقة، وعباراتهم الاستفزازية تعثّر خطواتي. عدت إلى البيت أجر أذيال الخيبة، فقد ضاعت مني فرصة ثمينة إذ حرمت من متعة السباحة في النهر ونشوة اللعب على رمال الشاطئ، كما يفعل الآخرون من رفاقي وأبناء قريتي. كان أبي من الرجال الذين يمثلون دور السيد المستبد وكنا نراه كبيراً جباراً قادراً على كل شيء.. يدخل علينا فتتوقف كل حركة ويخرس كل صوت.. أخي الرضيع يسكت عن البكاء في حضوره، كأنه يدرك غريزياً أنه يخالف شرائع البيت وقوانينه ويرتكب جرماً إن فعل.. تكف الطيور التي تحط على شجرة التوت الكبيرة عن الشدو والتغريد، أو تفر هاربة لا تلوى على شيء.. نلتزم نحن الصغار الصمت والهدوء، نتوقف عن اللعب والحركة، نقطب جباهنا ونرسم على وجوهنا علامات جادة صارمة، ونتبادل بقية الكلام بصوت مخنوق، أو نكتفي بالإشارة. أبي يكره الضحك والابتسام.. ينهرنا إن فعلنا.. يجلس في مكانه المعتاد في صدر الغرفة، على مصطبة من اللِّبن والطين، في فمه لفافة تبع وبأصابعه المتخشبة يلف أخرى لا يتكلم معنا إلا لماماً، ينهر ويزجر، يوجه اللوم لنا دائماً فنحن لا نعرف شيئاً ولا نفعل الصواب أبداً، كما يقول. تهرع إليه أمي، تفرش الأرض بحصير وبساط عتيق، تضع لـه الوسائد وتهذر بكلمات مبتورة، تريد أن تبرر تأخيرها في إعداد المكان والطعام.. تقول متلعثمة: تأخر الملاعين، وهي تقصدنا، تأخروا بالنوم، أو تقول متزلفة: لم تقل لي يا أبا الأولاد ماذا تريد على الغداء. ثم تضيف لائمة نفسها: ليس في البيت سوى الخبز والشاي.. كان يجدر بي أن أخبرك بهذا من قبل، ولكن.. يبدو أنني صرت أنسى. تقول هذه الكلمات معتذرة متوددة، ولكنها تفشل في انتزاع كلمة لطيفة أو رسم ابتسامة صغيرة على وجه أبي الذي لا يكترث بما تقول، بل يثبت بصره نحو نقطة في الفراغ تتجاوز قاماتنا.. لا نراها ولا ندرك عمقها. تحمل أمي الطعام وتضعه أمام والدي، نقترب نحن الصغار من المائدة بخطوات حذرة مترددة، يصرخ بنا: ما بكم؟! اجلسوا.. هل تحتاجون دعوة؟!. نجلس صامتين وتظل أمي واقفة تنتظر الأوامر.. لا تأكل معنا، تتناول طعامها بعد أن ننتهي... تحمله إلى الغرفة الصغيرة التي كانت مطبخاً وحماماً ومخزناً للمؤن والأدوات. المرّة الوحيدة التي رأيتها تأكل معنا كانت منذ سنوات حيث مدّت يداً مرتجفة وتناولت قطعة صغيرة وضعتها في فمها، مضغتها، لم تستطع أن تبتلعها، فالرهبة في حضور أبي جففت حلقها.. كادت أن تتقيأ، فصرخ بها أبي: قومي. قفزت مذعورة.. تقيأت ما في جوفها، فرأيت علامات النفور والاشمئزاز على وجه أبي الذي كان يلعنها بصوت خافت، ويلعن نساء العالم جميعاً. صور حفرت في الذاكرة، سوداء قاتمة.. أستعيدها وأنا أسأل أمي التي ناولتني صرة الخبز: -ألا يأتي أبي إلى البيت للغداء؟ قالت: لا، وأضافت: اليوم جمعة، وقد يأتي صاحب المشروع إلى القرية. ثم صرخت بي: لماذا تسأل؟ انطلق بسرعة ولا تتأخر. وصاحب المشروع هو المالك لمضخة الماء التي تروي أرضنا وأراض أخرى مجاورة.. اختار مساحة غير قليلة من أرضنا المجاورة للنهر وبنى لآلته داراً واسعة وأقام بجانبها حديقة.. كانت منتجعاً له ولعائلته عندما يزور القرية، في حين كان دخولها محرّماً علينا. زرعها أبي بأشجار الزينة والورود، وسورها بحاجز خشبي متصالب. يقاسمنا غلة الأرض التي نملكها ويملي علينا شروطه ورغباته... استعبدنا بآلته وقيدنا برصيده المصرفي وقدرته على تأمين الجرّار والبذار، وعلاقاته مع ذوي الشأن والمركز. كنا نخشاه صغاراً وكباراً، وننظر بعين الحسد والكراهية إليه وإلى ابنه المدلل ذي البشرة البيضاء والشعر الأشقر والخدين المتوردين. سهام تطعن القلب، وذكريات تعرّش في المخيلة، تقفز إلى ساحة الوعي وأنا أحمل الخبز إلى أبي. اقتربت من مضخة الماء فرأيت سيارته هناك، أمام الحديقة. جفلت كطائر بري.. لم أقترب من الباب المفتوح لئلا يراني. كنت أكرهه وأخشاه.. ربما لأنه يختلف عنا أو لأنه يستأثر بما هو حق لنا. وقفت عند السور الخشبي.. شجيرات الجوري والياسمين ودوار الشمس تتطاول فوق قامتي. بحثت عن فجوة صغيرة أراه من خلالها.. كان يبدو مكتنزاً بثيابه الأنيقة، يضع بين شفتيه لفافة غليظة، يسترخي على مقعد خشبي، وابنه الذي يماثلني في العمر ويماثله في البدانة والنعومة، يعبث بالأغصان الصغيرة، يقطف الأزهار والبراعم، يطارد الفراشات وينثر وريقات الزهر على الأرض الموحلة. توقعت أن أرى أبي يجالسه. قلت في نفسي: جبلٌ يقابل جبلاً.. انتظرت أن أرى ما يفعله بذاك الفتى العابث. بحثت عنه بنظراتي الحذرة.. رأيته يحمل الشاي ويقدمه بمذلة. ثم يقف بين يدي الرجل الغليظ منتظراً أوامر أخرى، كما تفعل أمي في حضرة أبي. يقترب الفتى من أبي الذي يبتسم له. ابتسامته هذه لم أرها من قبل.. أبي يتودد إليه، يلاطفه، يدللـه، يصرخ الفتى بخبث مشيراً إلى الأعلى: نسر، نسر. ينظر أبي إلى السماء. يفاجئه الفتى بشد ثيابه إلى الأسفل ويقول مزهواً بالفوز والانتصار: واحد.. صفر. يضحك الفتى، يضحك أبي.. هذا السلوك المشين لا يغضبه. يضحك الرجل البدين.. يطلق الفتى قهقهة مكر وخبث تثير الكره الكامن في نفسي، أتلظى غضباً، أضرب يداً بيد، أدق على صدري وأقول محدثاً نفسي: لو أنني أنال منه.. ألوي عنقه وأمرغ وجهه المتورد بالطين.. يقترب منه مرة أخرى، يتظاهر بالبراءة والطيب، يقف على كرسي ويأمر أبي أن يقترب منه.. يقفز إليه ويتعلق بعنقه، يشد بقوة، يضغط. يقول أبي: كفى، خنقتني، يداك قويتان. أصرخ صرخة مكتومة.. أبي أنت لا ترضى سلوكاً كهذا من أبنائك فكيف ترضاه من الغريب؟! حرمت أخي الكبير من دخول البيت لأنه عارضك مرة في حياته.. وحبستنا في الغرفة الصغيرة مرات عدة لزلاّت بسيطة، أما أمي.. فكم تحملت وكابدت وصبرت!. يفاجئه الفتى بانتزاع كوفيته من رأسه ثم يقفز مبتعداً.. يشعر أبي بالخجل.. أرى صلعته لأول مرّة وأكتشف أنه فقد شعره منذ زمن طويل، ولهذا لم يكن يرفع كوفيته عن رأسه أمامنا أبداً. بدا ضعيفاً متخاذلاً مقهوراً.. توسل للفتى.. رجاه أن يعيد له كوفيته ليستر بها رأسه.. ضحك الفتى وضحك الرجل.. أسقط في يد أبي، ابتلع غصته.. رأيته يضحك. لم أكن أتوقع منه مثل هذا الرد. لم أعد أحتمل. دارت بي الدنيا، كسفت الشمس وخُسف القمر، هوت النجوم والنيازك، ثارت براكين الأرض.. تدفقت حمم الدم.. غمرت السهول والحقول.. شعرت بأنني أغرق، ألهث، أختنق. عبثت يداي في الفراغ، تلمست الأرض، بحثت عن شيء ما، تمسكت به. كان صلباً قاسياً.. رفعته إلى الأعلى وقذفته بكل قوتي. صرخ الفتى.. سقط على الأرض، سالت دماؤه، قفز الرجل البدين وصاح مذعوراً: يا أبناء الكلب من فعل ذلك؟.. دارت أبصارهم في المكان، مسحت الحديقة والطريق.. احتميت بشجيرات السور.. شعرت بنشوة الانتصار فقد استعدت بعض الكرامة التي هدرت. صرخ أبي مهدداً بسلخ جلد من رمى الحجر، وجثا على ركبتيه متوسلاً راجياً، قائلاً بمذلة وألم: لو أن الحجر أصابني.. لو أنه أصاب واحداً من أبنائي ولا يصيب الفتى مكروه.. لا يأبه الرجل البدين لـه ولا يكترث بأقواله وعواطفه.. يتناول أبي كوفيته ويضعها على الجرح، يحاول أن يوقف نزف الدم من رأس الفتى.. يدفعه الرجل البدين ويقول بفظاظة وازدراء: -ابعد هذه القذارة.. يقع أبي على قفاه ثم يقف ذليلاً ويتراجع متخاذلاً مهزوماً. أتساءل بجنون: لماذا يا أبي؟ لماذا؟ يغلي الدم في عروقي.. أنهض، أخرج من مكمني وأقترب منهم، أقتحم المكان واثقاً من نفسي، رافعاً رأسي، يصرخ بي أبي: ماذا تفعل هنا؟. يهرول آخرون.. يحملون الفتى إلى السيارة ويدعون له بالشفاء والسلامة.. أقف صامتاً لا أبالي بهم.. يغمرني شعور بالعزة والانتصار وفي صدري غيظ يتلظى. انهارت الحواجز، سقطت الأقنعة وانفجرت فقاعة الخوف. أدرت لهم ظهري ومشيت بخطى ثابتة. وعندما عدت إلى البيت كانت صرة الخبز التي حملتها لأبي ما تزال في يدي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |