طقوس الرحلة الأخـيرة - إبراهيم خرّيط

مجموعة قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكـــــلاب.

مع شروق الشمس تسللت من البيت.. حملت حذائي بيدي ومشيت على رؤوس أصابعي بخفة وهدوء، ولما صرت في ساحة القرية وجدته بانتظاري.‏

هو فتى مثلي، لم يتجاوز الثانية عشرة.. صديقين كنا.. نلعب معاً، نسبح في النهر والسواقي، نصطاد العصافير والأسماك، نتسلّق الأشجار ونسرق أفراخ الطيور من أعشاشها. نسطو أحياناً على الحقول والبساتين ونعترض طريق العابرين من أبناء جيلنا. لكننا لا نتجاوز حدود الدائرة التي نمارس فيها شقاوتنا.. يدفعنا الفضول إلى اختراق حواجزها والانطلاق إلى عالم بعيد..‏

عالم جميل، طالما تخيلناه، وأضفنا إليه من الصور والرغبات ما يضفي عليه سحراً رائعاً أخاذاً، ويمنعنا من تحقيق غايتنا تحذير الأهل وعقابهم والخوف من‏

الغرباء ومن الكلاب التي تقبع أمام الأبواب وتنتشر‏

على الطرقات.‏

بادرني قائلاً: تأخرت!. لماذا؟‏

ثم أضاف: هيا بنا..‏

قلت: ألتقط بعض الحصى لنصطاد بها العصافير والطيور.‏

رد قائلاً: جمعت منها ما يكفي.. أنا أعطيك.‏

تجاوزنا حدود الحي الذي نقطنه ومشينا على طريق ترابي، ينفرج حيناً ويضيق أحياناً، تحاصره الأشواك حتى يكاد أن ينغلق.. يميل نحو منحدر النهر، وما إن يلامس ضفته حتى ينحرف عنه ليتلوى بين الحقول والبساتين، تقطعه السواقي وتظلله أشجار التوت والغرب.‏

سرت في بدني رعشة نشوة ورهبة وأنا أرى هذه اللوحة الرائعة ببساطتها وعفويتها، فها أنا أقتحم عالماً جديداً لم تطأه قدماي من قبل. وعندما تراءت لنا بيوت أخرى قلت لصاحبي:‏

-هل هذه قرية أخرى؟‏

كانت بيوت القرى وأكواخها متناثرة على ضفاف النهر لا يفصل بين واحدة وأخرى حدود وعلامات أو مناطق خالية.‏

قال: ربما، وأضاف متردداً: يبدو أننا تجاوزنا حدود قريتنا.‏

ساد الصمت والسكون إلا من زقزقة عصفور أو تغريد طير فوق الأشجار. لكننا لم نشعر برغبة في الصيد..‏

يشدّنا الفضول إلى متابعة المسير والولوج إلى عالم نجهله.‏

انحرف الدرب الترابي مرة أخرى نحو مجموعة من البيوت شطرها إلى شطرين متقابلين.. تقدمنا بهدوء وحذر جدران طينية وأبواب من الخشب وألواح الصفيح، بعضها كان مفتوحاً. سرت رعدة في بدني.. جفّ حلقي وأنا أنقل قدمي بهدوء حتى لا أنتهك ستر السكون.‏

حذّرني صاحبي بصوت مرتعش: احذر.. الكلاب..‏

التفت.. كلاب أمام البيوت وأخرى تستلقي مسترخية وسط الطريق.. كلب كبير الحجم على سطح كوخ مجاور، لا يعلو عن قامة رجل، يبطحنا أرضاً إن قفز علينا.‏

نظرنا يميناً ويساراً.. وراء الأبواب وعلى الممرات الضيقة التي تتفرّع بين المنازل تجثم كلاب أخرى.‏

قال رفيقي محذّراً: قف.. لا تتحرّك.‏

تسمرنا في الأرض.. قلت هامساً: ماذا نفعل؟!‏

رد بصوت مخنوق: لا أدري.‏

تساءلت: ماذا لو انتبهت الكلاب إلينا؟! لقد وقعنا في فخ لا مخرج لنا منه إلا بمعجزة.‏

بدت بيوت الحي أطلالاً مهجورة، وقد ارتفع قرص الشمس في السماء، يرسل أشعة حارقة، والناس في مثل هذا الوقت ينتشرون في الحقول ومن يبقى منهم في البيت يستظل بفيئه ولا يخرج منه إلا نادراً.‏

قال رفيقي متسائلاً: ماذا نفعل؟ هل نبقى هنا؟! وإلى متى؟!‏

قلت: لا أدري... ثم أضفت: ما الحل؟‏

قال: نتابع طريقنا...‏

ـ والكلاب...؟!‏

لم يتكلم، ظل صامتاً... يبدو أنه كان يفكر بعاقبة أي عمل نقدم عليه.‏

قلبي يدق بقوة، يكاد أن ينفلت من صدري، لساني يتلجلج في فمي، أمسكت يده... كانت ترتجف، أدركت أن خوفه لا يقل عن خوفي، يريد أن يحتمي بي، وأنا أريد من يحميني.‏

قلت: لا مخرج لنا إلا بمتابعة المسير.‏

ـ وإذا اعترضتنا الكلاب، وهذا ما ستفعله حتماً؟!‏

ـ نركض...‏

ـ لا... تلحق بنا إن عدونا، ولن ننجو من أنيابها ومخالبها...‏

ـ نسير على مهل وليكن مايكون.‏

ـ هيا... تقدم.. كن حذراً، وإذا هاجمتنا توقّف فوراً، فالكلاب تزداد شراسة إذا رأتنا خائفين.‏

ما إن تحركنا حتى أحسّت الكلاب بنا.... هبّت من كل جانب... من الطرقات الفرعية، من فوق الأسطحة وخلف الأبواب... تحلّقت حولنا، كشّرت عن أنيابها... هرّت هريراً يقشّعر له البدن، وتأهبت للانقضاض علينا.‏

مشينا بخطى بطيئة حذرة، نتقدم قليلاً ثم نتوقف..... ننظر إليها بعيون خائفة قلقة، وقد التصق أحدنا بالآخر.‏

تخيلت ما ينتظرنا... تعضنا بأنيابها الحادّة، تدمينا، يثير اللون الأحمر غرائزها الوحشية، فتنهش جسدينا، وتمزقنا، ولا تتركنا إلا جثتين هامدتين.‏

مشينا خطوة أخرى... تجمعت الكلاب وراءنا.‏

قلت محدثاً رفيقي: يبدو أنها لن تكف عنا.‏

واحد منها يتقدم نحونا... يدغرنا، ثم يتراجع قليلاً عندما نقف، آخر ينقض علينا.. يقترب كثيراً حتى يكاد أن ينال منا فأصرخ برفيقي: احذر..‏

تقدمنا ببطء شديد، والكلاب ما زالت تتبعنا... عشرات منها اجتمعت علينا... كبيرة الحجم وصغيرة، سوداء وبيضاء‏

ورمادية وبقعاء... مجدوعة الأذن... أو مبتورة الذنب.‏

قلت لصاحبي: يبدو أنها لن تتركنا نمر بسلام.‏

قال مؤيداً: هذا ما أرى... إنها تكشّر عن أنيابها وتهرُّ هريراً مخيفاً، وقد يباغتنا واحد منها بدغرة تتبعها دغرات أخرى كثيرة..‏

ـ والحل......؟‏

فكر قليلاً ثم قال بلهجة تنمّ عن بعض التفاؤل: حل واحد.. وإن كان لا يخلو من المخاطرة...‏

سألته: ماهو...؟‏

قال: نضرب واحداً منها بحجر...‏

سكت لحظة ثم أضاف مجيباً على التساؤلات التي ارتسمت على وجهي:‏

ـ نعم... لا حل غيره، ولكن يجب أن تكون الضربة موجعة والإصابة بالغة.‏

ـ وماذا بعد...؟ وبقية الكلاب....؟‏

ـ إذا أصبنا واحداً منها نجونا... وإلا قضي علينا.‏

ـ كيف؟‏

ـ سوف ترى.‏

ـ قد نخطئ الهدف...‏

قال مبتسماً: لا... لن نخطئ... ألا ترى إنها كثيرة. لا يهم من نصيب. المهم أن نصيب...‏

تناول حجراً كبيراً... توقفت أنفاسنا المتلاحقة، توترت أعصابنا المشدودة. وبكل قوة وخوف وشجاعة قذف مجموعة الكلاب وأصاب واحداً منها.‏

عوى الكلب وراح يحجل على ثلاث ويتدحرج متألماً.‏

وحدث ماكان متوقعاً...‏

الكلاب التي كانت تحاصرنا انفضّت عنا ولحقت به، طرحته أرضاً... عضته عضات موجعة، نهشت جسمه وأدمت رأسه وعنقه. عبثاً، يحاول أن ينفلت من أنيابها ومخالبها. كانت تزداد شراسة وتوحشاً كلما ولغت بدمه.‏

تبدد خوفنا، فشعرنا بالشجاعة، تابعنا طريقنا، اجتزنا أدغالاً وحقولاً أخرى. اصطدنا بعض العصافير والقبرات. إلا أنني لم أشعر بالطمأنينة... شيء ما كان يثير قلقي وخوفي...، وتساؤل يشغل تفكيري... كيف نمرّ بين الكلاب في طريق عودتنا...؟!..‏

وما حدث لم يكن متوقعاً...‏

تقدمنا من بيوت الحي... تظاهرنا بالهدوء ورباطة الجأش ونحن نقترب من الكلاب التي أفزعتنا في الصباح...‏

أمر غريب لم نكن نحلم به...‏

واحد منها كان نائماً، آخر تظاهر بأنه لا يرانا، ولا يحس بوجودنا.. ثالث دخل البيت واختفى وراء الباب، كلاب أخرى تبعتنا... كانت تمشي وراءنا.. تهز أذنابها تصوي بمذلة واستكانة.. تنبطح أرضاً أمامنا، وتلعق بألسنتها أيدينا وأقدامنا.‏

كانون الثاني 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244