|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
درس خصوصي قلت له متردداً: ـ أنت تضعني في موقف لا أرضاه لنفسي، أنت تحرجني، بعد أن تقدّم العمر وشاب الشعر، أحمل حقيبتي وكتبي وأدور على البيوت منادياً: مدرّس خصوصي يا متعلّمين!! يا عزيزي، العلم يؤتى إليه ولا يأتي إلى أحد.. قال بشيء من الإصرار: ـ أنت طوباوي، كأنك من عالم آخر... الدنيا تبدلت وأنت ما زلت تتعلّق بأمجاد الماضي. آن لك أن تكون واقعياً... من تدرّسها لها وضع خاص، ظرفها لا يسمح أن تأتي إليك، وأهلها قصدوك أنت بالذات.. سيارتهم تقلّك في الذهاب والإياب، فلا ضير أن تذهب إليهم، وأنا واثق أنك لن تندم عندما تقابل ذويها وتراها.. وقبل أن أعترض رفع سماعة الهاتف، وبعد حديث قصير التفت إلي قائلاً: ـ ينتظرونك في البيت، وسيارتهم تصل بعد دقائق. حملتني سيارة حديثة إلى شارع عريض في حي راق. توقفت أمام بيت كبير، ووضعت قدمي على الأرض وسرحت ببصري إلى البساتين الخضراء التي تحتضن الفرع الصغير لنهر الفرات، وبدت أعمدة الجسر المعلق تتطاول فوق هامات الأشجار وذوائب الأغصان. امتلأ صدري بالهواء الندي، وأنعشتني النسمة اللطيفة ورائحة الورد والياسمين. تقدّمت بخطى مترددة، فأنا أقدم على تجربة تشدني بقدر ما تدفعني، وتغريني كما تثير النفور في نفسي. استقبلني صاحب البيت بحفاوة بالغة، وغمرني بعبارات التكريم والترحيب. وبقيت صامتاً أنقل بصري بين قطع الأثاث الفاخر والتحف والثريات والنحاسيات التي توزعت في أرجاء الصالة الكبيرة. ولما رآني غارقاً في ذهولي قال: ـ أستاذ.. هذا البيت كلفني الملايين، قبل ارتفاع الأسعار.. موقع جميل وهادئ، ومواصفات قلّما تجدها في بيت آخر.. لم أنطق بكلمة، فقال بتواضع ينم عن فخر واعتزاز: ـ لا تظن أنني ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب.. أنا عامل، كادح، لم أحصل على شهادة عالية.. اشتغلت بأعمال البناء وبيع الخضر والفواكه. أعجبتني اللعبة، واستهوتني التجارة. جمعت أموالاً وودائع، غامرت وتاجرت بالسيارات.. حتى وصلت إلى ما أنا عليه الآن. تذكرت ماقاله صديقي.. إنه حديث نعمة.. أثرى في ظروف غير عادية، وتساءلت: ما نفع الشهادة التي أحملها؟ ماجدوى التعب الذي أضناني، وسهر الليالي الذي أكل من صحتي وعمري؟! دق الباب دقات خفيفة قبل أن يفتح وتتقدّم امرأة برفقتها فتاة شابة.. حدست... هذه زوجته، وهذه الفتاة ابنته، طالبتي، أو بالأحرى التي ستكون طالبتي... نظرت إليها بتمعنّ.. جميلة، أنيقة، وردة ربيعية شابَ نضارتها بعض الذبول.. أثار انتباهي هدوؤها وصمتها ومسحة الحزن التي ارتسمت على وجهها. قال الرجل مشيراً إلى المرأة : زوجتي.. وأضاف: وهذه منار،، طالبتك، والتفت إلي: وهذا أستاذك... أخيراً تكرّم علينا، وقَبِل دعوتنا. قلت بصوت رزين: أهلاً.. قال: أستاذ... أنت في بيتك.. اطلب ما تشاء. الكل في خدمتك.. والتفت إلى زوجته قائلاً: ـ كل ما يطلبه الأستاذ يلبى... أو.... قبل أن يطلب. أريده أن يكون راضياً مسروراً.. هزّت المرأة رأسها، وقالت بلطف: حاضر... الأستاذ يأمر.. شعرت بأنني محاصر، سيطر علي بكلماته اللطيفة الناعمة.. قلت في نفسي: هو تاجر يتقن فن الكلام وينمقه كلما عقد صفقة تجارية، فلا غرابة في الأمر. حدّدنا مواعيد الدروس... ثلاث مرات في الأسبوع، تبدأ في اليوم التالي. ثم انطلقنا إلى مكتب السيارات الذي يملكه ويديره.. كانت تصطف واحدة بجانب الأخرى. هالني عددها وأنواعها... تساءلت: هل يمكن لإنسان أن يمتلك كل هذه الآليات... حاولت أن أقدّر ثمنها... ملايين الليرات... عشرات الملايين!!.. كل هذه الثروة وأنا أعجز عن امتلاك دراجة!!... قدّم إلي لفافة تبغ أجنبي... رفضتها معتذراً. سألني: ألا تدخّن؟ أجبت: بلى، إنما ليس من هذه الأصناف. وأضفت معللاً: المسألة مسألة مبدأ.. جحظت عيناه وفتح فمه دهشة. ثم قال وقد تغيرت نبرة صوته: ـ الآن نحن وحدنا... أريد أن أفضي إليك بسر.. عقّب مستدركاً: هو ليس سراً... أريدك أن تطلّع عليه حتى تكون على بيّنة. سكت لحظة، أشعل لفافة أخرى وقال: ـ ابنتي... منار، طالبتك، متزوجة منذ عامين...... المسكينة، لم يمضِ على زواجها أربعة شهور عندما هاجر زوجها إلى بلد أجنبي... ابن الحلال ـ وقالها ساخراً ـ يدّعي أنه يريد متابعة دراسته. لم يرسل إلا رسالة واحدة يقول فيها إن تكاليف الحياة باهظة، فإن كانت تريد اللحاق به، على والدها، أي أنا، أن يرسل مبلغاً من المال كل شهر... يريد راتباً شهرياً... يبدو أنه كان طامعاً بها وبالثروة. طبعاً، رفضنا هذا الطلب، ونحن نسعى لتطليقها منه فهو لا يستحقها.. ضعف صوته ثم صمت. بدا لي يائساً مهزوماً وقد رأيت في عينيه دمعتين. قلت في سري: كل آفة يسلّط الله عليها آفة أقوى منها. استطرد بصوت حزين: المسكينة، حظها عاثر... في العشرين من عمرها ويكتب عليها زواج وطلاق. لهذا قلنا.. تشغل نفسها بالدراسة.. تملأ فراغ حياتها، تشعر بوجودها وإنسانيتها... أفضل من العزلة والوحدة والغرق في دوامة الحزن... ولهذا أردناك أنت.. وكل ما نرجوه هو أن تساعدها على تجاوز أزمتها. صمت لحظة ونظر إلي، ثم تناول رزمة أوراق نقدية وقدّمها لي، فقلت: ليس الآن.. قال: ثمن فنجان قهوة.. أخذتها متردداً، فقال مستدركاً: صحيح... لم نشرب القهوة... ضغط على زر الجرس، فدخل فتى لم تنبت شارباه، قال له: قهوة للأستاذ. وأضاف: لا تعدّها أنت.. بل أبو أحمد... قال الفتى : أبو أحمد ليس هنا.... حمل طلبات البيت إلى منزلكم.. ـ عندما يعود. استدار إلي وأضاف: ـ أبو أحمد خير من يعد القهوة... رجل كبير يعمل عندي منذ سنوات، يقلّ من الكلام ولا يتدخل فيما لا يعنيه، هادئ محترم، مثلك تماماً. رغم تقدمه في السن مازال يعمل... المسكين... أسرته كبيرة وراتبه التقاعدي قليل لا يسدّ حاجتهم. بعد قليل سمعت طرقات خفيفة على الباب، ووقع خطوات مترددة.. قال الرجل: يا أبا أحمد... قدّم القهوة للأستاذ. رد بصوت ضعيف: حاضر. انحنى ومدّ يده بفنجان القهوة إلي... رفعت رأسي... صار وجهه في وجهي، أصابتني قشعريرة.. فركت عيني، تدفق الدم حاراً إلى رأسي... دقّ قلبي بقوة، تسارعت أنفاسي، شعرت بالاختناق.. دارت الدنيا.. أظلمت. سواد يلف المكان.. أصوات تطن في أذني... صراخ... رنين أجراس وقرع طبول... صرخت في أعماقي: مستحيل.. هل أنا أحلم؟!.. هل هذا هو حقاً ؟! قفزت من مقعدي.. ارتجفت يداه وسقط الفنجان... لوثت القهوة ثيابي، فنهض الرجل من وراء مكتبه وصرخ به: ـ ماذا فعلت؟ متى تتعلم يا أبا أحمد؟! رد بمذلة وانكسار: عفواً... أنا آسف... ثم تناول منديلاً بلله بالماء ليمسح القهوة عن ثيابي وهو يكرر: أنا آسف يا أستاذ، أنا آسف. طعنني بكلماته.. قلت: لا بأس، لا عليك، أنا آسف... صرخ به الرجل: هات فنجاناً آخر، وافتح عينيك في المرّة القادمة. قلت: لا... شكراً، هذا يكفي... لا أريد. خرج أبو أحمد مهرولاً، فقلت للرجل بغضب: ـ لماذا تصرخ هكذا؟! لقد اسأت إليه.. تبعته ونظرات الرجل البلهاء تلاحقني... كان يقف خارج المكتب كفارس مهزوم لفظته القبيلة، بعد أن تثلّم سيفه. أمسكت بيده، وبصوت حزين قلت: أستاذ أبو أحمد... نظر إلي بعينين دامعتين، ولم ينطق بكلمة. أضفت: أنت أستاذي.. ألا تذكر؟! هزّ رأسه وأشاح بوجهه عني. قلت: ما الذي قذف بك إلى هنا؟ أجاب بصوت ضعيف مقهور: الحياة يا بني، لقمة العيش وحاجات البيت والأولاد. كان أبو أحمد معلمنا، وكان في المدرسة كقائد عسكري، يحظى باحترام جنوده وطاعتهم... يخرج إلى الباحة ويدقّ الجرس فنتسمّر في أماكننا... يدخل الصف فنقف باستعداد كتماثيل حجرية، لا يرف لواحد منا جفن. واليوم... ماذا جرى؟ ما الذي حنى هامات الرجال وعقد ألسنتهم؟ ما الذي نخر عظامهم؟! ملعون أبو هذا الزمان.. ملعون أبو الفقر والحاجة. معجون بالعرق والدم رغيف الخبز... مجبولة بالذل لقمة العيش... أية كلمات يمكن أن تقال؟! أية عبارات تخفف الشكوى؟! وأنا.. لمن أشتكي اليوم؟ ولمن أشتكي غداً؟! تصورت نفسي في موقف كهذا.. أحمل القهوة إلى واحد من طلابي الفاشلين الذين سلكوا طريق الربح السريع، أو الدروب الملتوية واختصروا الزمن بقفزات بهلوانية. أو قد أرجو طالبتي، مستقبلاً، أن تجد لي عملاً إضافياً عند زوجها الثري، أقدّم القهوة له ولضيوفه، وأحمل لهم حاجات البيت، وآخذ الصغار إلى المدرسة. ثم أقف أمامه وأمامها ذليلاً بانتظار أوامر أخرى.. دخلت المكتب... قذفت بالنقود إلى الرجل، وقلت بحزم: ابحث عن مدرّس غيري... قال مستغرباً: لماذا؟ ما الذي جرى؟ قلت: لاشيء.. أبحث عن غيري. وخرجت مسرعاً. تصورت أشباحاً تلاحقني وأيد غليظة تقيدني.. تضغط عنقي وتحبس أنفاسي... توغلت في الشوارع، ولجت الحارات القديمة والأزقة الضيقة.. عدوت.. كأنما أهرب من مصير ينتظرني ومن قدر أرفض أن يكون قدري. ولم ألتفت ورائي إلا عندما ابتعدت وغيبني ظلام المدينة. حزيران 1998. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |