|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المزار 1 ـ الخوف: سنوات طويلة من الخوف والانتظار، ومراجعة الأطباء والقابلات وزيارة قبور الأولياء والصالحين، وإيقاد الشموع ونذر النذور وتقديم القرابين، دون جدوى. في بداية الأمر كانوا يفعلون ذلك في الخفاء، فقصدوا المدن البعيدة والزوايا المجهولة، وزاروا أكثر من طبيب وشيخ ومزار. ولما طال الزمن ضاقت فرجة الأمل واتسعت مساحة اليأس، فشاع الخبر بين الناس إذ لم يعد للسرّ موضع في صدورهم التي ضاقت بالتستر على الحقيقة. قال بعضهم: العيب في التربة... ابن الشيخ يزرع في أرض قفر لا تنبت. وهمس آخرون، بحذر: البذار.. بلى هو البذار سلالة الشيخ ضعيفة، وقد جاء اليوم الذي يؤذن بانقراضها... ويبدو أن ابن الشيخ هو آخر العائلة، فقد مضى على زواجه المبكر أعوام عدّة ولم يرزق بطفل يحمل اسمه واسم أبيه، ولما فكّروا أن يزوّجوه ثانية خافوا أن ينقلب الشك إلى يقين، إن لم تنجب كسالفتها، فينكشف سره، وينتشر خبره في الأصقاع والبراري، ويعرف علّته القاصي والداني والقريب والبعيد، فيصغر في عيون الناس، ويلقى منهم صدوداً واستعلاء وغمزاً ولمزاً، فينطوي على نفسه، ويعتزل مجالس الرجال، ويتوارى في حجرات البيت كالحريم.. 2 ـ اليأس: قالت امرأة الشيخ وقد غلبها الحزن: ـ الولد، يا حسرتي، ذليل مخذول، حزين مهموم، عينه مكسورة هامته منكّسة، كأنه قام بفعل شائن. نفسه مسدودة، وأفكاره شاردة.. جسمه يهزل يوماً بعد يوم، يلوب في البيت كالمزهور(1) ، وامرأته ترفع صوتها في وجهه وتنظر إليه باستخفاف وازدراء.. يناديها فلا تسمع، يأمرها فلا تطيع، يرجوها فلا تجيب. كأنها الرجل وهو المرأة.. حتى بات يتجنبها في النهار ويخجل من الخلوة بها في الليل... فقد سمعت باب غرفتهما يفتح مرات عدّة عندما يأويان للنوم، ورأيته يخرج منها متسللاً، يمشي على رؤوس أصابعه بخفة وهدوء حتى لا يوقظها ويفضح ضعفه أمامها.... يتجه صوب النهر، ويقف على حافة جرفه العالي... يفرغ ألمه وقهره بقذف الحجارة إلى الماء. ولولا أنه يجيد السباحة. لقلت يريد أن يرمي بنفسه في الماء وينتهي.. ربما كان يبكي فطالما رأيت عينيه في الصباح حمراوين منتفختين.. ولا يعود إلا عندما تدبّ في القرية حركة الرعاة والدواب والطيور،، بينما تقف هي على باب غرفتها ترفع يديها إلى السماء وتدمدم.. الملعونة... لا شك أنها تدعو عليه وترجو الله أن يخلّصها من محنتها التي ابتلاها بها. وقد بتّ أخشى أن يصاب بمكروه أو يبتلى بمرض لا براء منه.. فأبواب السماء في الفجر مفتوحة والدعاء فيه لا يخيب.. رد الشيخ غاضباً: ـ إلى ماذا تلمحين يا امرأة. هل تشكين برجولتنا؟! أنت أدرى من غيرك بالحقيقة. هذا لأنني لم أتزوج عليك ثانية وثالثة ورابعة؟! أم لأنني لم أرزق سوى بولد واحد؟! ربيناه ودللناه وزوجناه قبل أن ينبت شارباه رغبة في أن يكون له أولاد وأحفاد يحملون اسم العائلة. لم نبخل بمال، ولم ندع باباً إلا طرقناه ولا وسيلة إلا جّربناها. زفر بحسرة وأضاف متألماً: ـ هل تعتقدين أن هذا هيّن علي؟! قلبي ينفطر حزناً، والهمّ يقتلنني.. ثروتي وجاهي وزعامتي للعشيرة.. من يرثها من بعدي وبعده..؟! قالت المرأة ملمحة بخبث: ـ ابن عمك له أبناء وأحفاد، ولا حسد، يسدّون عين الشمس، والدنيا لا تخلو من الطمع. نظر إليها بعينين غاضبتين... كظم غيظه ولم ينطق بكلمة.. 3 ـ الوافدون: في الصيف يفد إلى القرية غرباء من مختلف البقاع.. حصادون وعمال مياومون وباعة متجولون، عابرو طريق وتجار يبيعون ويشترون، مساهمون في مشاريع زراعية يسعون إلى تحصيل أموالهم قبل أن يبددها الفلاحون على زواج آخر أو شراء سلاح، وغجر ينصبون خيامهم على بقعة أرض غير مزروعة.. يطرقون الأبواب نهاراً ويلجون البيوت المفتوحة دون استئذان، صغارهم يستجدون وكبارهم يقرأون الكف ويمارسون السحر والشعوذة، يركّبون الأسنان الذهبية والفضية، يبيعون العلكة والعطور والأمشاط والغرابيل. وفي الليل تتحول خيامهم إلى مرابع للغناء والرقص، ومراتع للسهر والمتعة وإثارة الشهوات والغرائز، وابتزاز الأموال من أبناء القرية والمدينة، من اللاهثين وراء المتعة والشهوة.. من مختلف الفئات والطبقات.. من السماسرة والوسطاء والتجار والمزوّرين والمختلسين وذوي المناصب والمراتب.. يقصدونهم بسياراتهم الخاصة والحكومية، ومن يتمتع بنفوذ السلطة والمال ينال الرضى والتقدير ويستأثر بسهرة خاصة.. 4 ـ الغريب: عندما وقف الثامري على مشارف القرية، قادماً من ديار بعيدة مجهولة، كسائر القادمين والعابرين، ورأى الغجر الوافدين، والباعة المتجولين، والعمال المرتزقين الباحثين عن لقمة العيش على أرض لاهبة كالصفيح، تحت شمس حارقة كالجحيم، تردد قليلاً.. نظر يميناً ويساراً، ولما كان السفر قد أعياه قرّر أن يتوقّف فيها أياماً أو شهوراً. ولأنّه لا يريد أن يتعرّف عليه أحد فكر أن يلعب لعبة جديدة، ولا غرابة في الأمر، فهو يتقن تمثيل الأدوار وتقمص الشخصيات، ويجيد النصب والاحتيال، فطالما استغل كبار القوم قبل صغارهم، وضحك على ذقونهم وأخذ منهم مايريد ثم تركهم بين مصدّق ومكذّب ومعجب وحاقد.. تناول من خرج دابته عدّة العمل ـ كما يسميها ـ عمامة خضراء وعباءة وبرية، ونطاقاً عريضاً بأكياس صغيرة فيها أعشاب وبخور وحجارة غريبة الشكل، وزجاجات عطر، وعلّق حول عنقه مسبحة حباتها كبيرة، وتقلّد سيفاً قديماً، وحمل بيده رمحاً طويلاً في رأسه راية خضراء. ولما صار بين بيوت القرية وبيادرها، رسم على وجهه ابتسامة طهر ونقاء.. فتح ذراعيه للأطفال الذين هرعوا لتقبيل يديه، ووزّع عليهم السكاكر والحلوى.. حيّا الرجال الذين استقبلوه.. باحترام وتقدير، ففتحوا لـه بيوتهم وأعطوه صدور مجالسهم.. أطعموه من طعامهم وسقوه من شرابهم. خلال أيام استطلع أخبارهم وعرف أسرارهم، من أحاديثهم العابرة ومن هذر الصغار الذين يغريهم بقطع النقود والحلوى. ورغبة منهم في الاستئثار بكراماته والفوز ببركاته أعطوه داراً منعزلة عند سفح التلة التي ضمّت رفاة موتاهم،، أقام فيها من قبلُ عجوز مسكين،، لا زوجة له ولا ولد، كان يقرأ الفاتحة على القبور، ويطلب الرحمة والمغفرة للراقدين تحت التراب، حتى أدركه الأجل وصار واحداً منهم،، يرقد بينهم ويناله ماينالهم.. ولما كانت الدار مهجورة منذ زمن، فقد رمموها وأصلحوها ودهنوها باللون الأبيض والأخضر، وفرشوا أرضها بالبسط والوسائد وحملوا إليها المؤونة والدواجن والدواب،، ورفعوا فوق بابها راية خضراء.. فالتفّ حولـه البسطاء والمساكين والدراويش. جاءته النساء نهاراً، وقصده الرجال مساء.. يستمعون إلى حديثه الناعم يستفتونه ويسألونه تفسيراً لأحلامهم وحلاً لمشكلاتهم وعلاجاً لعلاّتهم. 5 ـ الأمل: قالت امرأة الشيخ: ـ الثامري رجل بر وتقوى، له فضائل وكرامات. وقد انتشر خبره وذاع صيته بين الناس. لماذا لا ندعوه إلينا أو نأخذ زوجة الولد إليه؟ لعلّ بركاته تحلّ عليها وعلينا فنرزق بالبنين والبنات، ويصير لنا أحفاد يرفعون رأس أبيهم وجدهم، ويحفظون لنا هيبتنا وعزّتنا. رد الشيخ وفي نفسه شيء من الشك والأمل: ـ وهل يقدر على ما عجز عنه الآخرون؟! عقّبت المرأة: يجعل الله سرّه في أضعف خلقه فكيف تقول ذلك عن ولي من أولياء الله الصالحين؟! صمت الشيخ، أشاح بوجهه عنها ثم قال مستسلماً: ـ لابأس.. افعلوا ما ترونه مناسباً. 6 ـ الزيارة: ثلاثتهم ذهبوا إليه.. امرأة الشيخ وابنها وزوجته. شعروا بخشوع ورهبة وهم يلجون غرفته. رصدوا بعيونهم محتوياتها... على أحد جدرانها سيفه القديم ورمحه ذو الرأس المدبب والراية، وعلى الآخر حراب وقضبان حديدية وطبل كبير بحلقات معدنية على إطاره الخشبي. عندما همّوا بالكلام أشار إليهم بالصمت.. ألقى في النار حجارة صغيرة، فتصاعدت رائحة البخور، وامتلأت الغرفة بالدخان الأبيض فضاقت صدورهم ودمعت عيونهم ودارت الأرض بهم. تشنّج وتلّوى... ارتجفت أوصاله، أغمض عينيه وهمهم وتمتم بكلمات لم يفهموها. أفواههم فاغرة، قلوبهم تخفق بقوة وعيونهم تراقبه بفضول وقلق. وبين لحظة وأخرى يسرّق نظرة فاحصة إلى المرأة الشابة ثم يصدر صوتاً كالأنين، ويحرك يده كمن يبعد الأذى والخطر ويقول بنبرة حادة: اخرج.. اخرج.. بعد قليل هدأ والتفت إليهم قائلاً: ـ الشابة مرصودة، وهذا يقلقكم ويشغل تفكيركم.. أليس هذا ماجئتم من أجله؟! فغروا أفواههم، فأضاف: ـ ربما استهنتم بالأسياد والدروايش أو أنكرتم قدرتهم على الخير والأذى، فحلّ الجن في بدنها ونالها عقابهم وحرمها نعمة البنين والخلف. سألت امرأة الشيخ بهلع: ـ وما العمل.. سيدنا؟ صمت لحظة وبدا كأنه يتحدث إلى كائنات غير مرئية، ثم أضاف بصوت أحسّوا أنه يأتي من بئر عميقة: ـ اذبحوا في الغد شاة بيضاء دونما أي سواد، ولتحمل الشابة القلب واللسان وشيئاً من لحم الفخذ إلى هذا المقام، وتقوم بإعداده طعاماً للأسياد والأولياء، وليتكرر هذا سبعة أيام. سألوه بلهفة: وهل....؟ أجاب بلهجة الواثق: ابشروا خيراً 7 ـ البشارة: علت الزغاريد في بيت الشيخ، ولعلع صوت الرصاص، نحرت الذبائح وأقيمت الولائم، ووزع اللحم على بيوت الفقراء والأغنياء وانتشر الخبر في القرية.. زوجة ابن الشيخ حامل، لقد أجدى العلاج وأثمرت الدعوات، وحققت حلقات الذكر غايتها في طرد الجن والأرواح الشريرة وفك الرصد عن الشابة. وسوف تملأ البيت بالبنين والبنات.. سلالة الشيخ لن تنقطع، والمشيخة لن تنتقل إلى بيت آخر.. ابن الشيخ وحده ظلّ صامتاً شارداً غارقاً في دوامة من الشك والحيرة حيناً، والخجل والخوف حيناً آخر.. 8 ـ الولادة: مع صراخ المولود في البيت الكبير، انطلقت صرخة ألم حادة. انتفضت المرأة التي شحب لونها، وامتزج الدمع بالعرق والدم. ارتعشت كطير ذبيح.. شهقت ثم سكنت وهمدت.. خفتت الأصوات وانطفأت ومضة الفرح، وساد صمت وذهول، وبدا على وجوه النساء المتحلقات حولها شعور بالنفور والتقزز.. خرجت زوجة الشيخ مذعورة، وهمست في أذن زوجها: ـ المرأة ماتت والمولود غير طبيعي. قطبّ الشيخ جبينه، جحظت عيناه، وسأل مستنكراً: ـ ماذا تقولين..؟ أضافت: مصيبة حلّت علينا. حفيدنا مسخ لا يشبه الآدميين. اكفهر وجه الشيخ وقال بصوت كالفحيح: ـ منذ البداية وفي نفسي شيء من الشك. ـ ماذا تعني؟ أشاح بوجهه عنها وقال وهو يختنق: ـ لعنة.. هذا المولود لعنة. إنه ليس منا. سألت مستنكرة: ماذا أسمع؟ وكيف؟! ـ نعم. إنه ابن زنا. أين ابنك الآن؟ أما سألت نفسك لماذا اختفى ساعة الولادة؟ كأن الأمر لا يعنينه. ربما كان يعرف منذ البداية أن الذي في بطن زوجته ليس من صلبه.. صرخت المرأة جزعة: من الفاعل؟ من المجرم؟ كيف نعرفه والفاعلة فارقت الحياة؟ احمّرت عيناه ودمدم: بعد أن آويناه وأطعمناه وفتحنا له بيوتنا وقلوبنا، يفعل فعلته النكراء.. الزاني، ابن الحرام.. كيف وثقنا به ونحن لا نعرف من أي أرض جاء إلينا...؟! وكيف فاتت علي نظرات الناس الغريبة وتلميحاتهم المريبة؟! سألته: من تقصد؟ هل تشك بأحد؟ أدار ظهره ولم ينطق بكلمة. 9 ـ الانتقام: رغم الصمت وإغلاق الباب على المولود دون الناس، الأقارب منهم والغرباء، كانت ملامح الوجوه تنم عن كارثة كبرى حلّت بأهل البيت، وتعلن عن سرّ يحاولون كتمانه والتستّر عليه، فتسرب الخبر وانتشرت الإشاعات والأقاويل.. ومما زاد في شك الناس أن غضب الشيخ طغى على حزنه، فقد احمرّت عيناه وتأجج غيظه عندما لم يظهر الثامري بين المشيعين الذين حملوا المرأة إلى مثواها الأخير. تساءلوا: أين الثامري؟ ألم يصله الخبر؟ تبادلوا نظرات تخفي أكثر من تساؤل، وهمس بعضهم بحذر: ـ الثامري اختفى، سألنا عنه في كل مكان ولم نجد له أثراً ظهر فجأة واختفى فجأة، لاشك أن في الأمر سراً. ابن الشيخ، هو الآخر، لم يهزّه الموت، كما يبدو، وجهه شاحب مصفر، ظهره محدودب وعيناه مسمرتان في الأرض خجلاً لا حزناً. يصافح المعزّين بيدين واهنتين، ويرد عليهم شاكراً بصوت كالفحيح.. في اليوم التالي بكّر الفلاحون والرعاة ـ كعادتهم إلى الحقول والمراعي. وقبل أن يرتفع قرص الشمس كان بعض الصبية الذين ابتعدوا بقطعانهم يركضون لاهثين صوب البيوت.. وجوههم شاحبة مصبوغة باللون الأصفر الذي امتزج بسمرة داكنة، يلغطون بكلمات مبتورة مبهمة تسفر عن ذعر وهلع.. الدم.. الرجل، هناك.. وانطلقوا نحو المكان، يتبعهم الرجال وقد حملوا البنادق والعصي والفؤوس.. غير بعيد عن القرية وقفوا مصعوقين.. رجل ملقى على الأرض.. الدم يلطخ وجه وأطرافه وثيابه.. نظروا إليه برهبة وجزع. تساءلوا : من يكون؟! وكيف ولماذا؟! اقترب واحد منهم، تمتم وهو يتأمله: الثامري، هذا هو الثامري.. إنه هو.. وقفوا خاشعين أمام الموت.. استداروا ونظروا إلى الشيخ الذي لم يترجل عن صهوة حصانه. حاصروه بنظرات الشك والريبة ودون أن ينظر في وجوههم قال: ـ ربما هاجمته وحوش البرية.. ربما غدر به أحد أو اعترضه قاطع طريق.. أولاد الحرام كثيرون، ومامن دليل للشك بأحد. ادفنوه في أعلى التل، عجّلوا في دفنه، واجعلوا قبره مزاراً يقصده ذوي الحاجات وطالبي البركات، فهو صاحب كرامة يغيث الملهوف وينصر المظلوم، يعيد الغائب ويرد المهاجر يفكّ عقدة المربوط وسجن السجين وأسر الأسير، ويشفي السقيم، والعقيم. قال ذلك وانطلق مسرعاً دون أن يلتفت وراءه.. أيلول 1998... (1) المزهور: الزهر نوع من السم يصطادون به السمك حيث يبدأ بالدوران على سطح الماء حتى يموت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |