|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
طقوس الرحلة الأخيرة * القصة الفائزة بجائزة البتاني (الرقة) عام 1999 * كانا يسيران جنباً إلى جنب.. رفيقين داهمها خريف العمر قبل الأوان. فجفّ عودهما وبرزت عظامهما النافرة تحت جلد متغضّن. يميل الرجل بجسمه إلى الحصان، ويميل الحصان برأسه إلى الرجل، والطريق أمامهما أفعى تتلوّى ، تنحرف يميناً ويساراً وصعوداً ونزولاً.. رسمت معالمها، يوماً ما، أقدام الرعاة وقطعان الماشية. تحاصرها الأشواك التي تخز أقدامهما كإبر حادّة، وتثخنها بالندوب والجروح، فيسيل الدم اللزج المائل إلى السواد ويمتزج بالعرق والتراب. تبعتهما كلاب شاردة.. قذفها بحجر فتسابقت إليه وتقاتلت.. عضّت بعضها بعضاً. ولما اكتشفت أنه ليس عظماً أو شيئاً يؤكل لوت أعناقها وهزّت أذنابها وتفرّقت يائسة. دسّ يده في جيبه، بحث عن شيء ما.. وجده فارغاً، تذكّر أنه قذف العلبة في الهواء بعد أن قضى على آخر لفافة. متعبين كانا، وحيدين في هذا الخلاء الواسع، بعد أن اجتازا قفاراً ومفاوز، وقطعا مسالك وعرة.. السماء رمادية والأرض رماد، وكان الكون في لحظة انطفاء. لون الشمس يتدرّج من الصفرة إلى حمرة خفيفة والأفق جفن متقرّح يتهيأ لابتلاعها. وفي الفضاء اللامتناهي حلّق طائر صغير.. انطلق كسهم نحو السماء ثم حطّ على غصن يابس، وساد الكون سكون. نزّ جسمه عرقاً وشعر بلزوجة في عنقه، فانتابه ضيق شديد.. الرجل يلهث والحصان يحمحم ويلهث.. يقرّب رأسه من كتف الرجل ويبثّه شكوى من نوع ما. يتصاعد لهاثهما ويدور بينهما حديث لا تنطق به الشفاه. تعثرت أقدامهما بحجارة الطريق، وأثارت خطواتهما غباراً تصاعد إلى أعلى وأصاب عين الشمس بالرمد.. التصقت ذراته بالوجه والشعر، وتغلغلت في الحلق والصدر فانتابته نوبة سعال حاد استنفدت بقية الطاقة في جسمه الواهن. يضيق الطريق أمامهما.. طريق للجوع والعطش، للضياع والتشرّد، ودرب لانكسارات وهزائم معلنة وغير معلنة، قاده يوماً إلى بلاد التيه والغربة، عندما طاردته الكلاب والبنادق والوجوه الغريبة التي تقطر حقداً وكراهية. بتثاقل يجرّ قدميه الواهنتين.. ماعاد يحسّ بوخز الأشواك بعد أن تسلّل الخدر إليهما. لقد قرر أن يخترق كل الحصارات قبل أن يخفق القلب خفقته الأخيرة. نظر إلى السماء.. ثمّة طيور جارحة تحلّق فوقهما. راقبها مرّة بعد مرة. كانت تلحق بهما وترسم حولهما دوائر للمأساة وأخرى لسقوط الجسد المتعب.. يدرك أنه يغامر بحياته أو بما تبقى لـه من رحلة العمر الذي ضاع، ويرمي بنفسه للردى. كل هذا لم يعد يعني له شيئاً وفي القلب مازالت بقية من نبض، وفي الأفق البعيد بارقة أمل تومض كألق اللحظة الأخيرة وفي النفس سؤال يلح باستمرار: هل تنتهي رحلة الغربة والتشرّد؟! وهل يغمض عينيه على صورة من يحبهم قبل أن ينطفئ نورهما؟! صور مرسومة في الذاكرة، مطبوعة في القلب.. للقرية التي كانت ترقد وادعة على كتف النهر، للحقول والبساتين والساحات والبيادر.. للأم الطيبة التي ظلّت مغروسة فيها كشجرة عميقة الجذور، والطفل الذي افتقد رؤية البسمة تزهر على وجهه البريء... تصوّره يافعاً حملّته الحياة ما لا يحتمل، وتخيّله رجلاً أدركته الرجولة قبل موعدها. للهنوف.. جميلة الجميلات، المهرة الأصيلة وشجرة الحور الفارعة. سواد الليل من عينيها وألق الفجر من وجنتيها. شعرها شلال ينحدر على كتفيها وينساب برفق إلى ظهرها.. يغار من النسيم الذي يعبث بظفائرها وينثر خصلاتها، يلتقي بها على دروب القرية وبين أجماتها مصادفة، وما أكثر المصادفات!! من قال ذلك؟! أية مصادفة هذه التي تتكرر كل يوم؟! يأسره سحرها وتغويه فتنتها، يبتسم لها، تبتسم، يبتسمان فيلتهب قرص الشمس وتقرع بين ضلوعه طبول، يتشظّى، يصبح أخف من ريشة، يطير، يطيران معاً، يخترقان السحب ويحلّقان في فضاء من شمس وقمر ونجوم. عندما قال لأمه يوماً: أريدها زوجة. ابتسمت وقالت: هذه كانت رغبة أبيك رحمه الله. ـ وأنت؟ اتسعت ابتسامتها وقالت: وأنا. ـ وأهلها؟ ـ لا عليك منهم. ينتظرون إشارة منا.. انتقلت الهنوف إلى بيتها الجديد. وقاسمته حلو الحياة ومرّها. يسند رأسه المتعب إلى صدرها فتغلغل أصابعها بين خصلات شعره وتمسح بيدها الناعمة على جبينه فيسترخي ويستريح.. يضغط على أصابعها ويقول: ـ ما خلقت هذه لاقتلاع الأشواك وجمع الحطب.. تضحك الهنوف وتقول مازحة بغنج ودلال: ـ ابتليت بك. مصيبتي أنني تزوجتك. يقول: قتلتِ نفسك من أجلي. ـ أنا؟! ـ نعم أنت. ألا تذكرين؟! تهزّ رأسها بخجل. يدغدغها. تضحك. يضحكان معاً، ويقول لها: أعدّي لنا الشاي. يشرب كأسين أو ثلاثة.. أربعة كؤوس أو أكثر فتسأله بخفر وحياء يثيران نار الرغبة في داخله: ـ تحبني أكثر من الشاي؟ يقرّبها منه، يضمّها إليه، يحرقها بأنفاسه اللاهبة، يحترقان، يسافران إلى عالم من زهر ملون وسنابل ذهبية وأطفال بأجنحة كالملائكة.. ساعات الفرح قليلة، لحظات عابرة نسرقها في غفلة من الزمن، فلا تضيّعها... هكذا كانت أمه تقول في المناسبات السعيدة. حتى عندما مات أبوه وواروه التراب قالت له: تجلّد يا عمود البيت وسنده بعد أبيك... دع البكاء للنساء، امسح دموعك وانهض، اقعد بين الرجال واحمل العبء والمسؤولية... .............. مسح بيده على جبهة الحصان وتمتم: ساعة أخرى ونصل.. هي رحلتنا الأخيرة، هربنا من الخوف والخطر، بحثنا عن الأمّان في كل مكان، قصدنا القريب ووقفنا بباب الغريب فماذا جنينا؟! غريبين كنا، غريبين صرنا، تقاذفتنا الجهات وشرّدتنا الدروب، قتلتنا الغربة وذوّبنا الحنين، وهانحن نعود مهدودين بعد طول انتظار، لا بديل عن العودة، وأمي كانت تقول: من مات في غير بيته مات ميتة الغرباء. كم كانت طيبة وقوية". كم صبرت وصابرت!! لم تبرح عالمها الصغير وما تخطّت حدوده إلا إلى المقبرة، عندما يضيق صدرها وتثقله الأحزان. هل مازالت حية أم أنها لحقت بأبي؟ يا أيها المدى هل طواها الردى؟!.. فكّر أن يمرّ بالمقبرة قبل أن يتابع رحلة العودة... قبور جديدة أقيمت على سفح الرابية المطلّة على القريّة، وأخرى ضاق بها المكان فعرّشت على قمتها... للأرض فم لا يشبع وجوف لا يمتلئ.. وبين القبور التي تبعثرت حجارتها وطمست شواهدها وجد قبر أبيه، انتابته رعشة عندما رأى إلى جانبه قبراً ما زالت حجارته جديدة، وتمتم بصوت يختنق: إنها هي، نعم إنها هي، فقد كانت تقول: ادفنوني هنا عندما أموت... لا يدري كم مكث قربها، وعندما رفع رأسه كانت الشمس تتكئ على الأفق الغربي، فامتدت الظلال وتطاولت.. ظل له وأخر للحصان، التحما في ظل واحد. استند بظهره إلى حجر بجانب الطريق، ودسّ الحصان رأسه بين الأشواك باحثاً عن بقايا أعشاب جافة. في زمن مضى كان يسابق الخيل.. ولد في ذات اليوم الذي أهدته الهنوف ابنه البكر.... ابنه الذي لم يره منذ سنوات، منذ ساعة الرحيل والتشرّد، وحين قال لها: لا تجزعي سأعود، بكت الهنوف، لم تكن واثقة من عودته، دمه مهدور، ورأسه مطلوب، تتعقبّه العيون والبنادق والكلاب. القصة طويلة.... بدأت قبل ولادة الطفل بسنين، يوم حلّ الغريب بينهم، لفظته البلاد فآووه استجار بهم فأجاروه.. فتحوا له بيوتهم وقلوبهم وقالوا: ما تعوّدنا أن نرد السائل أو نغلق أبوابنا في وجه الضيف. لك مالنا وعليك ما علينا، إن شئت بقيت، وإن شئت العودة إلى ديارك أعدناك. قال: ماجئت لأرحل، وما قصدتكم إلا طمعاً بكرمكم وتسامحكم عندكم الأرض والمال عندي، فماذا تقولون؟. صار يسلّفهم المال ويشتري المواسم قبل أوانها بنصف الثمن، يفتح دفاتره ويضيف أرقاماً جديدة ويقول: وقّعوا هنا ضمانة للحق.. يقولون: كلمتنا هي الضمان. فيرد مستريباً: من يضمن الأيام؟ يقولون: ما تعوّدنا أن نخون العهد. يعلّق ساخراً: هذا كلام. تعاقبت السنون وصار له نفوذ وأعوان. وفي يوم لا ينساه أبداً فاجأه كالقدر ووجهه يقطر لؤماً وخبثاً، وقال: ـ صبرت عليك طويلاً، ادفع أو اخرج من الأرض. أطلق الرجل صرخة احتجاج: ـ من أين أدفع؟! الأمطار شحّت، والمواسم أكلها الدود، والجراد. أمهلني عاماً. نهره الغريب: هذا ليس شأني، لي الأرض إذاً ولك أن تخرج منها بجلدك ولا تطأها بعد اليوم، وإن رفضت... تعلن التحدّي وتتحمّل العاقبة. ـ ماذا تقول أيها الغريب؟ ـ أنت الغريب... من الصحراء جئت وإليها تعود. تأججت نار في صدر الرجل.. تفجّرت حمم وبراكين فأطلق صرخة استنكار: ـ ما هكذا يفعل البشر؟! ماهكذا يرد الجميل ويقابل الإحسان؟! ابن الحرام وحده يفعل ذلك. هذر الغريب الذي استوطن: ـ أنت تخرس وإني أحذّرك، منذ الساعة لا أرض لك، وإن لم تخرج منها بالحسنى أخرجتك بالقوة، هي لي لقاء المال الذي لي في ذمّتك وعندي مايثبت ذلك. كلماته سهام مسمومة اخترقت قلبه... اسودّت الدنيا. سقطت الأقنعة، وانهارت الحواجز، فاندفع بكل القهر والظلم الكامن في أعماقه وطعن واحداً من أعوانه بالخنجر عندما حاول صده، قبل أن يصل إليه ويصيبه بجروح بليغة. تجمهر الناس، جاؤوا من البيوت والحقول والبساتين. وفي لجّة الاضطراب والفوضى انطلق نحو بيته وامتطى صهوة الحصان. هرعت زوجته والولد يتعلّق بطرف ثوبها، وصرخت جزعة: إلى أين تتركنا؟! ولمن؟!.. ابتعد وعيناه مركّزتان عليهما، ولسانه يلهج بكلمات ظلّت عالقة في ذاكرتها كالوشم: عينك على الولد، سأعود، قولي له أبوك سوف يعود يوماً. بكى الصغير، وبكت الهنوف، ثم دخلت بيتها وأغلقت الباب. كفكفت دموعها واستعدّت لما تخبئه الأيام. ضمّت الطفل إلى صدّرها، هدهدته وغنت لـه قصائد الشوق والحنين، وقصّت لـه حكايات عن الرحيل والغربة.. عن الأبطال الذين لم يسكتوا على الظلم والضيم، وظلّت رؤوسهم عالية وهاماتهم مرفوعة.. عنترة والزير سالم وأبو زيد الهلالي... .............. عندما توقف شريط الذكريات وقف الرجل على قدميه بجهد، وقال محدثاً نفسه: منذ ذلك اليوم نضرب في الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، العمر ضاع سدى والجسد تهاوى كشجرة نخرها السوس.. آن لنا أن نتابع المسير فقد هبط الظلام. ودَّ الرجل لو يعتلي صهوة الحصان، لكنه لم يحاول ذلك أبداً. كلاهما متعب وكلاهما عاجز عن حمل نفسه. شبحين صارا... يخترقان عتم الليل... ضاعت معالم الطريق، فتعثّرا بالأشواك والحجارة. فكّر الرجل: عندما نجتاز المضيق نكون قد اقتربنا من نهاية الرحلة. حمحم الحصان، التصق به فانتبه إليه، كان يعرج، تلمّس أقدامه، نزع الشوك منها، واحدة تنزّ دماً، انتابه حزن عميق فشقّ قميصه وربط الجرح النازف. ومضت في الأفق مصابيح متناثرة فهتف الرجل بصوت كالفحيح: بعد قليل ندخل القرية... قليل من العزم والصمود وتنتهي هذه الرحلة الطويلة. الأضواء التي رآها ما زالت بعيدة... توغل في البعد كلما تقدّم، فتساءل: هل هذا وهم كلّه؟ هل بدأت أفقد الوعي؟ تهالك على الأرض ودار في خلده خاطر: لو أن الحصان لا يتوقف.. لو أنه يتابع الطريق دوني.. واحد منا يجب أن يصل.. ترك له العنان وضربه برفق على مؤخرته، لكنه ظلّ إلى جواره ولم يبتعد. حاول أن ينهض.. زحف على يديه وركبتيه وبصعوبة بالغة تقدّم خطوات نحو الأمام. وعندما تجاوز المضيق استرخى. قبض بيده حفنة من التراب وعصرها بكل مابقي لديه من قوّة. الصدر يضيق.. يعلو ويهبط بصعوبة، والقلب يضربه ألم حاد. وفي اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت تساءل: هل هذه نهاية الرحلة؟! دارت به الأرض فأحس أنه طائر يسبح في الهواء.. يحلّق عالياً، يلامس القمر والنجوم، ثم يهوي إلى أعماق سحيقة لا قرار لها. تومض في عينيه اللتين شحّ نورهما صور الذين يحبهم، وفي الفضاء الرحب والسهول الفسيحة تصهل خيول جامحة وأمهار تسابق أمهاتها. وعندما تسلل الفجر بهدوء وبعثر نجوم السماء، انقشع سواد الليل عن حصان مطروح على الأرض يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبقايا رجل توقّفت حركته تماماً.. وكانت عيناه المفتوحتان مسكونتين بصورة امرأة ووهج ابتسامة طفل في يده حجر. آذار ـ 1999. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |