|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مهمــة صعبـــة عند حلول الظلام ارتدى سترته الرمادية الفضفاضة، ذات الأزرار النحاسية والجيوب الواسعة، ووضع لفافة تبغ من النوع الرخيص بين شفتيه الغليظتين، قبل أن يعبّ النصف الأخير من كأس الشاي الثالثة، وقال للمرأة الواقفة أمامه دون أن ينظر إليها: البارودة. رفعت الزوجة الفراش المركون في زاوية الغرفة، وناولته بندقية قديمة، منسَّقة منذ عشرات السنين، وكما يفعل كل مرّة، نظر إليها باعتزاز، فحص أجزاءها واختبر صلاحيتها. فقالت له المرأة بشيء من السخرية: ـ بارودة بدون طلقات!.. العصا أفضل منها. قال متظاهراً بالفطنة والذكاء: ـ ماذا تقولين يا امرأة؟! ما أدرى الناس إن كانت مزودة بطلقات أو فارغة؟! بإعجاب طبطب عليها، وبحركة متأنية علّقها على كتفه، ولما كان الرجل قصيراً جداً فقد طاولت فوهتها هامته، أما أخمصها الخشبي فقد لامس الأرض. سألته: تتأخر اليوم؟ أجاب كمن يشعر أنه كلّف بمهمة صعبة: ـ حتى الصباح. وقبل أن يغادر البيت أكّد عليها: أغلقي الباب جيداً، فنحن غريبان في هذه البلدة، لا نعرف أحداً ولا يعرفنا أحد، والطامعون كثيرون.. تساءلت في سرّها: الطامعون؟ بماذا...؟! ابتسمت ساخرة.. بماذا يطمعون ولا شيء في البيت سوى بقية أثاث قديم جاد به المحسنون؟! ربما يقصد شيئاً آخر... هزّتها رعشة خوف فلملمت فتحة الثوب مابين النهدين وتمتمت: أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. بين جدران الغرفة الوحيدة في البيت الذي بدا مهجوراً عند أطراف المدينة جلست صامتة، ينتابها شعور بالخوف... لا يغمض لها جفن، يخيّل إليها أنها تسمع أصواتاً وترى أشباحاً... يتهيأ لها أن غريباً يتجول في باحة الدار ثم يقف وراء النافذة ويراقبها.. يدق قلبها بقوة.. تدنو من الباب بحذر وتسأل بصوت مخنوق: من..؟ تكرر السؤال وتصغي... لا يأتيها جواب... تتفقد باحة الدار والمطبخ والحمام، وتعود إلى الغرفة، تغلق بابها بإحكام.. تطرد الأوهام من رأسها... تحاول أن تشغل نفسها، تنظر في المرآة، وبمشط كُسرت بعض أسنانه تسرّح شعرها، تتنهد بحسرة وأسى وتقول بهمس خجول: جميلة... الاسم جميلة والصورة جميلة. يداهمها إحساس بالحزن والكآبة وتبكي حظها العاثر .............. تبكي جميلة، كل ليلة، مظلومة هي، هكذا تعتقد، لم يعد الأمر مجرد إحساس أو شعور عارض، بل حقيقة ثابتة وواقع أليم. ظلمها أهلها.. ظلمها قدرها منذ أن اشتراها هذا الرجل الدميم الذي يسمي زوجها بماله... اشتراها؟! نعم اشتراها. أليس زواجهما صفقة بيع وشراء؟! كانت نبعة حور... وردة ربيعية. تحسدها فتيات القرية، وتطاردها عيون الشباب.... عشرات منهم يسعون للتقرب منها وكسب ودّها. وعندما وقفت أمام بيتهم سيارة بيضاء طويلة عريضة حملت إليهم بعض الرجال، كان هو بينهم بدشداشته البيضاء وكوفيته وعقاله.. رجل في حجم طفل كبير.... شكله يدعو للسخرية والرثاء. استقبلهم والدها، وحمل أخوها إليهم الشاي والقهوة المرّة، ولمّا رأى الرجل الصغير مرفوعاً على كرسيه كالطفل، وكيف كانت قدماه القصيرتان معلقتين في الهواء، ولا تصلان إلى الأرض، حاول جاهداً أن يكتم ضحكة تفجّرت فور خروجه من المضافة. أشارت إليه أمه بالصمت، فقال ضاحكاً: هل رأيته؟ إنه نصف رجل. قالت زاجرة: عيب. حرام. عليك، لا تسخر من خلق الله. دارت في البيت همهمات وهمسات. أحست جميلة بانقباض في صدرها، وأدركت أن في الأمر مايثير مخاوفها، وإن شراً قادماً ينسج شباكه حولها، فتساءلت: ـ من هؤلاء الغرباء وماذا يريدون؟ نهرتها أمها التي لم تكن أقل منها توجساً: ـ هذا لا يعنيك. لم يبق إلا أن تتدخل البنات في أمور الرجال. ولما غادر الرجال البيت، ورأى والدها في عيونهم أسئلة حيرى تبحث عن جواب قال: ـ الجماعة قصدونا، والرجل يريد مصاهرتنا.. سألته زوجته: أي رجل تقصد؟! كانوا خمسة. لم يعرف ماذا يقول. بحث عن وصف لا يعيبه، تردد كثيراً قبل أن يقول: المربوع؟!.. صعقها الخبر.. اسودت الدنيا في عينيها، فكّرت : من يعنيه ليس رجلاً، هو أشبه بالقرد. استغفرت ربها لاعتقادها أنها سخرت من خلق الله، وخافت أن ينزل بها عقابه. وهل من عقاب يفوق هذا؟! تساءلت بجزع: ماذا لو أن والدها وافق على طلبه؟ كثيراً مايفعل الرجل مايريد. لا يعير اهتماماً لرأي الزوجة والبنت والولد. وإلا، كيف يكون رجلاً؟! وما قيمة الشاربين اللذين يحملهما؟.. أحرى به أن يحلقهما ويتوارى في البيت كالحريم. قال الرجل المحاصر بالصمت والعيون التي جحظت من شدة الذهول: ـ لم أعطهم كلمتي بعد. قلت لهم تسمعون الجواب غداً. ثم أضاف بعد صمت: ـ الرجل مليء، حاله عال، يعمل في بلاد النفط ويلعب بالدينار والدولار.. حاولت أمها أن تعترض فقالت: لكنه غريب، وشكله....... اعترض قائلاً: مابه شكله؟ أضافت باستجداء: لماذا نرمي البنت هذه الرمية؟ هل عجزنا عن لقمتها..؟ رماها بنظرة استنكار وغضب.. خلع العقال عن رأسه ووضعه على رأسها قائلاً: خذي العقال، أنت رجل البيت منذ اليوم.. فوجئت المرأة بردّه، وأدركت أنها تجاوزت حدودها، فوقفت مذعورة، رفعت العقال عن رأسها وأعادته إليه قائلة: لا يا أبا جاسم، لا... كيف تعتذر؟ وأية كلمات تصلح ما أفسدته؟ صمتت نادمة وانسلّت بخجل. في اليوم التالي طرقوا بابهم مرة ثانية. وجرى حوار طويل بين والدها والرجل القصير. قال القصير: أنا أدفع مهرها نقداً أكثر من أي واحد آخر.. قال أبوها: أنت تعرف العادات. القريب أولى وأحق، وقد طلبها شاب من العشيرة، وعرض علينا ثلاثين ألفاً. ضحك القصير ضحكة مصطنعة، فالمسألة بسيطة وحلها في يده. وقال باستهزاء: ـ ثلاثون ألفاً فقط..؟ أنا أقدم عرضاً غير هذا. صمت الجميع. وضع لفافة تبغ أجنبي بين شفتيه الغليظتين.. وأشعلها بهدوء.. نفث دخانها ثم اعتدل في جلسته وقال: ـ لا ثلاثون ولا أربعون.. فتحوا آذانهم بانتظار مايقول. نطق بعد صمت: على القبان، نعم على القبان والكيلو بألف. فغر الرجال أفواههم دهشة واستغراباً. أطرق أحدهم برأسه إلى الأرض خجلاً، وتمتم آخر: مصيبة... ماذا تقول؟ فضحتنا يارجل ونكّست رؤوسنا.. توقعوا أن يقفز والدها من مكانه ويطردهم شر طردة، أو يرفع السلاح في وجوههم، تصوروا أشلاء مبعثرة وجماجم محطّمة ودماء تسيل، توقعوا أي شيء إلا أن يقول بعد صمت وتفكير: موافق. قادوها إلى الخان، فمشت معهم مترددة خجلة، لا تصدق مايجري. قالوا لها: اصعدي إلى القبان، قفي هنا. امتلأت عيناها بالدموع، اسوّدت الدنيا، دارت الأرض، ضجت في أذنيها أصوات غريبة.. صراخ وبكاء وعويل وضحكات مجنونة. كادت أن تهوي إلى الأرض... قال أحدهم: أسندوها.... ردّ آخر: ابعد يدك من أجل الوزن. أعلن الواقف أمام القبان: خمسون كيلو.. اقترب والدها وتأكد من الوزن وهمس: نعم، خمسون. كان يأمل أن تزن أكثر منذ ذلك. لم لا تكون ستين أو سبعين؟!.. لو أنهم علفوها جيداً، لو أنهم.. وما نفع الندم؟ يومذاك كان سعر كيلو اللحم لا يزيد عن خمس ليرات. اقتيدت بعد مراسم العرس إلى بيته. تبعثرت أحلامها وتلاشت كقطرة ماء في يوم صيفي. أفاقت على حقيقة مرة، انقضّت عليها كالصاعقة، وهمٌ وسراب.. كل شيء وهم وسراب، كذبة كبرى تسقط كاتهام باطل.. بعد أسبوع من زواجهما، قال لها: انتهت إجازتي، أسافر وأهيئ سكناً وإقامة ثم أعود وآخذك معي. لم يخبرها أين يسكن وكيف. لم يقل لها أنه يتقاسم غرفة صغيرة، لا تصلح زريبة للحيوان مع أربعة آخرين. لا تعرف ماهي مهنته وكيف يكسب رزقه. بعد شهر عاد إلى القرية.. لا سيارة ولا مال ولا تبغ أجنبي، ولا دشداشة بيضاء... لا شيء على الإطلاق، أنهوا عمله ورحّلوه كغيره ممن تم الاستغناء عنهم وعن خدماتهم. قال لها وقد ضاقت بهما الدنيا: لا عيش لنا هنا. نقصد المدينة. سألته: وماذا لنا في المدينة؟ ـ أبحث عن عمل، أي عمل. حملت صرّة ثيابها ومشت وراءه، وعندما صعدت إلى السيارة أحسّت أنها انتزعت من جذورها وقذفت إلى المجهول. أيام عصبية مرّت بهما. عاشا كمتسولين. بل إنهما تسولا فعلاً أليس الوقوف بباب الآخرين وعرض الخدمات تسولاً.؟! بعد جهد وعناء، صار يعمل حارساً في الأبنية السكنية، وكلما أُنجز بناء وحلّ به أصحابه ينتقل إلى آخر.. بعض المالكين عاملوهما بترفع وازدراء، وآخرون أبدوا بعض اللطف والكرم، واحد منهم كان يعطي علب التبغ لزوجها، ويدس في يدها بعض النقود، ترفض، فيقول لها: من أجل أن تهتمي بشقتي وتشبعي الاسمنت بالماء. يقول زوجها: أنت تأمر. ويشير إليها أن تأخذ المال. فاجأته مرّات عدّة يطيل النظر إليها... في عينيه رغبة وشهوة. يقيسها من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. يعريّها وتنفد نظراته إلى المحرمات من جسدها. ربما كانت هي شهادة التزكية التي وفرّت لزوجها عملاً ثابتاً في دائرته، إذ قال له يوماً: الوظيفة أكثر ضماناً وعندي شاغر، حارس ليلي، فماذا تقول؟ ماذا يقول؟! كاد أن يقفز من الطابق الثاني فرحاً وغبطة، ودّ أن يعانقه تعبيراً عن امتنانه وشكره، إلا أنه تردد لئلا يلوث ثيابه النظيفة، حاول أن يقبّل يده... أن يفعل أي شيء يرضيه.. مامن مشكلة إلا في تأمين المسكن. أضاف الرجل: تسكنان بيتاً صغيراً عند أطراف المدينة أجره قليل، اتركا هذا لي. انتقلا إلى البيت الذي اختاره لهما، وباشر الزوج عمله الجديد كحارس ليلي في منشأة كبيرة. ينام نهاراً ويغيب عن البيت ليلاً، يحمل بندقية بدون طلقات.... ..................... توقّفت عن البكاء عندما سمعت نقراً خفيفاً على الباب وصوتاً يهمس باسمها، جميلة، افتحي... هل تتوهم. هذا الصوت تعرفه، سمعته من قبل. اقتربت من الباب بحذر وسألت: من...؟ تكرر الصوت: أنا، افتحي. ـ لا أحد في الدار غيري.. ـ أعرف، افتحي.. ترددت كثيراً. خافت أن يراه الناس، إن ظلّ واقفاً على الباب. فتحت بحذر فقفز بسرعة وصار داخل البيت. قالت وهي ترتجف: زوجي ليس هنا. ـ أعرف، ولهذا جئت.. بيننا كلام لا يجب أن يسمعه. ـ ماذا تريد؟ ـ اقترب منها. حاول أن يمسك يدها فانتفضت مذعورة. قال: أريد أن أسعدك.. كلانا بحاجة للآخر.. أنت متزوجة من نصف رجل، وأنا ما عدت أرغب بزوجتي. ـ أرجوك.. ابتعد.. ـ حرام أن تكوني زوجة لهذا المسخ.. مهرة وخيالها قرد! ـ هو زوجي ونصيبي. ـ لولاك ما وظّفته. ـ يا مصيبتي إن رآنا أحد. ـ قلت لك لا تخافي.... دفعها إلى الغرفة. وضع يده على فمها. طوّقها بذراعيه. أحست بثقله يطرحها أرضاً ويجثم عليها. تكاد أن تختنق. تقاوم وتقاوم.. تقل مقاومتها.. تغيب عن الوعي وتدور في دوامة. وهناك، على بعد مئات من الأمتار، رجل قصير القامة يتجول أمام منشأة كبيرة ويعتقد أنه كلّف بمهمة صعبة. عيناه مفتوحتان ترصدان من يحاول الاقتراب والتسلل، وعلى كتفه بندقية قديمة، فوهتها تطاول هامته، وأخمصها الخشبي يلامس الأرض. تشرين الأول 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |