طقوس الرحلة الأخـيرة - إبراهيم خرّيط

مجموعة قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

موت الكلب الغريب

في الصحراء المترامية الأطراف، غابت الألوان وتماهت في لون واحد.. وحده اللون الرمادي يغلف الأرض والسماء ويبعث في النفس شعوراً بالفراغ والكآبة، ولولا ذلك الخط الإسفلتي الأسود الذي يطويه بسيارته، لأيقن أنه يتوغل في المجهول ويهيم في متاهة لا مخرج منها.‏

لا أثر للحياة في هذا الخلاء الواسع.. لا بيت ولا شجرة، لا طائر يحلّق في السماء، أو حيوان يدبّ على الأرض، لا حركة ولا صوت إلا ما يصدر عن محرك السيارة ومذياعها الذي أعلن عن نشرة أخبار الساعة السادسة مساء..‏

(زار، استقبل، اجتمع.. هجوم على مدن وقرى ومنشآت، سقوط عدد من القتلى والجرحى من المدنيين.. أطفال يموتون من نقص الغذاء والدواء. شكاوى واحتجاجات. مناقشات في مجلس الأمن وتلويح باستخدام حق النقض..).‏

أضاف المذيع: كان هذا هو الموجز وإليكم النشرة بالتفصيل.‏

قال في نفسه: شيء يتعب القلب ويثير الضجر.‏

غيّر المحطة فهو نادراً ما يسمع الأخبار. قلّب أشرطة التسجيل، ولقّم الآلة واحداً منها. وعندما لامس أذنيه صوت المطربة الناعم.. تغني للحب والحبيب، دبّت النشوة في جسده، بلع ريقه، دقّ بيده على مقود السيارة، تخيّلها ترقص وتتلوى وتتغنج، كما يراها على شاشة التلفزيون. تحرّك الغرائز حتى عند أكثر الرجال ورعاً وتقوى، بثيابها الفاضحة وحركاتها المثيرة. وتمتم بما يشبه الهمس: أدفع مائة ألف، مليون، مقابل.. ولم يكمل العبارة.‏

وقبل أن يصل المدينة اقترب من واحة تزهو بالألوان، قطعة من الأرض كأنها من عالم آخر.. أشجار خضراء وأحواض زهور، سقوف من قرميد، مسبح وملاعب رياضة.. جنّة صغيرة قامت وسط جحيم الصحراء.‏

كلما مرّ من هنا يدفعه الفضول للتمهل ومراقبة المكان عن كثب، وتقوده الرغبة لولوجه ورؤيته من الداخل، والتعرف على عالم محظور عليه وعلى أمثاله من المواطنين، فهو مسيج بالأسلاك الشائكة المكهربة والكتل الإسمنتية التي تحول دون اقتحام الآليات، وإشارات التنبيه والتحذير بلغتين إحداهما العربية: ممنوع الاقتراب.. ممنوع الدخول، ممنوع التصوير.. وعلى بابه وسياجه حرّاس غرباء، ذوي بشرات شقراء وعيون زرقاء. يحملون البنادق الآلية وأجهزة اللاسلكي.‏

غالباً ما يحظى برؤية ما يثير الرغبة في نفسه ويوقظ الشهوة المكبوتة في أعماقه.. امرأة شقراء شبه عارية تأخذ حماماً شمسياً لتلوّن بشرتها باللون البرونزي، أو صبية كأنها حورية من حواري الجنة، ترتدي ثوباً للسباحة من قطعتين يكشف عن مفاتن الجسد الرشيق المتناسق، فيثور الوحش الملجوم في داخله ويكاد أن يحطم قيوده ويندفع خارج أسوار سجنه.‏

يستهويه اللحم الأبيض ويستأثر بتفكيره ومشاعره. يهمس: أموت.. أموت. ويبتلع بقية الجملة. ترتسم أمامه صورة أم العيال كالشبح المقنع، وتنتزعه من شروده وأحلامه، فيدق بيده على صدره ويندب حظه العاثر.‏

في هذا المعسكر الذي أقامه الأجانب على أرض بلاده عالم من نوع آخر.. النساء غير النساء، كل شيء مسموح ومباح. التعري والمشروبات والغناء والرقص.. لا عيب ولا محرّمات، ولا مطوّعون بوجوه صفر وعيون فارغة، يمتّعون أنفسهم برؤية الأجساد العارية ويفترسونها بنظراتهم الشهوانية وإن كانوا يحرّمونها على الآخرين، ولا يتورعون عن ضربهم بالعصي واتهامهم بالفسق والفجور.‏

وكما يحوّم طائر جارح في الفضاء ويرصد فريسته ببصره الثاقب، خفف سرعته وراح يراقب المكان.‏

لفتت نظره امرأة لم تتجاوز عقدها الثالث، ترتدي ثوباً قصيراً يكشف عن صدر بارز وذراعين وساقين ملفوفين دونما سمنة أو ترهل، على رأسها قبعة تقيها أشعة الشمس، تقود كلباً صغير الحجم ذا شعر طويل نظيف، تأخذه في نزهة خارج أسوار المعسكر. لا شك أنها تغسله بالماء والصابون.. قد يستحمان في حوض واحد، وربما ينامان معاً على السرير عندما يغيب زوجها عن البيت في مهمة.‏

أوقف سيارته ونظر إليهما بإمعان..‏

تصدر عن الكلب حركات غير عادية.. تعدو فيعدو وراءها تقف وتفتح ذراعيها فيقفز إليها. تحمله وتضمّه إلى صدرها كما لو أنها تضم طفلاً أو حبيباً برّحها الشوق إليه. يلعق بلسانه وجنتيها ويدس رأسه بين نهديها.‏

لقد سمع قصصاً كثيرة عن نساء أجنبيات وكلابهن، ولم يتبين حقيقة الأمر. مازال في نفسه شيء من الشك. تساءل:‏

ما الذي يغريهن في الكلاب، وهل من قلة أو عجز في الرجال؟‍!‏

رأى المرأة تراقبه وتبتسم. هل تسخر منه؟ قد تقول عنه في سرّها: متخلف، غبي، عقله في رأس ذكره. يعاني من الحرمان والجوع الجنسي.. هذا الإرث التاريخي الذي تناقلته الأجيال منذ آلاف السنين. أليس هذا ما يتصوره الأجانب ويصورونه في كتبهم وأفلامهم ويروجون له عبر وسائل أعلامهم؟!‏

أحس بنار تحرق صدره.. أهي نار الغيرة أم الإثارة؟! أراد أن يغمض عينيه فلم يفلح. أراد أن يكبح جماح غريزته ويلجم الشيطان الذي تحرّك في أعماقه فردد قائلاً: أعوذ بالله أعوذ بالله.‏

قرر أن يبتعد عن المكان فوراً قبل أن يقدم على عمل لا يرضي الخالق والخلق، فالإنسان ضعيف وعاجز، بل هو أضعف المخلوقات أمام الشهوات، والنفس أمّارة بالسوء، والشيطان مازال حياً.‏

هدر المحرك وأقلعت السيارة كحصان جامح.. صرّت عجلاتها ورسمت على الطريق خطين أسودين.‏

عيناه أصابهما الغبش.. تعطلت حواسه ومشاعره. اقترب من المرأة وكلبها.. كانا يتسابقان على الطريق. رآها ترفع يديها وتصرخ.‏

هل رآها حقاً أم أنه يتوهم؟!‏

ضغط مكابح السيارة بكل قوته، ونظر إليها بعد أن تجاوزها بمسافة قصيرة. كانت جاثية على ركبتها وكالمجنونة تحاول أن تلملم أشلاء مبعثرة ودماء متناثرة.‏

لا يدري كيفي قفز الكلب واندفع نحو السيارة ليلقى حتفه تحت عجلاتها.‏

دنا منها فصرخت في وجهه. لم يفهم لغتها الأجنبية وإن أدرك أنها تندب الكلب الذي نفق، وتشتمه هو وتلعن أباه وأجداده.‏

حاول أن يهدئ من روعها، لكنها استمرت في صراخها.‏

بعد ثوان قليلة أقبلت سيارة تحمل ضابطاً وعساكر من جنسيتها.. جاؤوا فوراً عندما بلّغهم حارس الباب الرئيسي بالحادث، فقد كانوا جاهزين للحالات الطارئة والتصدي للأحداث المتوقعة وغير المتوقعة. أحاطوا به، تحدثوا بلغتهم فلم يفهم ما يقولون. استدعوا ضابطاً من بني قومه قام بدور المترجم سأله بعض الأسئلة فأجاب دونما اكتراث، اعتقاداً منه أن القضية لا تستحق هذا القدر من الاهتمام، ما دامت المرأة لم تصب بأذى،‏

وأضاف قائلاً:‏

-أنا لم أقصد قتل الحيوان. شريعتنا تحرّم القتل. هو الذي اندفع تحت عجلات السيارة، وهذا قدره.‏

تحدث الضابط إليها، فصرخت مستنكرة. ربما كانت تبغي شيئاً آخر، فسأل بحدة:‏

-ماذا تقول هذه المجنونة؟‏

قال الضابط: إنها حزينة وغاضبة، أنت لم تقتل كلبها فحسب، بل طعنت قلبها وأصبتها بالحزن والاكتئاب وبأزمة نفسية لن تبرأ منها إلا بعد زمن طويل وهذا لا يقدّر بثمن.‏

قال: أعطيها كلباً وما أكثر الكلاب، أو أعوضها مالاً إن أرادت وننتهي من هذه المسألة.‏

ردّت مستنكرة: تعوضني؟ كيف تعوضني عن أعز مخلوق لدي؟!‏

ضحك في سرّه وهمس: بنت الكلب، ماذا تركتِ لزوجك وأبنائك؟!‏

فكر قليلاً ثم قال: دية المواطن محددة حسب القانون والأعراف ودية الأجنبي من الآسيويين والأفارقة والعرب نصف دية المواطن، ما رأيها إن دفعت لها دية أجنبي تعويضاً عن كلبها؟‏

صرخت: لا.‏

قال: أدفع دية مواطن وأمري لله.‏

هذرت بلغتها: بدوي، جاهل، يعتقد أن المال يعوّض كل شيء. أمور كثيرة يجهلها هذا البدائي المختلف.‏

أثارت كلماتها في نفسه كرامة مهدورة ورجولة مهانة فقال بغضب:‏

-والبشر الذين تقتلونهم كل يوم، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.. ألا يساوون في نظركم كلب هذه المرأة.‏

رد الضابط الأجنبي: أنت لا تفهم. يبدو أننا لن نصل إلى نتيجة، وهذا قد يؤدي إلى خلافات على مستوى أعلى عندما يصل الأمر إلى سفارة بلدي، فنحن لا نفرّط بحق من حقوق مواطنينا، ويعرّضك لمساءلة قانونية واجتماعية، عندما يسألونك عمّا جئت تفعله قرب معسكرنا. وقد يفهمون القصة بشكل آخر فيتهمونك بالتحرّش بالسيدة ومضايقتها. ومن يدري، ربما كان هذا قصدك فعلاً.‏

أحس أنه وقع في مصيدة نصبوها له.. هم يعرفون نقطة ضعفه.. دعوى قضائية وقضية أخلاقية. سوف تهتز صورته في نظر زوجته وأبنائه، ويبدو صغيراً في‏

نظر الناس الذين لا همّ لهم إلا نشر الفضائح‏

وبلورتها وتجسيمها.‏

الجنازة حافلة والميت كلب.. ليس مثلاً يقال بل حقيقة يراها بعينه ويسمعها بأذنه. لم يبق إلا أن يُعلن الحداد وتنكّس الأعلام. وما الغريب في الأمر؟! ألسنا في زمن الغرائب؟!‏

قد ينسبونه إلى جماعة إرهابية متطرفة.. مصيبة كبيرة إن فعلوا. ولماذا لا يفعلون؟! ما الذي يمنعهم؟!‏

لوى عنقه وتمتم باستجداء: ولماذا هذا كله؟!‏

رد الضابط الأجنبي بخشونة: كنت جلفاً غليظاً مع السيدة وعليك أن تدفع الثمن.‏

أراد أن يقول شيئاً، لكن الكلمات ماتت بين شفتيه.‏

حاول الضابط العربي تهدئة الموقف وتسوية الأمر. لكن المرأة رفضت. وعند إصرارها أمرهم الضابط الأجنبي بعدم التدخل معلناً أن مهمتهم قد انتهت، ثم التفت إلى مساعديه وقال بنبرة صارمة:‏

-تابعوا إجراءات التحقيق.‏

تشرين الثاني 1999‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244