طقوس الرحلة الأخـيرة - إبراهيم خرّيط

مجموعة قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عودة الغائب

فاجأني بزيارة غير منتظرة، بعد أن حسبته غادر البلاد عائداً إلى موطنه الثاني.‏

خمسة وعشرون عاماً أو تزيد مرّت منذ أن افترقنا.. حين قرّر أن يتركنا ويرحل. لم يأبه للفراغ الذي خلّفه موت أبي منذ سنين، ولم تثنه توسلات أمي المريضة ولا دموع شقيقتي الصغيرة. لا كلمات الرجاء ولا نظرة اللوم والعتب ساعة الوداع. والآن.. يقف أمامي بقامته المديدة وذقنه المدببة وتقاطيعه التي تغيرت كثيراً حتى بدا غريباً عني وليس أخي ابن أمي وأبي.‏

لا أعرف لم تذكّرني أخيراً..‏

عشرة أيام قضاها في العاصمة، ويومان هنا، في المدينة التي كانت بلدته يوماً ما. لا أدري لمَ جاء، أين يقيم ومن يلتقي؟ سمعت أخباره من الناس.. سألوني عنه فأغاظني وأخجلني أني لم أعرف جواباً. لم يتصل ولم يسأل، فما الذي ذكّره بي بعد هذا الجفاء، وهل أعذره وأصفح عنه؟ هل أنسى وكيف؟‍!‏

لا أعرف، تلك اللحظة، كيف حاكمته والتمست له الأعذار..‏

لا أعرف كيف وقفت مدافعاً عنه أمام نفسي.. ربما، فرحة اللقاء به طوت صفحة الماضي.. مسحتْ غبار السنين وأسقطت كل الاتهامات.‏

تعانقنا.. طفرت دموعي وأنا أقبله.. أحسَّسْت أنني أحلّق في فضاء رحب، أعانق النجوم. غمرتني سعادة افتقدتها طويلاً، وقلت بصوت يشبه الهمس:‏

-تغيرّتَ.. تغيّرتَ كثيراً.‏

ردّ بهدوء: وأنت.. تبدو أكبر مني سناً. لقد شختَ يا رجل.‏

نظر إلى زوايا البيت الذي كان بيت العائلة فيما مضى وأضاف:‏

-والبيت أيضاً. يبدو مثل خربة هجرها قاطنوها.‏

قلت: كل شيء تغيّر.. الزمن يا أخي، الزمن.‏

فاجأني بعبارة طعنتني:‏

-يا أخي، أنتم شبه أموات. لا تعرفون للحياة طعماً أو معنى، مستسلمون، تحمّلون الزمن فشلكم وتعلّقون عليه هزائمكم وانكساراتكم.‏

أطرقت برأسي وابتلعت غصّتي، بينما راح يرصد بعينيه، في الغرفة التي جمعتنا، الأرض الإسمنتية الخشنة، والجدران والستائر التي بهتت ألوانها.. والصور المعلّقة.‏

كانت نظراته تسلخ جلدي، تعصف بي، تزيد من ضغطها على صدري وتعصر قلبي. وبعد صمت أشار بيده وسأل:‏

-صورة الوالدة؟‏

قلت: نعم.. رحمها الله.‏

انتظرت أن يسأل عن الصورة الأخرى.. صورة الشاب الوسيم ابن العشرين ربيعاً، إلا إنه لم يفعل.. كان يبدو شارداً ساهماً فغرقنا مرّة أخرى في صمت ثقيل قطعه قائلاً كأنه يؤدي واجباً دونما رغبة: تزوّجت؟‏

ابتسمت وقلت: نعم.‏

-من؟‏

-كنت خاطباً قبل رحيلك. ألا تذكر؟‏

قال: نعم. هذا صحيح. إذاً تزوجتَ من تحب.‏

أضفت: وعندي خمسة أولاد.‏

شعرت بالاختناق. كنت أريد أن أفجّر أحزاناً‏

تحرق صدري أتلهّف أن أسمع كلمة تواسيني..‏

قلت بصوت يختنق:‏

-كانوا ستة. البكر استشهد ودفن في مقبرة الشهداء، هذه صورته، إلى جانب صورتها.‏

هزّ رأسه وقال دون أن يبدو عليه أي تأثّر:‏

-نعم.. أظن أني سمعت بالخبر.‏

-والثاني يخدم في الجيش الآن..‏

ظلّ صامتاً ولم يعلّق بكلمة.‏

وقفت قائلاً: زوجتي وأولادي في الغرفة الثانية، أنادي عليهم. ألا تريد أن تراهم؟!‏

أجاب ببرود: دع هذا الآن. ربما في المرّة القادمة، لديّ ما هو أهم.‏

تهاويت على مقعدي مخذولاً. أحسست أن مسافات طويلة مازالت تفصل بيننا وأن هذا الذي يجالسني ليس أخي.‏

قال: لو أنك هاجرت معي..‏

قلت: كيف...؟! وأترك أختنا الصغيرة وأمنا المريضة؟!‏

قال كمن يشعر بالذنب:‏

-أمي كانت غاضبة مني. أليس كذلك؟!‏

هززت رأسي وقلت: نعم. ولم يمهلها المرض‏

فلحقت بأبي.‏

وكأنّه فطن إلى شيء غاب عن ذهنه طويلاً سأل:‏

-صحيح. وأختنا الصغيرة.. كيف هي؟!‏

-لم تعد صغيرة. تزوّجت وأنجبت..‏

قال: بودي أن أراها، وسأفعل إن توفرت الفرصة.‏

قُرع الباب بلطف.. كانت زوجتي تحمل القهوة. ترددت في الدخول فقلت: هذا أخي الذي هاجر منذ سنين.‏

حيّته ورحبّت به فأجاب باقتضاب: أهلاً وسهلاً، تشرّفنا. ولم يضف كلمة أخرى فاستأذنت وانصرفت.‏

بقينا وحدنا، فقلت: كنت تريد أن تحدثني عن أمر هام.‏

هزّ رأسه وقال دون أن يلتفت: نعم، نعم، ولكن أخشى أن أكون قد تأخرت. أراك غداً صباحاً، في التاسعة، هل هذا مناسب.‏

أخذ رشفة واحدة من فنجان القهوة، ومدّ يده مودعاً، فقلت:‏

-إلى أين؟ نتعشّى سوية وتنام عندنا.‏

ابتسم وقال: أي عشاء يا أخي وأي نوم؟! أنا أتناول وجبة خاصة، وأقيم في الفندق السياحي. بالمناسبة، صارت عندكم فنادق من الدرجة الأولى.‏

قلت: هذه ليست لنا.. هي للأجانب والأثرياء وذوي المناصب‏

وهمست في سرّي: هذا البيت ما عاد يناسبه بعد أن صار من أصحاب الملايين والمشروعات الاستثمارية، في بلدان عدّة، وبعد أن تخلّى عن جنسيته واستبدلها بأخرى أجنبية.‏

أخي هذا الذي تذكرنا بعد سنين طويلة.. تبرّع بمبلغ من المال لتجميل مدينة برلين، وبآخر لرياض الأطفال في لندن، حتى لا تغيب البسمة عن وجوههم، وبمثله لجامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، وقدّم المساعدة لمشاف ومصحات في بلدان أوربية، وتناقلت الصحف والمجلات أخبار نشاطاته وأعماله الخيرية. لا أعرف كيف أثرى.. ربما هي المغامرة أو الذكاء والطموح، وربما طرق أخرى..‏

لم أنم ليلتي.. أقلقني حضوره أكثر مما سرّني. أخي هذا الذي لم يسأل عنا خمسة وعشرين عاماً، والذي تخلّى عنا في أشد الأوقات حرجاً وضيقاً. ابن أمي وأمي، الذي قام بأفعال الخير في كل مكان إلا هنا.. يأتي إلينا اليوم، لماذا؟ وأي أمر هام هذا الذي جاء من أجله؟!‏

في الصباح توقفت سيارته السوداء الحديثة أمام البيت. خرجت على عجل وانزويت إلى جواره. لم ينطق بكلمة فالتزمت الصمت. وضع بين شفتيه سيجاراً أجنبياً من النوع الفاخر.. تناولت علبتي وأشعلت لفافة.‏

قال: تدخّن كثيراً، لاحظت ذلك بالأمس، وتبغك من النوع الرديء.‏

قلت: إنه تبغ وطني، وقد اعتدت عليه.‏

عقّب قائلاً: إنها عادة سيئة.‏

كان يقود بهدوء: لم أسأله عن وجهتنا. مرات كثيرة اعتقدت أنه سيتوقف ويفضي إلي بسرّه. ربما يريد أن ينأى بي بعيداً عن عيون الناس ليكشف لي عنه.‏

صرنا عند أطراف المدينة، فقال:‏

-المقبرة.. هذا طريقها، إن لم تخني الذاكرة.‏

قلت: نعم.‏

سلكنا درباً ضيقاً، يتلوى بين التلال والأودية، تحاصره أكوام القمامة والحجارة وبقايا الركام الذي لفظته المدينة.‏

قال متأففاً: شيء يغم النفس ويبعث على الغثيان. لو رأيت المقابر هناك. أي تنظيم وأية نظافة!! لا تقل إلا حدائق من عشب أخضر وزهر ملون.. لا احترام للموتى في هذا البلد.‏

همست في أعماقي: ولا للأحياء.‏

انفتح الممر على صفوف من المقابر المنتشرة على مدّ البصر وسأل: أين قبرها؟‏

قلت: من؟ أمي؟ أقصد أمنا. منذ سنين لم أقصد المقبرة وقد تغيرت معالمها. الحقيقة، أنا لا أعرف تماماً.‏

عقّب قائلاً: وهذا يجعل مهمتنا عسيرة.‏

أوقف السيارة وترجلنا..‏

رحنا نشق طريقنا بين صفوف المقابر، ونمسح بعيوننا اللوحات الرخامية، علّها تساعدنا في الاهتداء إلى مكانها. أثارت أقدامنا التراب، فتصاعد إلى الأعلى. ثمة طيور سوداء تحوّم في المكان وأخرى وقفت على شواهد القبور، وكلاب شاردة وجدت في المقبرة مأوى لها.‏

وقفنا أمام قبر تبعثرت حجارته، فسأل:‏

-هذا هو؟‏

قلت: لست متأكداً، لأننا لم نضع لوحة رخامية.‏

نظر إلي وفي عينيه لوم وعتب وقال:‏

-هل هذا معقول؟! يجب أن تكون متأكداً.‏

أضفت بيأس: لست متأكداً من شيء.‏

قال: أنا لم أحضر دفنها أما أنت...‏

قلت: مضى على دفنها زمن طويل.‏

تسلّطت على رأسي رؤى غريبة ونحن نبحث عن مثواها الأخير دون جدوى. قبور تهدّمت وأخرى بلا شواهد أو لوحات، والمدى فسيح وجوف الأرض لا يمتلئ.‏

أيقظني من شرودي حين أعلن:‏

-لنعد، فقد تأخرنا. نتابع البحث غداً. حاول أن تعرف مكانها. اسأل من ساروا في جنازتها، اسأل حفار القبور إن كان ما يزال حياً. افعل أي شيء.‏

كان يطلق عباراته كأوامر عسكرية، يتلقاها جندي لا يحق له أن يسأل لماذا وكيف..‏

عدنا إلى المدينة. كنت مشدوهاً فلم أدعه للدخول إلى البيت، ولم أتذكر إلا بعد أن ابتعد.‏

انتظرته صباح اليوم التالي. تجاوزت الساعة التاسعة.. والعاشرة. لم أذهب إلى عملي، أخذت إجازة اعتراضية. انتظرت وانتظرت.. قبيل الظهيرة تلقيت نداء من الفندق الذي يقيم فيه. انطلقت ملهوفاً. ساورني شعور بالخوف والقلق. لم أجده هناك، كان قد غادر المدينة وترك لي رسالة. فتحتها وقرأت:‏

(أخي، كنت أتمنى أن أجد قبر أمي وأقف عنده راجياً أن تسامحني وتغفر لي.. ابحث عنه، وأعد بناءه من الرخام الأبيض، وضَعْ لوحة رخامية محفور عليها اسمها، وإكليلاً من الورد باسمي. هذه أمانة في عنقك. اصرف بسخاء ولا تسأل عن التكاليف. اقتطعها من حصتي من ثمن البيت، فأنا لي فيه نصيب كما هو لك).‏

قلبت الورقة.. قرأتها مرّة أخرى. كورتها، عصرتها، مددت يدي إلى عنقي، وشعرت أنني أختنق.‏

كانون الثاني 2000‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244