|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الرحلــــة هل أستطيع أن أستعيد السنين الراحلة؟ أقول للزمن توقف، عشت عمراً لا أريده أرجع لي عمري لأعيشه من جديد. عشرون سنة ركضت... هربت... لم يبق منها إلا تعب الجسد وجراح الروح... عشرون سنة عبرت... آه يا سنين عمرنا الآفلة أنا لا أحب الأفول. أحب الحياة إشراقاً، تفجراً، فلماذا كان علي أن أنحت الصخر، وأن أستصلح الصحراء... لا الصخر أشاد صرحاً ولا الصحراء أعطتني الخضرة. وحيدة والمدينة تعج بالحياة.... حزينة والدنيا تأتلق سعادة. الليل يهبط على المدينة، كنت أحب الليل الآن بت أخشاه أخاف ويلاته. ليل وامرأة وحيدة... يقول لها أخوتها كلنا حولك ولكنهم يمضون إلى بيوتهم ولا يبق إلاها معلقة بين السماء والأرض. البارحة كان المصعد معطلاً، فاضطررت إلى الصعود على قدمي حتى الطابق السابع، دخلت الشقة فارتميت على أول أريكة خافقة القلب... خشيت أن تكون النهاية، ولكن ما زال الوقت مبكراً على الرحيل لا أزال في الخامسة والأربعين... منتصف العمر. كنت أنظر إلى من هم في منتصف العمر وكأنهم ينتمون إلى جيل بعيد عنا، موغل في أعماق الزمن. وصلت إلى هذا السن وأنا أعجب كيف وصلت. تتراءى لي الأجيال راكضة... متلاحقة... تبدو لي الحياة متسارعة الإيقاع، أحس أن عبوري كان سريعاً... ومضة لاحت في سماء بعيدة... نقطة في بحر... ورقة في غابة مترامية الأطراف، وأعرف أن كل شيء ماض ونحن إلى زوال، فلماذا الأسى يعتصر قلبي... ولماذا أسترجع أيامي أنا التي أحرقتها لأصل إلى حاضري... أنا التي رجوت الشمس أن تغرب والأقمار أن تغيب لتنتهي أيام الغربة وأعود إلى بلدي. قلت لبلدي فرح الطفولة والشباب، لهوائها نبض القلب وري الروح... شمسها الدفء والحب ونيلها الخلود والجمال... قلت: - أهلي وحريتي. الآن أقول إذا انكسرت الروح فكل البلاد سواء وإذا انغلقت سماء الأحلام أصبحت الحياة سفحاً دون قمة نرتع فيها ونعرف أن هذا هو المدى ولا أمل في ارتقاء. يقولون لي: - ماذا تريدين؟ حصلت على ما يلهث وراءه الآخرون حققت أمانك المادي فأفلت من الهموم. وأقول: - أريد الكثير وما حصلت إلا على القليل. يقولون لي: - القناعة. و أقول: - الطموح. أهو التلاعب بالألفاظ؟ لا. هو التناقض جوهر حياتي، تمنيت أغرف من نهر الحياة ولكنها أعطتني من قطارة شحيحة... كنت أريد حياة حلوة متناغمة ولكن هي الفجوات والقفزات... هي مسافات الركض واللهاث وهي بلادة الانتظار... هي السعادة التي ظننت أنني قبضت عليها وامتلكتها وهي التعاسة التي امتلكتني... هي السر والعلن... عشت في السر وما عرفت أن سري مكشوف وأن القصص الملفقة التي أرويها كانت قصص تندر في مجالس الآخرين. لماذا اخترت حياة الظل؟ لماذا قنعت بما أوحى إلي أنه يغدقه علي؟ ألأنني كنت أحس بأنني لست صاحبة الحق أم لأنني كنت مخدوعة؟. الخديعة... كلمة نحاول أن نستر بها هزيمتنا، أن نعلقها بأعناق الآخرين لننجو من محاسبة النفس، لنقول نحن لم نخطئ الظروف هي التي اضطرتنا.. ننسى هذه الرغبات التي تحرقنا وتدفعنا إلى ما نريد. أريد أن أزيح أثقالي أتخفف منها، أحيلها كلمات فربما استطعت أن أسقطها وأحللها وأتحلل منها. الكتابة ليست مهنتي ولكنهم قالوا لي: حديثك طلق لماذا لا تكتبين فكتبت، ولكن ما أكتبه يأتي بعيداً عما أحسه.... الكتابة سباحة في بحر عميق وأنا تعلمت العوم متأخرة فلأحاول. صفحة الطفولة: لماذا ورثت قامة أبي القصيرة الممتلئة ووجهه الأسمر ذا الملامح الخشنة ولم آخذ من أمي قوامها الرشيق وبياضها الشمعي وأنفها الدقيق؟. طرحت على أمي هذا السؤال فوجمت لحظة ثم قالت ضاحكة: - عندما تكبرين تصبحين مثلي. على هذا الأمل رحت أرقب أيام الصبا. كنت المدللة فقد أتيت بعد خمس سنوات من الزواج، وكاد أبي أن يتزوج لولا أن استجاب اللَّه لنذور أمي، ودعا والدي اللَّه أن يرزقه ذكراً ولكنني جئت أنثى، إلا أنه تقبلني واعتبرني الصبي الذي كان ينتظر، رافقته إلى السوق والمقهى وإلى زيارات الأقارب، يحادثني، يناقشني، يجيب على أسئلتي الكثيرة ويرنو إلي بإعجاب. كان أبي فخوراً بي لم يضق بأن ينادى "أبا فاطمة" ولكن نظرة غامضة كانت تنبعث من عينيه عندما يرى رفاقه وحولهم أولادهم الذكور وقد أصبحوا على أعتاب الشباب. أحسست أن أبي يتوق إلى صبي وأن مكانة الرجل تعلو كلما كثرت ذريته منهم. بعد سبع سنوات من مولدي جاء أخي محمود. مجيئه كان أول ندبة في صفحة نفسي النقية المنطلقة التي كانت تظن أن الدنيا إنما خلقت لأجلها، ولعينيها تشرق الشمس ويأتي القمر. عرفت معنى الهجر ومعنى الغيرة والكراهية... تجاهلني والدي وكأني لم أكن الحبيبة الأثيرة، أما أمي فقد نذرت نهاراتها ولياليها لإجابة طلبات هذا القادم الجديد. ولأعترف بأنني تمنيت موته، وكنت أتحين الفرص لأؤذيه، أحسوا بي فأبعدوني عنه. فعرفت أن الدنيا صراع وأن الغلبة للأقوى، وما كنت الأقوى ولكنني كنت مصممة على الفوز وصممت ألا أغلب في ميدان حتى لو لجأت إلى القنص. حاولت أن ألفت الانتباه إلي، فقالوا عني خفيفة الظل، وقالوا ذكية، ورأيت التماعة اعتزاز في عيني أبي يوم عرف أني متفوقة في المدرسة، استعدت جزءاً من مكانتي السليبة ولكنني أردت أن أنفرد بساحة الإعجاب. هل خفت حدة عدوانيتي بعد أن جاءت أمل؟. كنت في العاشرة عندما جاءت، رأيتها لعبة جميلة أو لعل حبي لها نبع من أنها استطاعت أن تنزع استئثار محمود بأمي. من أوراق الصبا: أقف أمام المرأة أتأمل الوجه.. العينين... الأنف.. القامة... بلغت الرابعة عشرة ولم يتحقق وعد أمي بأن يصبح لي وجهها وقوامها، بقيت صورة أمي هي المثال الذي طمحت للوصول إليه وما وصلت، أتمنى لقامتي أن تمتد، أتمنى لشعري المجعد أن يسترسل... أتمنى لعيني الضيقتين أن تتسعا. أحس بدبيب شيء غريب حار يشتعل في جسدي، يشعل أيامي لهفة انتظاراً لشيء مثير رائع يحملني إلى عالم غامض لا أعرفه ولكنني بكل حواسي أتلمس معالمه أحاول أن أحدد ملامحه... يأخذ شكل ضباب، يتألق بألوان بعيدة ساحرة، يرتسم في وجداني خيالاً... أركض إليه ولا أدركه. أنتظره على النافذة في الشرفة، في اليقظة وفي النوم أترقبه. تتفتح أمام عيني عينان أحدق إلى سوادهما، تخترقان قلبي تؤرقان ليالي... أعرف معنى الشوق والسهر أحس بأنني أدنو من هذا العالم الغريب البعيد. أرقبه من الشرفة، أوقت دراستي مع دراسته، سهري مع سهره، عرفت أن الحب طرق بابي وأنني استجبت للنداء. يا اللَّه هل أستطيع أن أستعيد عذوبة النبض الأول... رعشة القلب، ارتجاف الجسد.. إطراق العين... وتعثر الخطوة... يا براءة الصبا والقلب الغض والحياة التي استحالت عينين وشرفة وأغنية. الآن أنظر بعين الشفقة إلى المراهقة التي كنتها... الآن أعرف أن هذا الاندفاع والخيال والشوق إلى السماوات البعيدة كان فورة جسد يتفتح فيحيل الرغبات أحلاماً مجنحة. الآن أعجب لهذه الفرس الجموح الرامحة في سهوب الحياة مطلقة صهيلها اللاهف كيف استحالت فرساً عتيقة هجرت الجري والآفاق واستكانت في بيتها تحلم بالحياة التي لأجلها ضحت بالحياة. بعين اليوم أنظر إلى أمسي، يوم انصرف عني حبيبي، أرى عيني المحمرتين وبكائي المجنون، أسترجع تصميمي على الانتحار ورغبتي في قتل هذه الغريمة. الآن أرى تصرفاتي نوعاً من الرعونة السخيفة، أما وقتها وقت الجموح فقد كانت طعنة بقيت تنزف في قلبي شهوراً. كانت هذه هي الطعنة الثانية في حياتي، ورغم أساي استطعت أن أحول هزيمتي إلى انتصار فتفوقت في الشهادة الثانوية. وعرفت أن الحياة قنص وفرص تصبح ضائعة إن لم نحسن استغلالها، فصممت أن أستغل فرصي. حياة الجامعة أنستني قصتي المخفقة، أحببت الجامعة بانطلاقها وشللها ومرحها، لعل أمتع أيامي تلك التي قضيتها في الجامعة. لم تكن قصة حب تلك التي عشتها في الجامعة، ولكن مشروع أمل كنت أعلقه على زميلي، باعدنا التخرج، ذهب إلى بلده وبقيت في القاهرة. أقول لعله يأتي ولكنه لم يأت فلم أحزن كثيراً. بدأت رحلة البحث عن عمل، سجلت في مكتب التنسيق وأنا أستعجل التعيين ولكنني عرفت أن آلاف المتخرجين سوف ينتظرون شهوراً قبل أن نحصل على العمل. وأخيراً جاء تعييني، فرحت بأول مرتب آخذه، أحسست بنفس قوية حرة، شعرت بأنني أقف على أرض صلبة، ولكن في نفسي مازال هذا التوق إلى البعيد الغامض... سنتان في العمل لم تستطيعا أن تمتصا قدرتي على الحلم... في داخلي شيء يدفعني إلى حياة غامضة بعيدة. الرحلة الأولى: لاح لي التعاقد مع السعودية نجماً ساطعاً سريت إلى ضوئه، بدت لي أرض النفط والذهب فتحرك في أعماقي الشوق للبعيد المجهول. أصبحت أيامي حلماً بالعقد والسفر... أخذت أبي معي وسافرت إلى الأرض الموعودة تسبقني خيالات امتزجت فيها رغبات الدنيا الجموح بالرهبة والخشوع. صحراء وشمس حارقة وغبار وعباءة سوداء لفت بالسواد أيامي، كنت أحس بالاختناق وأرى آثاره في وجه أبي، أنظر إليه بإشفاق لا ملاذ له إلا المسجد، المتنفس الوحيد لروحه المتوحدة أما أنا فلا ملاذ لي لا شيء إلا الغربة والوحشة والضيق والخوف. حياتي لم تكن حياة، كانت انتظاراً لآخر الشهر وللصيف أقضيه في القاهرة. عرفت الشوق والحنين وعرفت ما الذي يعنيه الوطن... وعرفت قسوة أن يضيع الوطن أبناءه. ثلاث سنوات ما أطولها... لو كنا سنلغي أيام الشقاء من أعمارنا لما تجاوزنا الطفولة أبداً. ثلاث سنوات امتد عذابي، أحسست بأن البقاء يعني الموت وكنت أحب الحياة. أرى هذه السنوات بعيدة غاربة، كأنني لم أعشها... كأنني لم أقطع أيامها عذاباً... عدت إلى القاهرة ولكن لأسافر منها ولأودعها وداعاً طويلاً. الرحلة الثانية: بلد جديد... وعد... وأن الواقفة على حدود الظمأ، ثلاث السنوات التي قضيتها في السعودية ألقتني على طريق الحلم، ولكن ما حققته، فهل تستطيع الكويت أن تحقق لي حلمي؟. سماء وصحراء وبحر وانطلاق، قلت هنا تتحقق المعادلة الصعبة، الوفرة والحرية. أقبلت على الحياة بشوق عارم، سيارة تطوف بي البلد... البحر... الأسواق... المنتزهات... صديقات ومرح وحياة تفتح لي ذراعيها أنا الظمأى، أشرب ولكن الظمأ ما زال يحرقني. شابة في السابعة والعشرين، في قلبها يضطرم شوق، وفي جسدها تشتعل رغبة، والبلد على انفتاحها مغلقة. أغرق في عمل مسائي، أحاول به أن أمتص الفراغ والطاقة... أعود إلى البيت متعبة ولكن حاجة القلب لا تلبى... أدور... أدور... أبحث عن شيء ينقصني، عما به اكتمالي... فلا أجد. أعود بغصة الفقد... والسنوات تنسل من عمري... أقف على مشارف الثلاثين أشعر بحزن، هذا هو الحد الفاصل ما بين الشباب وما بعد الشباب والفارس الذي حلمت به ما لاح في سمائي. وتقول أمي: - لا تضيعي حياتك، عودي إلى بلدك. و أقول: - أحلامي كثيرة وما حققتها بعد. يقول أبي: - كفاك غربة. تغرب شمس أبي، تلحقها أمي وأحس بالخوف، أحس أن الجدار الذي كان يفصلني عن الموت قد سقط وأنني مكشوفة للمصائب مهيأة للرحيل... أشعر أنني نبتة وحيدة... أحن إلى أختي وأخي، أتمنى أن أظلهما بجناحي، ولكن ماء البحر لا يروي وأنا مازلت ظامئة إلى حياة رغدة أراها حولي وأحلم بها وأسير إليها، ولكن.. لا أصل. على حافة الخوف والتوق عرفته... اللقاء: وسط العاصفة التقيت به، فكان حبي عاصفاً. ذهول.. وحطت طائرة السادات في القدس. غضب... قطيعة... معارك... وأصبحت مصر متهمة في نظر الجميع. وانصب الغضب على المصريين العاملين في الخليج، عنف الهجوم على المصريين جعلني أتعصب لمصريتي، أحسست أن مصر رغم تضحياتها متهمة في شرفها القومي وأن الزميلات الفلسطينيات مستعدات لتحويل كل حوار إلى مشاجرة. كانت المجادلات عنيفة، كادت إحداها أن تتحول إلى تماسك بالأيدي. كنت منفعلة مهتاجة، فقالت لي سلوى: - لن أدعك تعودين إلى سكن المدرسات، قد تتجدد المشاجرات هناك، تعالي معي إلى بيتي، تبقين عندي حتى المساء ريثما تهدأ أعصابك. كنت بحاجة إلى الصحبة، إلى التنفيس عن الثورة التي تجتاحني، فرحبت بالدعوة. عندما رأيت زوجها لم أصدق، معقول أن يكون زوج زميلتي الأستاذ مختار مقدم برنامج الشباب في إذاعة القاهرة؟. ورحنا نتذكر أمجاد هذا البرنامج، وتدفق يتحدث عن ماضيه وجمهوره والشخصيات التي قابلها. أعادني إلى أيام الصبا، عندما كنت أسمع وأتحمس وأظن أن السماء قريبة من يدي، وأننا الجيل الذي يحمل رسالة مقدسة. ترحمنا على عبد الناصر الذي أسرج لنا الحلم فرساً، تطير بنا إلى دنيا الكرامة، وتأسينا على البؤس الذي وصلنا إليه. عدت إلى السكن يغمرني شعور بالرضا، أحسست أن صحراء الخواء في أعماقي قد تندت بالحنين إلى شيء جميل يربطني ببلدي، بشيء كان يلون أيامي بالأمل. قالت لي سلوى في اليوم التالي: - قال مختار إنك لطيفة خفيفة الظل. كثرت زيارتي لهم، أصبحت فرداً من البيت، طالت أحاديثي معه، تشعبت. كان يملك هذا المنطق القادر على تحليل الأمور وردها إلى أصولها... فتنتني ثقافته وصوته الرجولي القوي وقدرته على الإقناع. كنت أستمع إليه فأحس أن صوته يحتوي الدنيا، يسكب على الكلام ضوءاً ودفئاً، وأغبط نفسي أن محدثي هو صاحب هذا الصوت الذي فتن أسماع جيلنا وأقام له عالماً من الفتوة والحلم. للكلام معه طعم مختلف، له مذاق النضج والعمق وأنا صحراء التوق أغرق معه في حديث لا ينقطع. لم لم ألتق بمن يماثله؟ أين كنت سألتقي وأنا الطائر المهاجر الذي ما استقر في بلده ولا المنفى الذي اخترته منحني حياة أحس فيها بإنسانيتي. عمل في الصباح وعمل في المساء... ركض وراء مال هارب ينسرب من بين أيدينا كالرمل. قلت لسلوى: - أنت محظوظة بمختار. قالت ضاحكة: - هو المحظوظ. أما هو فقد هز رأسه وقال لي بعد أن غادرت: - سلوى طيبة، ولكن الرجل بحاجة إلى ما هو أكثر من الطيبة. لماذا أفرحتني كلماته؟ شيء ما ينقصه ويبحث عنه، أتراه وجده عندي؟. لأجله كنت أشتري الثياب الجديدة لأجله أتزين، لأجله العطور.. أصبحت أيامي انتظاراً لزيارتهم. أنكرت نفسي، إنها صديقتي، فكيف أجرؤ؟. أقنعت نفسي أنه من الطبيعي أن ينمو الود بيني وبين زوجها... ولكن كنت أضحك على نفسي... إنه الانجذاب، إنه الدوران في فلك لا نستطيع منه انفكاكاً. عرفت أنني قد بدأت طريق الشوك. خوف... عذاب... تأنيب ضمير، محاولة ابتعاد ثم كان الانجراف، كنت أهوي... أهوي.. وكان ينتظرني ملهوفاً. كيف كان اللقاء؟... صحراء شوق وكان المطر. مطر ما ترك للصحراء ظمأها ولا رواها... لقاءات مسروقة عن عينيها وعيون الأولاد والأصدقاء... من أين ينبع كل هؤلاء الأصدقاء؟. لا مكان يأوينا، ندور لائبين في السيارة على الشاطئ... في الطرقات. سهام الشك انطلقت من عيونها، إنها تحس وأنا أراوغ... أتحدث معها وكأن لا شيء بيني وبينه، ولكن جداراً لا مرئياً قام بيننا، حتى بيني وبين الأولاد. أيتها الصديقة، ماذا أفعل، لقد خرج الأمر من يدي. من يطفئ النار إذا اشتعلت؟. كان علي أن أبتعد قبل أن تنبعث الشرارة، الآن فات الأوان، ودعت الصداقة، وأشرعت بابي للحب... كثرت اللقاءات... صحاري الشوق تفتت ظمأ وسماؤه داكنة أرهقها الانتظار. إلى أين سأمضي معه؟ لا أستطيع أن أقول له طلقها... إنها صاحبة الحق به وأنا الدخيلة، ولا أستطيع أن أمنع اندفاعي إليه... مددت يدي إلى النار واستعذبت وهجها، ولكنني تذكرت نار ربي... فتراجعت. يجب أن أبتعد... لم يمض على قراري أسبوع... مرضت، انسحبت الألوان من عيني، كل ما حولي غدا رماداً.. فرغ الشاطئ من الأنس، انطفأت الشمس، سكتت الأصوات فقدت الإحساس. أنام وأستيقظ وأذهب إلى المدرسة، وأجلس أمام التلفزيون وأتحدث وأفتح فمي بابتسامة ومن حلقي تنطلق قهقهة ثم أبكي فأنا لا أحس. أيام البعد تمر على قلبي رصاصاً... تتثاقل... تسحقني. في الليل يأتيني وجهه حزيناً: - لماذا تعذبين نفسك؟. - من أجلها. - ونحن؟... ماذا عنا؟. - لا أريد أن أخطئ، يجب أن نفترق. - بل يجب أن نتزوج. أستدعي الفرح؟ أم الحزن؟ أم الخوف؟. من أحبه يطلب الزواج مني وأنا أتمنى أن أندفع ولكنني لا أستطيع، يأتينني وجهها... وجوههم... عتبهم. - نحن بشر لنا الحق في أن نحب، أحل اللَّه لي أربعاً، لو كان حراماً ما أحله. هذا هو الحلال الذي يعرفه!، لو كنت مكانها هل أرضى لزوجي أن يتزوج ثانية؟. واندفع الرفض في قلبي... لو كنت مكانها لفتحت له الباب وقلت: - اخرج... لا أريد رؤيتك ثانية. كيف أحل لنفسي زوجها؟. بذور ندم نبتت في نفسي، راحت تنمو واهية في، تتحامل على نفسها، تحاول أن تستقيم، لكن رياح الهوى تغلبها. أي نبتة واهنة هذه التي تصمد للعاصفة؟. وأعرف أنني ضعيفة، وأعرف أنني مندفعة إليه بكل جموحي وشوقي وظمئي، ولكنني ما زلت أقاوم. أحاول أن أتماسك، أن أذكره بها، بالأولاد، يسكتني: - أنت لا تعرفين ما الذي يعنيه لي الفراق، أنت المرأة التي بحثت عنها، تعبت حتى التقيتك، عندك وجدت ما أبحث عنه، فيك اكتمالي، لا تفوتي علينا فرصة سعادة قد لا نلتقيها. وسنوات عمري الثلاثون تصرخ بي: هذا هو رجلك الذي تحبين، فلم الغباء؟! هو من أحببت، وهو من انتظرته سني حياتك، فكيف تفرطين به؟. "لا تفوتي سعادة قد لا نلتقيها" وأنا أعرف أن الحياة فرص نندم بعد أن تصبح ضائعة. بينهما صحارى ملل وبعد، هما أزواج بحكم العادة، ولكن حبنا شيء باهر، كيف أضحي بالوهج والألق بالمدارات الرائعة من أجل حياتهما الخاملة؟. لن أحرمها منه، سيكون لها الزوج أبو الأولاد وسيكون حبيبي وزوجي. وأصرخ: - أريده لي وحدي. وأعرف أن صرختي لن تستجاب، بل ترتد إلي غصة. كنت أحلم بالثوب الأبيض... بالطرحة... بالأضواء... بالأهل يحيطون بي، ببيت يتألق بجماله وأناقته. زواج في المحكمة لم يحضره أحد. أصبحت زوجته، ولكن زوجة مشردة بلا بيت، تلتقي بزوجها خلسة في الفندق في بيوت الأصدقاء المسافرين، ولكن ليس لها الحق بأن تطالب ببيت، ليس لها الحق في أن تظهر معه علانية. لماذا رضيت؟... لماذا رضيت بهذا الوضع الشاذ؟. كنت أظن أنه الحب، الآن أعرف أنها الرغبة، التوق إلى اقتحام عالم محاط بالسحر حلمنا به منذ الصغر، وتعلمنا أن تكون حياتنا انتظاراً له. الآن أتساءل ما ركضت إليه وما ضحيت لأجله... هل كان يستحق مني هذه التضحية؟. أضحك ساخرة وأقوم إلى سيجارتي أنفث دخانها حلقات أراها تتبدد في سماء غرفتي. وأقول: - تبددت حياتي قلقاً... وانتظاراً... وفراغاً. يلفني الفراغ... يلفني الليل والخوف: البيت: قلت له: - زواجنا ليس زواجاً لقاءاتنا مسروقة، مللت الأكاذيب، أريد أن أخرج معك أسهر معك، أسير في الطريق معك، أنام معك في بيتي أريد أن أقول للناس جميعاً أنا زوجتك، لم يعد باستطاعتي أن أقول لمن يراني معك أنه أخي. قال- أنا لا أستطيع، مرتبي ومرتب زوجتي بالكاد يكفينا، لا تنسي أن لدي ثلاثة أولاد علي أن أؤمن مستقبلهم. سألته: - وأنا ألا مستقبل لي معك؟!. إن كنت تعرف نفسك غير قادر على أن تصرف علي بيت آخر، فلم تزوجت؟. قال: - ظننتك أنضج من ذلك، ظننت أن حبنا شيء استثنائي بعيد عن مواصفات الزواج والبيت والمصروف. ما يقوله أيقوله عن قناعة أم هي محاولة للتملص؟ في ذلك الوقت لم أستطع الجزم، كان الحب ما زال يغشى عيني، فرجحت حسن الظن وقررت أن يكون لي بيت. أخذت قرضاً من البنك واستأجرت شقة، فرحة وحزينة في آن واحد، ونحن ندور على معارض الأثاث كان مرافقاً لي أما عند الدفع فقد كنت أنا التي تدفع. بعد خمس سنوات أصبح لي بيت، حاولت أن أفرح ولكن الفرح لم يستجب لي بل سكنتني الغصة. أعرف أن الزواج مشاركة ولكنه أعفى نفسه من أي التزام وكان علي أن أقوم بالأعباء وحدي. شيء ما قد تغير في مشاعري نحوه... هذا الاندفاع إليه واللهفة للقائه قد خفتا في نفسي، وعرفت أن إلى جانب الحب أشياء أخرى إن لم تتحقق فإن الحب يتآكل ولكنني قطعت على نفسي الاسترسال في تحليل مشاعري. أقنعت نفسي بأنه لا فرق بيني وبينه، وأن القادر هو الذي يعطي وأنا القادرة. وأعرف أنني كاذبة، ولكنني أحاول أن أقنع نفسي بأنني سعيدة وأن على الإنسان ألا يطالب بالكثير، وأحس به يتناءى، أحس به مشغولاً عني وهو معي، مرض الأولاد ومصاريفهم ودراستهم، أحاديثه كلها كانت تدور حولهم، أصبحت مستشارة لشؤونهم، وكان هذا يجرحني. متى يصبح عندي ولد، خمس سنوات مضت على زواجي ولم يأت الطفل، وأنا أدعو اللَّه أن يمنحني طفلاً أحمله وأداعبه وينشغل به عنها وعن أولادها. أنتظر وما أمر الانتظار... وأسمع زميلاتي يتحدثن عن تعب الأولاد والسهر فأقول يا شمس التعب متى تشرقين في حياتي ليذهب عني ليل الفراغ والوحدة، ولكن الطفل لا يأتي ويبقى هو يهذي بأولاده وأحار هل أحبهم أم أكرههم أم أغار منهم؟. أحياناً أتمنى أن يمضوا جميعاً ليبقى لي وحدي، ثم أعاتب نفسي على هذه القسوة وأسحب دعواتي. المواجهة: طرق الباب ونحن لا نزال في السرير، وضعت علي روب الحرير الأسود. البارحة قال لي: - في اللون الأسود تتألقين. تأملت نفسي في مرآة الصالون وأنا أعبره، فأحسست بالرضا. فتحت الباب كانت سلوى أمامي، وقفنا متقابلتين، في عينيها الغضب والاحتقار، وفي عيني الخجل، قالت: - أنت عاهرة. صعقتني الكلمة... تراجعت... دخلت إليه، وسمعت صوته المدهوش، جملة واحدة تلك التي نطقتها. - ألم تخجل من نفسك. وسمعته يقول: - انتظري. ولكنها لم تنتظر، قبل أن تصفق الباب قالت: - لن تكون الأخيرة في حياته، كما سرقته مني ستسرقه أخرى. بقيت واقفة في الصالون مشلولة لا أعرف ماذا أفعل، جلست على الكنبة، انتظرت أن يأتي إليّ ليواسيني ولكنه لم يأت. رأيته قد لبس ثيابه يريد الخروج وراءها، عندما التقت نظراتنا سألني بضيق: - من الذي أخبرها؟. أغلق الباب وراءه وبقيت وحدي، ثلاثة أيام لم أره، كلما اتصلت به في عمله قالوا استأذن وخرج. اذهب إلى المدرسة أعود إلى البيت، أدخن، أنام، آكل، أستيقظ، تغرب الشمس يهبط الليل....ينبلج الصبح، أعاود الكرة، أحس أنني أنهار. كان النهار لي والليل لها، فهل استكثر علي لقاءات النهار؟. واتصل به في البيت وأسمع صوتها فأضع السماعة وأحاول ثانية.. وأخيراً يأتيني صوته: - إنها ثائرة والجو متوتر، سأنقطع عنك فترة. أركب سيارتي.. أنطلق في الشوارع... أدخن... أبكي... أدور وأدور، أصل إلى بيته، أوقف السيارة، اصعد الدرج، أريد أن أقول له: - أنا زوجتك بشرع اللَّه، فلماذا تخاف؟. ستفتح لي وأواجهها، سأقول لها: - لقد أحببته وتزوجته. تنظر إلي باحتقار وتقول: - لا تحدثيني عن الحب يا سارقة الأزواج. كنت أعرف أن هذا اليوم آت فلماذا الحزن؟ كنت أعرف أنني أنا الطرف الضعيف الذي يجب أن يتوارى، أن يمارس حقه في الحياة والحب خلسة. الآن انكشف السر فمم أخاف؟. سيعرف الناس جميعاً أنني زوجته أكاد أرى الوجوه والغمزات والكلمات المغرضة. أعرف كل شيء، أعرف موضع كل طعنة في ظهري وأحس بلسعة كل نظرة. وأحس بأنني أختنق فأستنجد به، يأتيني وأشعر أنني أنا التي جئت به، ولم يأت من نفسه. كأن شرخاً قد أصاب زواجنا، لكأنه كان يستعذب لعبة الخفاء والمغامرة ولما انكشفت فقدت سحرها، أم لعله قد... وأخاف أن أنطق الكلمة.. أيمكن أن تكون قصتنا قد انتهت إلى الملل؟. أسأله... لا يعرف بم يجيب. أعاود السؤال فيقول: - هي طبيعة الأشياء لا يمكن أن تمضي سنوات زواجنا بنفس اللهفة الأولى. هل استهلكنا علاقتنا؟ ظننته قمر حياتي، ولكنه ما عاد يرسل ضوءاً، حجبته الغيوم، قلت للغيوم مواسم ولكن يبدو أن غيوم سمائي دائمة. يتباعد، ينأى، وابتعد أحس أن جداراً قام بيننا. يأتيني زائراً له حقوق الضيف، ولكن ليس له التزامات صاحب البيت، ألتمس له العذر حيناً وأثور عليه حيناً، يسترضيني بضمة وقبلة وأنا الغبية أنسى غضبي وأمسح دمعي، وأريح رأسي على صدره وأبات بين ذراعيه تاركة حزني لعاصفة أخرى. أهذا هو رجلي الحلم والوعد؟ القامة العالية انحنت، الوجه المملوء تهدل، الأحاديث الفاتنة أصبحت اجتراراً لما حدث معه في العمل وفي البيت، وأنا أحس بأنني كيان زائد، إنسان خارج إطار تفكيره. تزوج أخي، تزوجت أختي، جاءهم الأولاد، ولكن هل يستطيع هؤلاء الأطفال مهما أحببتهم أن يصبحوا بديلاً عمن أنتظر؟. ثماني سنوات من الزواج ما أثمرت طفلاً، أصبحت في الثامنة والثلاثين، أريد أن أصبح أماً قبل فوات الأوان. أدور على الأطباء يقولون لي لا مانع من الحمل، والحمل لا يأتي وخوف الفوت يتعاظم، وأنا قد اختلطت لدي المشاعر، لا أعرف إن كنت أحبه أم كنت أكرهه أم أني اعتدته. غاوتني فكرة الانسحاب من حياته، ولكن لا أستطيع، شيء لا أدريه يربطني به، بقايا حب، ظلال أمل، خوف؟... لا أريد أن أصبح مطلقة في مجتمع يكره النساء الوحيدات. أنا بحاجة إلى رجل، ظل رجل، كنت أسخر من العقل الشعبي وأنعته بالغباء، الآن أعرف ما الذي يعنيه "ظل رجل". الاجتياح: كنت في القاهرة عندما هبت العاصفة، ظننت الأمر مناورة تنتهي بأيام ولكن لا، لقد اجتاحت العراق الكويت وتدفق الكويتيون على مصر. وضج العرب وانقلبت الدنيا، أتضرب العراق لتحرير الكويت؟. خرجت مظاهرات تؤيد ومظاهرات تعارض، وانقسم العرب وتشاتموا واقتتلوا واستنجدوا بعدوهم.... فأنجدهم. كان الخوف يغزو قلبي، من أين أعيش وأنا ما عملت حساباً لمستقبلي، رصيدي في البنك لا يعدو آلاف الجنيهات أصرفها ثم ماذا؟ قلق كان يؤرقني، أما هو فقد كان غارقاً في هموم مصروف الأولاد ومدارسهم. قليلاً ما كنت ألقاه، بدأت أحس أنني غلطة في حياته وأن حياته تسير بي وبدوني، كتمت هذه المشاعر حتى عن نفسي ورحت دون شعور مني أبحث لنفسي عن حياة بديلة فيما لو افترقنا. بدأت أمد جذوري في بلدي، الأهل والمقاهي على النيل، الشوارع في الليل، أحسست أنني نبتة عادت إلى موطنها فارتوت بمائة وتنشقت هواءه فعادت إليها الروح. وجدت عملاً فزايلني الخوف، لم يعد هم العيش يؤرقني ما زلت قادرة على العطاء. سبعة أشهر مرت وأنظار العالم معلقة على العراق، أيقبل بالانسحاب أم يرفض، ثم كانت الضربة القاصمة. بدأت الكويت تستدعي العاملين فيها، في الجريدة قرأت اسمي واسم مختار، اسمها لم يكن موجوداً. فرحة صغيرة داخلتني ما لم أستطع أن أحققه لنفسي، حققته لي الظروف، لن يتمزق بيننا سيكون لي وحدي، في الكويت على الأقل. حومت الطائرة في سماء الكويت، كانت السماء بساطاً رمادياً داكناً وآبار النفط كان شموساً صغيرة تضيء ظلام الدخان. توقعت أن أرى الكويت خراباً ولكن لا، الكويت كما هي ما عدا بعض البنايات المحترقة. إلا أن شعوراً بالكآبة بالرهبة بالوجوم كان يخيم عليها، إنها البلاد عندما تطلع من الحرب، وانتقلت إلى عدوى الوجوم، انطفأت فرحتي بالعودة، داهمني قلق ماذا حدث لبيتي وسيارتي؟. رغم كل ما سمعته عن الفوضى والسرقة كان لدي يقين بأني سأجد بيتي كما تركته وسيارتي عند الباب تنتظرني. وصلنا إلى شارعنا، هدوء قاتل وسواد يخيمان عليه، لقد رحل الفلسطينيون، فالشوارع خواء. وقفت بنا السيارة أمام عمارتنا، ملهوفة كنت أبحث عن سيارتي، ولكنها لم تكن في مكانها... رحت أبحث بين البنايات في الساحة الخلفية، في الشوارع الفرعية، ولكنها لم تكون موجودة. شعرت بالدم حاراً يصعد إلى رأسي وسقطت الدموع من عيني.... عندما دخلت إلى الشقة انفجرت بالبكاء... لم يكن هناك إلا الأرض والجدران والنوافذ المفتوحة للسخام والغبار. كان واجماً كأنه توقع ما حدث، أما أنا فقد كانت صدمتي كبيرة، حاول أن يواسيني ولكني رفضت أي عزاء. كل قطعة أثاث في بيتي هي قطعة مني، من تعبي وعرقي. لم ينهبوا أثاث بيتي، بل نهبوا حلمي ومستقبلي، قطفوا ثمرة عملي أنا التي كدحت وجهدت ليكون لي بيت. ذهبت السيارة وذهب أثاث البيت، وأصبح لزاماً علي أن أسدد أقساط القرض الذي أخذته. حزن وقهر وغضب اجتاحني، كنت كاللبوة الجريحة أشتم وأسب وأصرخ وأبكي، لو أعرف أي مجرم سرق بيتي لمزقته بأسناني وأظافري. قال: - اصبري. وقلت: - من يأكل العصي ليس كمن يعدها... أنت ما شقيت بالبيت لذلك لا تعرف ما الذي يعنيه لي. قال: - سنتعاون لنؤثث بيتاً بسيطاً. أي بيت ذلك الذي أثثناه، أثاث رخيص مستعمل ذلك الذي اشتريناه، لم يكن ما أثثناه بيتاً ولكن بقايا بيوت ربما كانت مسروقة كبيتي. ترى من ينام على سريري الآن، من يلبس قمصان نومي، من يركب سيارتي... وتنطلق الحسرة من قلبي. عدت إلى عملي، التقيت بزميلاتي، الوجوه لم تتغير ولكن النفوس هي التي تغيرت زال الود القديم، ساد جو توتر واستفزاز. كره الكويتيون كل ما هو عربي وعشقوا كل ما هو أجنبي، قلت لهم ضاحكة: أنا لست عربية، أنا فرعونية، ولكن تهمة العروبة كانت لاصقة بكل ما هو غير خليجي، ذكرتهم بأن مصر وقفت إلى جانبهم فقالوا: لكل شيء ثمن، قلت لهم: الدم لا ثمن له. ثم عرفت أن لكل شيء ثمناً وأن دم الأمريكي أغلى بكثير من دم المصري، وعرفت أن اللَّه خلق الناس شعوباً وقبائل لا ليتعارفوا، ولكن ليتعالى بعضهم على بعض بقوة الدولة أو المال. ثقيلة تلك السنة التي مرت بعد الاحتلال أيامها بطيئة ثقيلة، يحس الإنسان أنه يختنق بالدخان وبالممارسات الخاطئة ويجرح بسهام الكلام. كان الكويتيون يحسون بأن الجميع قد تآمروا ضدهم وأن الجميع كانوا يحسدونهم، لذلك رحبوا بابتلاع العراق لهم، وعبثاً كنت أشرح لهم خطأ الفكرة، لكن أمام التعصب يسقط أي اقتناع، شعرت أن شرخاً قد أصاب علاقاتنا أما الشرخ الذي يكبر يوماً بعد يوم فهو شرخ زواجي من مختار. سنة الغزو علمته معنى التقشف، جعلته يحس بأنه في كل لحظة معرض للخطر لذلك ازداد حرصه، أصبحت أنا رجل البيت وامرأته، وقليلاً ما كان يسهم في المصروف، أما مرتبه فجزء منه لزوجته وأولاده والجزء الأكبر يحوله إلى مصر للادخار. قاسية تلك السنة التي مرت، كان البنك يخصم نصف مرتبي، وكان علي بالنصف الباقي أن أقوم بأعباء البيت، لم يبق معي حتى ثمن ملابس لي، أحسست بالظلم بأنني مستغلة وبأنني أعيل رجلاً كان يجب أن يعيلني، نبتت في ذهني صورة أبي بصوته العالي بارتجاف أمي أمامه، رأيت فيه صورة الرجل وكان مختار يرتجف أمامه ذليلاً. هل هي نكسة في تفكيري؟ إنها النكسة على كل المستويات. إنني أختنق بضائقة مالية أما هو فيبدو أن الأمر لا يهمه، بدأت أشعر بالقرف، بدا صغيراً ثم راح يسقط ويتسفل، وبدأت أكتشف علاقات دنيئة كنت أظنه فوق مستواها. رحت أتأمله وأسأل: أهذا هو الرجل الذي أحببته؟. وراح السؤال يلح علي عندما يستغل الإنسان الآخرين ألا يحس بالخجل من نفسه. قرض البنك كان سيفاً مسلطاً على عنقي، وكان لا بد من البحث عن عمل لأؤمن حياتنا. وجاءت إحدى الزميلات تطلب مني أن أعطي دروساً لابنة قريبتها. من أوراق الصداقة: أمام بيتي توقفت سيارة فخمة لتنقلني إلى منزل طالبتي، عندما توقفت السيارة أمام البيت، لم أجد بيتاً بل قصراً وأسطولاً من السيارات متوقفاً في الكاراج. حديقة متسعة، صالون كبير يعج بالأثاث الفخم والتحف، يسعى في جنباته خدم نظيفون هادئون. جاءت إلي سيدة تماثلني سناً: - أنا حصة والدة دانا، دانا ذكية ولكنها لا تحب الدراسة. وقالت إنها ارتاحت لي وأني خفيفة الظل جذابة الحديث. أصبحت مدرسة دانا وصديقة الأم. في بيت حصة وجدت ما أبحث عنه، الأمان... الرغد... السعادة. ما حسدتها على النعيم الذي تعيش فيه، ولكنني لم أستطع منع نفسي من المقارنة بين بيتها الباذخ وبين بيتي الخرب، بين زوجها وما يغدقه عليها وبين زوجي وما يستنزفه مني. كلتانا قد أخذت الرجل من زوجته، بشبابها، بمرحها، استطاعت أن تنسيه زوجته الأولى وأولاده الذين يكبرونها سناً، أنجبت له أولاداً أعادوا له أيام الشباب والفتوة. نسي قبلها أنه كان زوجاً وأباً، فتنته بحيويتها، بإقبالها على الحياة، فلم يعد يرى سواها، أما أنا فلا هو أعطاني المال ولا أنا أعطيته الأولاد. أعلنت تمردي، قلت له: - البيت لا يقوم على كاهل واحد. قال لي: - لمن تجمعين المال، لا أولاد لك ليرثوك، أما أنا فأولادي في عنقي. لم يكن جوابه صدمة لي فقط بل كان جرحاً لكرامتي وأنوثتي، ثرت عليه، قلت كلاماً كثيراً فنزلت الصفعة على وجهي. قلت له: - اخرج من بيتي، لا أريدك. قال: - أنت التي ستخرجين. قلت ساخرة: - لست غبية، كل ما في البيت مسجل باسمي. متخاذلاً خرج، وما كنت بالنادمة عليه ولا بالشامتة، ولكن كنت حزينة. صوته يأتيني بالهاتف محاولاً إرجاع ما كان، ولم يكن لدي أي مبرر لأستعيد حياة باهتة أحس فيها بالظلم والاستغلال. وقالت لي صديقاتي: ستندمين تساءلت: على أي شيء؟. وصلتني ورقة طلاقي فبكيت وبرقت أمامي وجوه كل المطلقات وانطلقت في أذني كل الشائعات. وحيدة في شقتي، وحيدة في مدينة غريبة، ويلوح لعيني سكن المدرسات فأراه سجناً حقيقياً وأعجب كيف استطعت أن أمضي ست سنوات من عمري خلف جدرانه؟!. امرأة وحيدة وبدت لي الوحدة وحشاً سيفترس أيامي. بمعونة حصة استطعت أن أؤمن لأخي إقامة وعملاً، جاء والآمال تسبقه، مجيئه كوة نور انفتحت في ظلمة وضعه المتردي. في الليل أنام عندها، وفي النهار أعود إلى أخي، تعلق بي أولادها، أحبوني وأحببتهم، دخلت في نسيج العائلة، أصبحت فرداً منها. حاولت أن أعود إلى بيتي وأعيش مع أخي، ولكن لم يعد باستطاعتي العودة... للحياة في القصور طعم مختلف. لطموح الأغنياء وهج التحقق ولأماني الفقراء رماد الانطفاء، دائماً كانت حصة تحلم بالمزيد ودائماً تحقق ما تريد... جمعيات نسائية وجمعيات خيرية... ومشروع مجلة تريد أن تصدرها ومرافقة لزوجها دائم الأسفار والرحلات، وكان علي أن أتحمل جزءاً كبيراً من محاولتها تحقيق هذه الطموحات. علي أن أكون مدرسة للأولاد... وسكرتيرة لها وكاتبة لافتتاحياتها، ومرافقة لها في أسفارها. زرت فرنسا وانجلترا والسويد والدانمارك وإيطاليا... لم يبق مكان إلا رافقتها إليه. عرفت طعم الرغد والغنى ولكنه لم يكن رغدي... لم يكن غناي، لست إلا مرافقة للسيدة. شعرت بالغصة في حلقي، بكيت، هذه الغادية الرائحة المشغولة بشؤون الغير ليست أنا... لم يعد الوقت وقتي، لم يعد الاهتمام اهتمامي، لم يعد الوجه وجهي. شعرت بالإرهاق، شعرت بالظلم... صحيح أنني آخذ ثمن تعبي ولكن ما الذي ينفع الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه؟. تنتابني حالة تمرد وأعود إلى بيتي، أتحدث مع أخي، أحس بالشفقة عليه وهو يكدح ليله ونهاره مقابل هذه الدنانير القليلة. وأسأله عن حاله فيقول: - اشتقت للأولاد. وأقول لا أولاد لي لأشتاق إليهم، أنا المعلقة بين البلدين، ما عدت أعرف أين مستقري، لا دافع يدفعني للعودة إلى بلدي ولا فرح يشدني إلى هذا البلد. كنت مع دانا في السوق، عندما رأيت مختار، حدق كل منا في الآخر ثم مضينا، تساءلت أهذا هو الإنسان الذي عشت معه خمسة عشر عاماً، يا إلهي كيف أصبح غريباً؟. لا ليس هو فقط كل الأشياء فقدت الفتها... ما عدت أنتمي لشيء... أروح وأغدو... وأضحك وألقى النكات ويضج المستمعون بالضحك والبكاء ويبكي قلبي ويقول: - لا تصدقوا وجهي، وجهي كاذب. ويقولون: - لاتحلو الجلسة إلا إذا كانت فاطمة فيها. وأقول: - غدوت يا فاطمة مهرج الجلسة. أغص وتضحك غبيات الزيارات الفارغة والتباهي بالماس والفيلات والسفريات. وأقول: سقطت يا فاطمة. وتقول فاطمة: هي الحياة. وأقول: أردت القمه وها أنا أدب على السفح. وأصرخ... لم أعد أطيق، شبعت تمثيلاً ونكراناً لنفسي، أريد أن أكون ذاتي، أريد أن أستعيد وجهي وصوتي. أقدم استقالتي وآخذ صك عتقي وأطير إلى بلدي لأغرد في سربي لأمد جذوري في تربتي. الورقة الأخيرة: امرأة وحيدة في مدينة كبيرة، يداخلني الخوف أحس بالبرد يسري إلي، أقوم أتفقد النوافذ، أرى نافذة مفتوحة، أغلقها، أستدير، أفاجأ برجل أمامي، أصرخ، يمد يديه إلى عنقي، أنشب أظافري في وجهه، أضربه بقبضتي، يشدد الضغط على عنقي، أختنق.... أتهاوى في مكان سحيق. أفيق... أتساءل لم أنا ملقاة على الأرض، أتحسس عنقي، أستعيد وجهه، أفتح الباب وأصرخ... يأتي الجيران، يستدعون أخي وأختي... لقد سرق التلفزيون والفيديو والمصاغ، وألفي جنيه كنت قد سحبتها من البنك، تأتي الشرطة تأخذ أقوالي. بعد أيام يستدعيني الضابط، يشير إلى رجل. تلتقي عيناي بعينيه، إنه هو بوجهه الجهم، وقبضتيه الغليظتين اللتين أطبقتا على عنقي. أسأله: - لماذا جئت تسرقني. قال: - عرفت أنك غنية، كنت تعملين في الخليج. قال لي الضابط بعد انصرافه: - هو قريب الشغالة التي تعمل عندك. سيدة؟ المسكينة التي تعيل أطفالاً، تعمل دليلاً لعصابة سرقة؟. وكنت أنا الوضع النموذجي، آه يا للمستقبل الحلو الذي ينتظرني، أعود إلى بيتي أعاني من حالة إنهاك عصبي، تأتي إلى أختي. تقول لي: - لن أتركك حتى تذهب عنك آثار الصدمة. وأسألها: - أيهم؟!! فهم كثر. أسترجع سني الراحلة، أسترجع أحداث حياتي وأتساءل: ماذا بعد؟ ما الذي ينتظرني؟. أقوم إلى النافذة أفتحها، تهب علي نسمة عذبة، تغمرني أشعة شمس شتائية تدثرني دفئاً... أخرج إلى الشرفة... أطل على الشارع... النيل بمسيرته الخالدة، والأشجار تحضنه... السيارات تعبر... الناس يسيرون... الصبايا منتشرات على الشرفات... أطفال وأزهار وأغان... إنها الحياة تتدفق من حولي قوة وعذوبة. أتساءل لو أنني في تلك الليلة أسلمت الروح بين يدي ذلك اللص لكنت الآن تحت التراب. سرت إلى رطوبة الأرض، أحسست بلزوجة الدود يزحف على جسدي، انتابتني رعدة، لا أحب الموت، أحب الحياة... أريد أن أعيش أن أحيا. لي السماء والشمس، النيل والقمر، لي الزهور والعصافير، لي الدفء والنسمة، لي الرعدة والبسمة. أغمضت عيني نشوة... أنا أحيا... رحت أتهجى الكلمة متمهلة... الآن أعرف معناها وأتساءل: أي عطية في الدنيا تعادل الحياة؟. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |