غربـة... ونساء - ملك حاج عبيد

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الطيور

الوداع:‏

عيونهم السوداء تحاصرني، تأتلق نظراتهم، في أعماقها يترسب الخوف، وعلى سطحها بعض فرح.‏

أحاطت بي ذراعاً "كومار وياسميناً"، أسيجة ورود وريحان... أحس الدفء، أحس النبض يتحد بنبضي، أشعر بدمائهما تجري في عروقي... أود أن أحملهما في قلبي وأمضي بهما، فأنا لا أطيق الوداع.‏

- ماما... لا تسافري.‏

لن أسافر، أرفع رأسي لأقول لـ "راج" عدلت عن السفر... أرى ابتسامته الوادعة... أرى التماعة الأمل في عينيه، كيف لي أن أطفئ فرحه، كيف لي أن أرفض الوعد الذي طار بنا إلى دنيا الحلم؟.‏

أمد يدي إليه أستنجد به، أتمنى أن يطلب إلي البقاء وعندئذ سأرتمي على صدره.‏

لكنه شد على يدي وقال:‏

- اعتني بنفسك.‏

إذن هو الرحيل، تحركت قدماي للأمام وارتدَّت عيناي وقلبي إليهم... توقفت... لوحت... غرقوا في بحر البشر الذين يلوحون.‏

ترتفع الطائرة بي، أتأمل بلادي، جنة خضراء... أنهار وغابات... زهور وألحان... وأناس أحبهم فلماذا أغادرهم؟ لماذا أترك أطفالي؟.‏

تأتيني عيونهم الجميلة:‏

- ماما. نريد.‏

نقابلهم بالصمت فيواجهونا بنظرات العتاب.‏

أسترجع كلام "مالا":‏

- في فلوس، ولكن التعب كثير.‏

وأنا مستعدة للتعب مقابل بسمة ترتسم على شفاه الصغار.‏

أسألها:‏

- تنصحينني بالسفر؟.‏

غامت نظرتها وقالت:‏

- جربي حظك.‏

- هل أنت سعيدة يا "مالا"؟.‏

- علينا أن نرضى بالقليل من السعادة.‏

الجالية:‏

بين المنتظرين أرى "مالا" تلوح لي، تعانقني، يصافحني زوجها، أقبل ابنها.‏

زوجها يقود السيارة في طريق صحراوي، ثم تلوح الشوارع والأضواء... الوعد أصبح حقيقة، ها أنا ألج بوابة عالم جديد... تداخلني رهبة تنتزعني "مالا" من شرودي:‏

- أقمنا لك حفلاً صغيراً نحن معتادون أن نجتمع كل خميس عند إحدى العائلات... ستسرين بمعرفتهم وتشعرين بأنك لم تغادري الهند.‏

بيت صغير جميل، بيت اثنين يعملان معاً ليعودا إلى مكان يعوض لهما التعب.‏

وجاء الأصدقاء بوجوههم الأليفة، سمعت أحاديثهم، ضحكت لمزاحهم ونكاتهم.‏

امتدت مائدة شهية فقلت: هي الوفرة.‏

رغم كل المرح الذي حرصوا أن يوفروه في السهرة، رأيت في عيونهم أسى، تساءلت: أهو الأسى الملازم لبلادنا أم هو ألم المعاناة؟.‏

ودعوني متمنين لي عملاً جيداً وإقامة طيبة.‏

عندما أطفئ النور، جاءني "كومار" و "ياسمينا"، سمعت صوتهما، مددت يدي لأحتضنهما ففاجأني الفراغ.‏

صاحب العمل:‏

استقبلني صاحب مكتب العمل بنظرة إعجاب، تأملته... شاب وسيم لا يكف عن الابتسام، فلماذا يقولون عن أهل البلد إنهم متعجرفون؟.‏

قال لي:‏

- التسمية في مذكرة الجلب خادمة، لا تهتمي، فهذه هي الطريقة لإدخال العمالة الأجنبية، عليك أن تأتي إلى المكتب كل يوم ريثما نحصل على الوظيفة.‏

أغضيت... فقد كانت كلمة خادمة تستفز كرامتي.‏

قلت:‏

- أنا أحمل ليسانس في الأدب الانجليزي.‏

قال:‏

- بيوت البلد مملوءة بالخادمات الجامعيات.‏

نظرت إليه، كان هادئاً، ولكنني أحسست بأنه يتقصد طعني.‏

زوار يروحون ويأتون أفواج الخادمات تصل إلى المكتب يعرضن أمام الطالبين... هنديات... فلبينيات... سيلانيات... فتيات في عمر الزهور... نساء تركن أولادهن... نساء في أواسط العمر يصغرن أعمارهن ليحظين بفرصة المجيء إلى بلاد الذهب.‏

أرى نظرات الانكسار... أرى نظرات الأمل، أسمع الشكاوى، أسمع التوبيخ... أقرأ قصص الأسى في العيون... فيثور في قلبي غضب... هؤلاء بشر ليسوا أغناماً، هؤلاء النساء يجب أن يكن في بلدهن ينعمن بالأمن.... بالحب... بدفء الأهل.‏

ما الذي ينتزع الأشجار من أرضها ويلقيها في أرض غريبة؟!.‏

نظرات صاحب المكتب تقول لي:‏

- هؤلاء هن مواطناتك، فانظري أية خدمة أؤديها لك عندما أؤمن لك وظيفة.‏

ونظراته الأخرى تحدثني حديثاً أتجاهله.‏

متألمة... غاضبة... قلقة... خجلة.‏

تقول لي "مالا":‏

- لا تخجلي مني، كلنا استدنا عندما جئنا، عندما تعملين تسددين ديونك.‏

وأنا أشعر بالحرج من زوجها وابنها... وأسأل صاحب العمل متى أستلم عملي؟ يضحك ويقول:‏

- لماذا تتعجلين التعب، أمامك وقت للراحة والأنس.‏

نظرت إليه متسائلة، جاءتني نظرة لا أخطئها.‏

قلت:‏

- أرجوك، لست من تظن.‏

قال:‏

- أنت جميلة فلا تكوني غبية.‏

قلت وأنا أتراجع:‏

- أنا متزوجة وأحب زوجي.‏

أطبق علي بذراعيه... كنت أدفعه وأصرخ، سد فمي بكفه:‏

- لاتصرخي، فلن ينجدك أحد.‏

أبعدته بقبضتي وأظافري.‏

قال:‏

- أحب القطط المتوحشة.‏

قفزت الدرج قفزاً، أخذت سيارة من الطريق.‏

عندما عادت "مالا" من عملها فزعت لرؤيتي:‏

- ما الذي جرى؟.‏

- إنه يساومني.‏

قالت:‏

- إنه يجرب، وعندما يرى رفضك يتراجع.‏

هل يتراجع؟ حملت معي همي المؤرق وذهبت إلى سهرة الخميس.‏

أحاديث ومناقشات ومرح وطعام وكنت شاردة.‏

- ما الذي يقلقك؟.‏

قالت إحداهن:‏

- شوقها إلى أطفالها.‏

شوقي إلى أطفالي... ديوني... جرح كرامتي.. إحساسي بالثقل على "مالا" جعلني أنفجر باكية.‏

التفوا حولي، قصصت عليهم القصة وقلت:‏

-أريد أن أعود.‏

قالوا:‏

- اصبري لا يستطيع أن يرغمك على ما لاتحبين، جميعنا صادفتنا المتاعب وتغلبنا عليها في الغربة كلنا أخوة، وثقي أننا سنقدم لك كل عون.‏

نسمة عذبة ندت روحي، فشعرت بشيء من الأمان.‏

العمل:‏

جاءني صوته على الهاتف.‏

- أعتذر عما بدر مني، أمامك يفقد الإنسان مقاومته، تعالي غداً في الساعة الثامنة لتستلمي العمل.‏

غيمة فرح أمطرت في قلبي، قلت لـ "مالا":‏

- مؤكد أن ضميره قد استيقظ.‏

تعامل معي بطريقة مهذبة، أوصلني إلى العمل بسيارته وقال:‏

- تعبت كثيراً ودفعت حتى أمنت لك هذا العمل.‏

قلت له:‏

- سأسدد لك كل ما دفعته.‏

هل ابتسمت لي الدنيا؟ كدت أصدق.‏

رغم إرهاق الدوامين شعرت بالفرح إنه تعب العمل... في آخر الشهر آخذ مرتبي... أسدد لـ "مالا" دينها... أبحث عن بيت صغير أو حتى غرفة.‏

وطارت بي الأحلام إلى الهند، إلى زوجي وأطفالي.‏

الوقائع:‏

دوام مرهق، عمل... حسابات... كومبيوتر أحاول أن أتعلمه، أبكي إرهاقاً.‏

يجيء إلى الشركة... يتفقد أحوالي... يتحدث معي.‏

قال لي:‏

- أشعر بالأسى عندما أراك حزينة.‏

رفعت إليه عيني، قال:‏

- أحس بك، إنك تفتقدين أولادك وزوجك.‏

سكت ثم قال:‏

- سأؤمن عملاً لزوجك تأتين بالأولاد وتعيشون أسرة.‏

لقد ظلمت هذا الإنسان إنه يحس بآلام الآخرين، الدنيا لا تزال بخير، وكل إنسان معرض للخطأ، والطيب من يتراجع، وها هو يتراجع، يمد إلي يدا رحيمة.‏

ابتسمت بامتنان، قال:‏

- تصبحين فاتنة عندما تبتسمين.‏

احتارت الابتسامة على شفتي، تراجعت...‏

نظرت إليه معاتبة، قال:‏

- أريد أن أسعدك.‏

قلت له:‏

- أنت إنسان طيب.‏

قال لي:‏

- وأنت يجب أن تكوني طيبة معي.‏

رفعت عيني إليه، قال:‏

- سأستأجر لك شقة تعيشين معي فيها شهراً ثم يأتي زوجك وأولادك.‏

بدا لي أنني لم أفهم، نظرت إليه متسائلة، قال:‏

- الدنيا أخذ وعطاء.‏

شيء انهار في أعماقي... أحسست بوهن في مفاصلي... كدت على وشك السقوط... كانت شفتاه تتحركان تقولان كلاماً ربما عن الجمال أو عن تبادل المنافع... أو عن رغبته في تقديم العون.‏

تمنيت أن أقذفه بكل ما أمامي من أشياء، أن أقول له:‏

- أنت قبيح وبذيء.‏

كدت أصرخ:‏

- انظروا إلى هذا المسخ يطلب إلي أن أتعهر.‏

أية فائدة لأي كلام؟... الجميع منكبون على عملهم... وعيناه عينا صقر تترقبان طيراً أعدت له المصيدة.‏

قلت بهدوء وقلبي ينفجر:‏

- كرامتي ليست سلعة تساومني عليها.‏

قال وهو ينهض:‏

- فكري بالأمر تجدي أني أقدم عرضاً كريماً.‏

مساء الخميس اجتمعوا عند "مالا" قصصت عليهم القصة بان الغضب في وجوههم:‏

- يجب أن يوقف عند حده، يجب أن يعرف أن العمل لا يعني العهر، اتركيه وسنبحث لك عن عمل آخر.‏

الواقعة:‏

أتفانى في العمل أتمنى أن أنتزع إعجاب المدير، ولكن لا شيء إلا استياؤه، مر شهران ولم أقبض مرتبي، مازالت ضيفة على "مالا" ذات يوم كان صوت صاحب الشركة يهدر:‏

- أين اختفت معاملة الصرف؟.‏

كانت عيناه تتجهان إلي وكان قلبي يهوي.‏

قد يتهمني بإضاعة المعاملة، وتسارع نبضي، يمكن أن يفعل أي شيء، يطردني من عملي، يرحلني، وتواردت على ذهني قصص الافتراءات والعقوبات.‏

يا إلهي لو معجزة تظهر براءتي، ولكن كيف تظهر البراءة المخبأة في درج الصياد.‏

تهديد... صراخ... وكان هو المنقذ الذي جاء يفتديني راح يطيب خاطر صديقه... وما كانت التمثيلية السخيفة تنطلي علي، ولكن ماذا أفعل وعنقي في يد جلادي؟.‏

عثروا على المعاملة أو لعله أوعز له بأن يجدها، لعله خاف على الطريدة أن تموت قبل أن يحقق ما يريد.‏

نظر إلي وابتسامته الخبيثة ترتسم على شفتيه، كانت عيناه تقولان لي:‏

- أنا من يسعدك وأنا من يشقيك.‏

جاءتني الكوابيس... كانت المعاملات تضيع وكان صاحب الشركة يهددني، ثم جاء البوليس، كانوا يسوقونني إلى السجن، هربت منهم، ركضت في صحراء مقفرة، كنت أجاهد لأنتزع قدمي ولكنهما لا تطاوعاني... صرخت... أفقت... حمدت اللَّه أنه منام.‏

بعد أيام قال لي صاحب الشركة:‏

- تقلصت أعمال الشركة، يجب أن أستغني عن بعض الموظفين.‏

ما كان لي أن أعترض، هو صاحب البلد وأنا ضيفة وليس للضيف إلا ما يقدمه المضيف.‏

المبلغ الذي أخذته من الشركة سددت به جزءاً من دين "مالا" ولكن ماذا عن ديون صاحب المكتب وماذا عن الديون في الهند؟.‏

ذهبت إليه أطلب عونه، قال:‏

- الأعمال في البلد أصبحت قليلة، العمل الوحيد المتوفر هو خادمة.‏

أحسست بمدية تغوص حتى أعماق قلبي... نظرت إليه رأيته صغيراً... وكرهت الحياة التي جعلت الصغار يتعملقون ويمسكون أمور الخلق بأيديهم.‏

خادمة أيها الحقير... لسافل مثلك يساومني على شرفي في كل يوم؟.‏

حزينة ويقولون لي:‏

- حاولي معه أقنعيه بأن يمنحك إقامة وسندبر لك عملاً تسددين به ديونك.‏

قال لي ساخراً:‏

- أنا من زرع فكيف أترك لغيري أن يحصد ثمرة تعبي؟.‏

يوم الخميس انفجرت في وجوههم:‏

- أحس بأنني فقدت إنسانيتي، لست إلا سلعة تباع، نحن جميعاً سلع في سوق استهلاكهم كثر عرضنا فانخفض ثمننا، لا ألومهم، العمالة تتدفق عليهم من كل أنحاء الأرض، قادرون على أن يشتروا كل شيء، عملنا، كرامتنا، شرفنا.‏

قال أحدهم:‏

- ليس ذنبهم بل ذنب حكوماتنا التي ألجأتنا إليه، لو وفر لنا وطننا العمل والكرامة ما الذي جاء بنا إليهم نتحمل القهر والإهانة؟.‏

قلت:‏

- إذن سأذهب إلى السفارة أقول لهم انظروا ماذا فعلتم بمواطنيكم.‏

صمت الأصدقاء، كنت أرى نظراتهم الحزينة، وراء كل نظرة ألمح قصة يخفونها.‏

قال أحدهم:‏

- ما الذي تفعله السفارة لك؟ وما الذي تفعله للآلاف الذين يعملون هنا، قد يقدمون لك بطاقة سفر ثم ماذا؟ تعودين وأنت غارقة في الديون.‏

- إذن؟‏

قالت إحداهن:‏

- نحن بحاجة إليهم.‏

نظرت إليهم:‏

- تنصحونني بالقبول؟.‏

خيم صمت قاتل... رحت أنقل نظراتي بينهم، خفضوا عيونهم، قرأت الإجابة في إغضائهم.‏

قال لي:‏

- أنا أسهل لك الأمور وأنت تعقدينها شهر واحد سرعان ما يمر، يأتي زوجك وأولادك، توفون ديونكم، تبنون مستقبلكم.‏

ما أكرمك... ما أجمل الحياة وما أنبلها.‏

يأتي زوجي أتحسس قرنيه وأقول له: اشتقت إليك. أضم أطفالي إلى دنسي وأقول: أحبكم.‏

- يجب أن تقرري...‏

نعم يجب أن أقرر، فماذا أقرر؟.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244