غربـة... ونساء - ملك حاج عبيد

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قصة حب

قص الشريط الحريري وتدفق الحضور، سطعت أضواء الكاميرات وافتتح المعرض.‏

العيون كلها مركزة علي وأنا أقف إلى جواره. فأحس بالدم حاراً يتدفق في عروقي وينفجر من مساماتي، ينبت لي أجنحة تطلقني فراشة تحوم محملة بفرحها وآمالها.‏

كل شيء يبدو لي متألقاً رائعاً... سعيد بقامته المديدة ووجهه المبتسم الحي، اللوحات الجميلة المنسقة على الجدران بألوانها المتماوجة الشفافة، الحضور المتدفق الذي يبدي الدهشة بالمعرض.‏

نظرات الإعجاب تنتقل من اللوحات إلي، تقترب منا صحفية، تسأله:‏

-زوجتك؟.‏

يبتسم ولايجيب.‏

أقول وأنا أنظر إليه:‏

-ليس بعد..‏

أتمنى أن ألتصق به وأقول للناس جميعاً:‏

-سنصبح زوجين.‏

الزوار يدخلون ويخرجون وأنا سعيدة، خائفة، أحس بنظراتها تثقبني وتنفذ إلى قلبي وتعرف مافيه.‏

من الأقوى؟ هي المعسكرة في الزاوية وحولها أولادها؟ أم أنا الواقفة إلى جانبه؟.‏

ليس من عادتها أن تحضر معارضه، فلماذا كسرت القاعدة وجاءت؟ ألتثبت لنفسها أم لي بأنها هي الأصل وما أنا إلا عابرة في حياته؟.‏

تمر إلى جانبي الصغيرة، تصطدم بي، ترفع إلي وجهها وتبتسم، أتراها ماتزال تحبني أم أن كلام أمها قد عكر عاطفتها البريئة؟.‏

انظر إلى ساعتي، إنها الحادية عشرة:‏

-يجب أن أعود إلى البيت.‏

-سأوصلك.‏

نخرج من الصالة دون أو أودعها:‏

-مؤكد أنها تضايقت لأنك توصلني.‏

-لاتفكري بها.‏

-كنت اليوم رائعاً ياسعيد، أنا فخورة بك.‏

التفت إلي غمرني بنظرة حلوة وقال:‏

-هذا المعرض لك.‏

تتوقف السيارة أمام البيت:‏

-سآتي غداً.‏

ألوح له، أدخل غرفتي، أتأمل نفسي في المرآة، أحس بالفرح يجتاح كياني، إنه يوم مميز في حياتي.‏

أسترجع أحداث هذا اليوم.‏

كان خائفاً، متردداً.‏

-لو لم توزع بطاقات الدعوة لكنت قد ألغيت المعرض، أحس بأن اللوحات ليست بالمستوى المطلوب.‏

-لوحاتك رائعة، ولاتظن أنني أتملقك.‏

-أنت أروع لوحاتي.‏

أحدق إلى سقف غرفتي، أهمس لنفسي، لقد نجح المعرض.‏

إنني سعيدة، ولكن هناك بقعة مظلمة تعكر هذه السعادة.‏

ويقول لي: لا يهم.‏

وأنا أقول: لو رفض العالم كله منطقي فأنا مقتنعة بك.‏

تلفحني هبة ساخنة، هل أنا مقتنعة به؟.‏

-لا علاقة للحب بالقناعة، الحب شيء طاغ خارج عن إرادتنا، يجذبنا ولا نستطيع منه انفكاكاً ننساق إليه ولانستطيع المعارضة.‏

هل أنا بحاجة إليه ليقنعني، لاشيء يقدر على إبعادي عنه، لا زوجته ولا أولاده ولا الناس، ولا المشاجرات التي تقوم بيننا، ولا فترات الاختبار التي نعطيها لأنفسنا لنتحقق من عواطفنا.‏

أين كنت تختبئ لي ياسعيد؟.‏

أنت الزورق التائه، كيف قدر لي أن أقف عند شاطئك، أنا التي لا أعرف ماأريد، كيف أرضى بهذه الحياة، ترسمها لي، وأرى نفسي أسير على خطوطها راضية.‏

وجوه تمر بي، كنت أظنها لا تنسى، ولكنها تبهت، تغيب، وتثبت أنت بسمرتك، بشعرك المجعد بعينيك السوداوين، بنظارتك الطبية السميكة.‏

فتى أحلامي كان أشقر، أزرق العينين، جئت أنت لتقلب حياتي، وتغير حتى نظرتي الجمالية.‏

كنت طائراً طليقاً، وكنت سجيناً في قفصك، من منا الذي جذب الآخر إلى عالمه، هل سجنتني أم أطلقتك؟.‏

منذ سنتين لم أكن أعرفك، والآن تغدو كل شيء في حياتي.‏

عندما التقيت بزوجتك في دمشق سلمت علي بحرارة، وتساءلت بعتب:‏

-هل من المعقول أن نكون نحن الاثنتين في الكويت ولانلتقي، لا تنسي أني ابنة عم أبيك في مقام عمتك.‏

أعطتني رقم هاتفها وأعطيتها رقم هاتفي وأنا مصممة على عدم الاتصال، ما الذي أفعله في بيت هذه المرأة الغارقة في بيتها مع زوجها وأولادها.‏

عندما عدت إلى الكويت، وجدت نفسي تحت ضغط إلحاحها مسوقة إلى زيارتها.‏

ما الذي دفعك أيتها القريبة للاقتران بهذا المصري ذي السمرة الداكنة والشعر الأجعد والكلمات المتداخلة، والحركات العصبية.‏

كان الأولاد ينتظروننا في الشرفة، فرحوا بالمدرسة الجديدة قريبة أمهم.‏

أعجبني البيت بأناقته، بديكوراته الجميلة، وفرشه المنتقى من أحدث بيوت المفروشات.‏

وقفت أتأمل اللوحات المعلقة على الجدران، هتفت أمام إحداها رائعة.‏

قالت قريبتي ضاحكة:‏

-من رسم سعيد.‏

استدرت إليه فرحة:‏

-أنت رسام؟‏

قالت زوجته:‏

-رسام كبير، كانت له معارض وأيام ومعجبات.‏

غمزت وقالت ضاحكة:‏

-أمريكيات و...‏

أطرق، ابتسم يداري حرجه:‏

-ولكنني الآن متوقف عن الرسم.‏

-ما السبب؟.‏

رأيت في عينيه نظرة أسى.‏

-أغرقتني الحياة.‏

-لكن الفن شيء في أعماق الروح لاتستطيع مشاغل الحياة أن تقضي عليه.‏

أصغى إلي بانتباه:‏

-وماتقولينه جميل من زمن لم أسمعه.‏

البنتان الكبيرتان أصبحتا صديقتين لي والصبيان أظهرا لي المودة، والصغيرة لم تكن تفارقني عندما أزورهم، والبيت الذي نفرت في البداية من زيارته أصبح أكثر الأمكنة تردداً إليه.‏

فتحت لهم قلبي وفتحوا لي قلوبهم، وعندما حدثت قريبتي عن مشروع ارتباط بعبد الله الشاب التونسي الذي أعرفه شجعتني ولزم زوجها الصمت.‏

عاد سعيد إلى الرسم، كان يرسم ويعرض علي اللوحات، أنتقدها له فيعد لها حسب آرائي.‏

كثرت لوحاته، تألقت ألوانها، نبتت في رأسه فكرة إقامة معرض، عرض علي أن أتولى ترتيبات المعرض وسيعطيني نسبة من الأرباح.‏

قبلت الفكرة فلقد كان لدي الكثير من وقت الفراغ.‏

بدأنا نرتب للمعرض، ندور على قاعات العرض، ننتقي أطر اللوحات، نتناقش في تصميم بطاقات الدعوة.‏

في مساء يوم خريفي وهو يوصلني إلى البيت سألني إن كنت أمانع أن نذهب معاً إلى الميريديان لنأخذ الشاي، قبلت فما زال لدي متسع من الوقت أستطيع أن أقضيه في الخارج.‏

وهو يقود لحظت اضطرابه، عندما وصلنا بقي فترة حتى استطاع أن يتحدث.‏

كأنني سمعته يقول:‏

-لم يعد باستطاعتي أن أخفي الأمر، إنني أحبك يا سوسن.‏

فنجان القهوة، يكاد يلامس شفتي، ولكن ما إن سمعت كلماته حتى أنزلته، حدقت إليه بعينين مدهوشتين وفم مفتوح:‏

-مستحيل!.‏

-هذه هي الحقيقة.‏

-كيف تجرؤ؟ أنت زوج قريبتي، وأب لأولاد أعتبرهم أصدقائي، ثم هناك الفرق..‏

-أعرف أنني في الرابعة والخمسين وأنت في التاسعة والعشرين، أعرف أنني أكبرك بخمسة وعشرين عاماً، وأنك في عمر أولادي، ومع ذلك أحبك.‏

-أعدني إلى البيت.‏

-صدمتك؟.‏

كانت الدموع تملأ عيني، يا إلهي في أي كوكب أعيش؟ وما الذي أسمع؟ زوج قريبتي في مقام والدي يفاتحني بحبه. أي غباء هذا؟ من الغبي فينا، أنا؟ أم هو؟ أم هي؟.‏

أحسست بالإشفاق عليها، وهي قابعة الآن في بيتها، ربما تكون تكوي له قمصانه أو تحضر عشاءه وهو يأخذ قريبتها إلى فندق ليصارحها بحبه.‏

-قد أكون فاجأتك ولكن فكري في الأمر، مذ رأيتك أحببتك، رأيت فيك تجسيداً لكل ماحلمت به، الرقة، الشفافية، الانطلاق.‏

-كفى لاأريد سماع الباقي.‏

طوال الطريق ونحن صامتان، عندما نزلت سألني:‏

-متى أسمع رأيك؟.‏

-ليس لدي ماأقوله.‏

-عندما تفيقين من ذهولك، اسألي نفسك وفكري جيداً وبعدها أجيبيني.‏

هرولت إلى غرفتي، أغلقت الباب ورائي وانطرحت على السرير.. المجنون هل يعني ما قاله حقاً؟ كيف لم ألاحظ إعجابه بي؟ ثناءه على ذوقي، اهتمامه بأموري..‏

كل هذه الأشياء أخذتها على محمل الرعاية، ولكن لم يخطر في بالي أبداً...‏

يجب أن أقطع علاقتي بهم، أرفض العمل الذي عرضه علي، مؤكد أن هذا العمل ستار لتوثيق علاقته بي.‏

في كل صباح كنت أرى سيارته أمام البيت، ينظر إلي من بعيد دون أن يكلمني ثم يغادر.‏

اتصلت بي قريبتي تسألني عن سبب انقطاعي وتدعوني بإلحاح للغداء عندهم، ولم تستطع كل الأعذار التي قدمتها أن تقنعها.‏

عندما ذهبت إليهم، كنت أتجنب النظر إليه، وكنت أضغط على نفسي لأبدو بمظهر طبيعي هادئ.‏

-تعالي لأريك اللوحة الجديدة.‏

لم أستطع الرفض:‏

-بدأت برسمها عندما عدت من الميريديان، أحسست أنني أريد أن أفعل شيئاً خارقاً فكانت هذه اللوحة.‏

صمت قليلاً، تأملني:‏

-فكرت بالموضوع؟.‏

-الموضوع منته بالنسبة لي.‏

-لكنه لم ينته عندي وأنا إنسان عنيد.‏

قلت له بحدة:‏

-انس الموضوع نهائياً، لست لئيمة كي أدخل بيتاً فأدمره على رؤوس أصحابه.‏

-هذا البيت سيدمر معك أو مع سواك، هذا البيت ليس له وجود في الحقيقة.‏

-وهؤلاء الأولاد هل جاؤوا من الحقيقة أم من تصور الناس؟.‏

-كل زواج لابد أن ينتج عنه أولاد.‏

-قد يأتي الإنسان بولد واحد وعندما يكتشف استحالة الحياة يفترق، أما أن ينتظر حتى يصبحوا خمسة ثم يفكر بالهرب هذا ليس عدلاً.‏

-وأين العدل في هذه الحياة، هل كان من العدل أن أتزوج من قريبتك؟.‏

-ما العيب في قريبتي؟.‏

-لاتغالطي نفسك، في كل يوم ترين صوراً من تفاهتها، السوق، الخياطة، الجارات، الثرثرة، لم تسألني يوماً بم أفكر، لم تبد اهتماماً بفني، مرسمي لا تدخله، حتى ولو لتنظفه، جئت أنت مرات قليلة عوضتني كل التجاهل الذي تبديه.‏

-أنت الذي خطبتها.‏

-كان لابد لي أن أتزوج، عرفت أخاها، رأيتها أعجبتني، لم أستطع النفاذ إلى أعماقها، ولكن يبدو أن الخلاف بيننا كان كبيراً، تصل الأمور بيننا إلى الطلاق، يتدخل الأصدقاء، نتصالح أياماً لنتشاجر شهوراً، كيف استطعت أن أتحمل حياتي معها هذه السنوات الطويلة؟.‏

في مجال تبرير موقفه يستطيع أن يطعن في كل شيء.‏

-سوسن صدقاً أقول، لقد أحببتك أنت بالنسبة لي حلم كنت قد يئست من تحقيقه.‏

-يجب أن تبقى يائساً.‏

-أنت لاتستطيعين أن تعارضي الحياة، أنت منجذبة إلي كما أنا منجذب إليك.‏

أزعجتني الفكرة، وتسلل إلي خوف أن تكون هذه هي الحقيقة.‏

أجبته بعناد:‏

-أعرف مايصلح لي وأعرف كيف أخطط لحياتي.‏

-نحن متشابهان ياسوسن، أنت إنسانة موهوبة، في الأعماق فنانة تتوق إلى التألق كل منا بحاجة إلى الآخر.‏

-لاتجر كثيراً وراء الخيال، نحن لم نخلق لبعضنا البعض.‏

-تتوهمين.‏

هل أنا واهمة حقاً، لماذا رحت أردد كلماته؟ لماذا أتلهف لرؤية سيارته تنتظرني أمام البيت والمدرسة صباح مساء. يرتجف قلبي، أخاف، ثم أحس بنشوة...‏

ولكن لايحق لي يجب أن أبعده...‏

يأتيني هاتف عبد الله:‏

-هل لنا أن نتناول الغذاء معاً.‏

تمنيت لو أنه في هذا اليوم يفاتحني بالخطوبة فأنهي هذا المأزق الذي يجرني إليه سعيد.‏

كعادته كان لطيفاً، رقيقاً تحدث في كل الموضوعات بعمق وحسن رؤية.‏

قال بابتسامته الودودة وهو يودعني:‏

-أتمنى أن نلتقي ثانية.‏

تمتمت حانقة:‏

-أيها الغبي، أهذا كل مالديك؟‏

أهبط من السيارة، أرى سيارة سعيد مرابطة أمام البيت، ووجهه مربد متجهم.‏

ناداني:‏

-من الرجل الذي كنت معه؟‏

-والد طالبة أعطيها درساً خاصاً.‏

-لماذا أوصلك هو ولم توصلك زوجته؟.‏

-أنا لا أستطيع أن أشترط عليهم من الذي يوصلني.‏

وانفجر في وجهي:‏

-تظنين أنك ببعدك عن أهلك قد هربت من الرقابة، أنت واهمة، أقسم بالله العظيم سأضربك إن رأيتك تخرجين مع أي رجل.‏

صرخت في وجهه:‏

-ولكن بأي حق تخاطبني بهذه اللهجة؟.‏

-بحقي كرجل يحبك ويحرص عليك.‏

توقفت، غاضبة، حائرة، حزينة.‏

-هيا اصعدي.‏

وجدت نفسي اصعد إلى جانبه، فانطلق إلى الميريديان.‏

اختار طاولة جانبية، بدأ حديثه مهدداً:‏

-هذه الحياة التي تعيشينها يجب أن تتغير، أين تظنين نفسك؟ في لندن؟ في باريس؟‏

من هؤلاء الشباب الذين تخرجين معهم؟ وبأية صفة تقابليهم؟.‏

-إنهم أصدقاء.‏

-عن أية صداقة تتحدثين؟ أين تعيشين؟ في بلادنا لاشيء اسمه صداقة. عيون الرجال فارغة والبلد محافظ وأنت تجعلين من نفسك فرصة طيبة لمن يريد أن يتسلى.‏

-لا أسمح لك أن تقول لي هذا الكلام.‏

-لن أنتظر سماحك لأجنبك النار التي تسيرين إليها.‏

-إنني كبيرة أعرف مصلحة نفسي.‏

-بل تحاولين أن تغطي أحزانك بصداقات وهمية.‏

-عن أية أحزان تتحدث؟ لا أحزان لدي.‏

-ترك رياض لك كان صدمة زعزعت ثقتك بنفسك فرحت تحاولين البرهنة لنفسك والآخرين بأنك محبوبة والجميع يتمنونك.‏

-إن أفضل جميل قدمه لي رياض هو زواجه، لو تم زواجي منه لاكتشفنا بعد فوات الأوان أننا مختلفان.‏

-تقولين ذلك لتعزي نفسك.‏

-لم أفجع لأعزي نفسي.‏

كنت أنتفض من الغضب وكان يكلمني هادئاً.‏

قال بأسى:‏

-لو كنت مكان هذا الشقي ماتركتك أبداً.‏

وانفجرت بالبكاء، هل وضع يده على الحقيقة، هل صحيح أنني أصادق الشبان لأثبت لنفسي أنني الفتاة المرغوبة؟.‏

رياض جرحني حتى أعماقي، أحببته كل الحب، أعطيته راضية أحلى سنوات عمري، حتى الآن لم أستطع أن أنساه، أحتفظ بصوره، أراه في وجوه الناس.‏

-سوسن قد أكون آلمتك وإنما أفعل ذلك من أجل مصلحتك، في البداية كنت أنصحك من منطلق قرابة وأبوة، والآن لأنني أحبك وأريدك لي.‏

-وأنت أيضاً تريد أن تخرج معي، أن تتمتع بوقتك، ما الفرق بينك وبين الآخرين؟.‏

رفعت إليه عينين مغضبتين.‏

-لا تسيئي بي الظن، إنني أحبك، وسأصونك كما أصون عيني.‏

تمنيت لو وضعت رأسي على صدره وبكيت طويلاً.‏

أحبه؟ وتبرز لي عيونها وعيون الأولاد، أهرب منها، تطاردني، أبتعد، يأتي ليأخذني إليهم، أحس في نظراتها ضيقاً وفي تصرفاتها بروداً.‏

يقول لي أمامها:‏

-ما بيننا عمل يجب أن ينجز.‏

نلتقي، نخرج معاً.‏

-لأول مرة أحس أنني أحيا. عرفت الكثير من النساء، ولكن لم أشعر بما أشعر به تجاهك، أحس وكأنني انتقلت إلى مدار آخر، كأن للعالم طعماً لم أحسه من قبل. أيتها الساحرة ماذا فعلت بي؟ كنت أحس وكأن الحياة انصرفت عني، معك أحس وكأنها مقبلة بكل أفراحها. حياتي كانت قد اتخذت مساراً رتيباً، فجأة أحس أن لي أجنحة تحملني إلى دنيا جديدة، فتية نضرة.‏

هل تعرفين كم لوحة رسمت بعد أن عرفتك؟ أربعين لوحة.‏

-الملهمات كثيرات في حياة الفنانين، ولكنهن يتبدلن بتبدل الفورة.‏

-ولكنك المرأة التي لن تتبدل في حياتي.‏

-ما الذي يقوله الآخرون.‏

-يتسلون بحكايتنا فترة ثم ينسون.‏

-وزوجتك والأولاد؟.‏

-لن ينقصهم شيء أقدم لهم كل مايريدون وآخذك إلى بلد بعيد نعيش فيه فلا يضايقنا أحد.‏

-لن أستطيع أن أفعل ذلك بهم.‏

-ما الحل إذن؟.‏

-لا أعرف، لتبق الأمور كماهي.‏

-لا أستطيع، يجب أن تكوني زوجتي.‏

-لن يوافق أهلي.‏

-لا تستبقي الأمور، هل أنا أول رجل يتزوج ثانية؟ هل خرقت قوانين الكون إن أحببتك. صدقيني إنّ أحداً لن يحبك كما أحببتك.‏

كنت ظمأى فأغرقني بعاطفته، أهو الأب الذي أبحث عنه؟ أهو الحب؟ أهو السعي إلى الأمان والاستقرار؟ ولكن أي سعي؟.‏

يأخذني لنذهب إلى صالة المعرض. يحدق إلى ثيابي بانزعاج.‏

أقطع عليه طريق التعليق:‏

-ظنتني الصحفية زوجتك.‏

-وظنك أحد الأصدقاء ابنتي.‏

خيم بيننا الصمت، قطعه بصوت حاول أن يجعله هادئاً.‏

-مراراً طلبت منك أن لاتلبسي بنطلونات الجينز.‏

-لكنها تريحني.‏

-تريحك أنت وتسبب لي الحرج، عندما نكون معاً لانعطي انطباع زوجين.‏

-ولكننا لسنا أزواجاً.‏

-سنصبح.‏

-سعيد لست صغيرة، أنا في الثلاثين، فلماذا نتحدث عن فرق السن دائماً.‏

-من يراك يحسبك في العشرين.‏

-لاتبالغ، أنت الذي تبدو أصغر من سنك، يقدر من يراك أنك في الأربعين، الفرق بيننا هو عشرات سنوات، وهو فرق معقول.‏

ابتسم، فرحت أنني استطعت أن أمحو من نفسه الكدر.‏

صاحب الصالة يقول:‏

-هناك عروض كثيرة لشراء اللوحات، أصبحت معظم اللوحات محجوزة.‏

يطفر البشر من وجهه، يقول فرحاً:‏

-نصيبك من الربح سيكون عالياً، سأشتري لك سيارة، لا. سأضع باسمك رصيداً في البنك، أم في رأيك أن أشتري لك بيتاً في دمشق؟.‏

صمت برهة ثم قال:‏

-مهما قدمت لك لن أفيك، لكأنك خلقتني من جديد.‏

أستعيد كلام صلاح:‏

-"أنت مسرفة، كل فلس نكسبه يجب أن نضعه في المكان المناسب، الحياة صعبة، وهذه البلد لن تتحملنا طويلاً، علينا أن نحسب حساب المستقبل".‏

سعيد فيه شيء أصيل صميم، اندفاع طفلي مؤثر وسط عالم يموج بالتفاهات والحسابات.‏

-ها.. سوسن أين وصلت؟ هيا بنا.‏

في السيارة كان رائق المزاج يغني، انتقينا طاولة متطرفة وجلسنا إليها، وراح يتدفق حديثاً وفرحاً:‏

-كنت أحب دمشق قبل أن أعرفك، الآن أصبحت أعشقها، حواريها وأسواقها لوحات رائعة رسمت بعضها، وأتوق إلى رسم الباقي، أتمنى أن أخلد هذه المدينة.‏

-أول مصري يتحدث عن الشام بهذا الحب!.‏

-مدينة عريقة، غنية، رائعة الجمال.‏

شردت بخيالي أسترجع تفاصيل مدينتي... تهت في دروبها ومنحنياتها، وشجرها، ابتسم لنفسي طفلة تلعب في حدائقها....‏

أسمع صوتاً مغضباً:‏

-لمن تبتسمين؟.‏

أستيقظ من ذكرياتي:‏

-ماذا؟.‏

-أقول من هذا الشاب الذي تبتسمين له؟.‏

نظرت إليه مستفهمة.‏

قال وقد لاحت في عينيه نظرة قاسية:‏

-لاتتظاهري بالبراءة، رأيتك تنظرين إليه.‏

-لمن؟.‏

أشار إلى شاب يجلس ورائي.‏

قلت وأنا مازلت محافظة على أعصابي:‏

-لا أعرفه.‏

-بل تعرفينه، كلما جئنا إلى هذا المكان رأيته أمامي، وها أنتما تتبادلان النظرات.‏

قلت وأنا أضغط على كل كلمة أنطقها:‏

-لا أعرفه ولم أنظر إليه وأنا أعطيه ظهري؟.‏

-تنظرين إليه من مرآة العمود المقابل لك.‏

أحسست بالدم يغلي في رأسي، صرخت في وجهه:‏

-أنت كاذب.‏

أربد وجهه، انتفض واقفاً:‏

-هيا نذهب.‏

-نعم يجب أن نذهب، الحالة لم تعد تطاق.‏

-ماذا تقصدين؟ هل اكتشفت أنك أخطأت في حبك لي.‏

-لا بل اكتشفت أنك مللت وتريد الانسحاب.‏

-تغطين رغبتك بالهرب.‏

أدرت وجهي ولم أجب.‏

قلت له وأنا أغادر السيارة:‏

-مابيننا قد انتهى ولا داعي لأن نجرح بعضنا البعض بالاتهامات.‏

-عندما تقولين لإنسان يكبرك بخمس وعشرين سنة أنت كاذب فهذا معيب.‏

-بل المعيب أن يكذب هذا الإنسان.‏

أكرهه وأكره نفسي لأنني أحببته...‏

يمر اليوم الأول والثاني والثالث والرابع.. أتمنى أن أتصل ولكن لماذا لايتصل، هو الذي أذاني وهو الذي يجب أن يعتذر.‏

لقد بطر، كان يحبني وهو يركض ورائي ليقنص حبي، وعندما أحببته بدأ بالتراجع هذه هي الحقيقة فكيف غابت عني.‏

هكذا هي متعة الصياد يعدو وراء الصيد وعندما يحصل عليه يلقيه في سلته، ولكني سألقيه قبل أن يلقيني، لست واحدة من هؤلاء الكثيرات اللاتي عرفهن.‏

هذا المغرور كان يريد وجهاً يتباهى به يوم الافتتاح، ولما انتهى المعرض انتهت القصة، لم يحبني كنت إطاراً براقاً لصورته وتجديداً لزواجه الطويل.‏

أكرهه.. أحبه.. أبكي شوقاً إليه وأعرف أنني مخطئة وأن هذه الإشارة تنبئ بوجوب التراجع، ولكنني أدير رقمه، ترد زوجته، يرد أولاده، وأنا أريد سماع صوته، وأحس أنني أحترق حزناً وقهراً..‏

ويأتي العيد..‏

لابد أنه الآن في بيته يقوم بواجباته العائلية، يزور الأصدقاء ويزورونه وأنا قابعة في غرفتي وحيدة مهجورة، إن عنَّ له أن يحدثني اتصل بي وإن ثارت كبرياؤه امتنع.‏

عشرة أيام مرت قبل أن أسمع صوته.‏

سألته بمرارة:‏

-لقد انتهيت من أداء واجباتك فتذكرتني.‏

-لقد أسأت وكان الواجب أن تعتذري.‏

-لو اتصلت بي لاعتذرت، ولكن كيف أتصل بك وأنت محاصر بعائلتك؟.‏

-سآتي لنسوي الموضوع.‏

-تدخر الخروج معي للحظات ضيقك، أما عندما يصفو لك الجو في البيت فلا تذكرني.‏

-أتعرفين أين كنت في هذه الأيام؟‏

-أين؟.‏

-في المستشفى.‏

-لماذا؟ هل كنت مريضاً؟.‏

-لا، ولكن الصغيرة احتاجت لإجراء عملية جراحية.‏

-من؟ لينا.‏

-نعم. كدنا نفقدها، الأسبوع الماضي كله قضيته في المستشفى.‏

-كيف هي الآن؟.‏

-أفضل. ألن تزوريها؟.‏

-متى أستطيع أن أزورها دون أن تكون زوجتك هناك؟.‏

-في الرابعة.‏

في الرابعة كنت في المستشفى وكان هو معها، عندما رأتني ابتسمت ثم نادت أباها وطوقته بذراعيها فاغرورقت عيناه بالدموع.‏

أتراها تحس وبذراعيها تحميه مني؟.‏

على باب الغرفة رأيت الأم، سلمت عليها بسرعة وانصرفت.‏

في المساء خرجت معه. كان التأثر بادياً على وجهه.‏

-لا أستطيع أن أتمالك نفسي عندما أراها في السرير، إنها أحب أولادي إلي.‏

أتأمله وهو يسوق السيارة محاولاً أن يرسم السعادة على وجهه.‏

هذا الرجل أحبه ولكنه ليس لي، إنه لأولاده، لمن يمرض منهم ومن ينجح، ومن يرسب ومن يسافر.‏

حبه لي سحابة صيف، عبرت حياتي، ولكنها لن تمطر.‏

-بعد أسبوعين ألقاك في دمشق، لا أستطيع أن أتخيل شهور الصيف تمر دون أن أراك.‏

-في دمشق لا أستطيع أن أراك.‏

-ولكننا سنتزوج.‏

من قال أننا سنتزوج وألف عقبة تقف في وجهنا؟.‏

أعود إلى البيت، يصل صوتها عبر الهاتف:‏

-اسمعي ياسوسن. عندما رأيتك اليوم أحسست بالمسؤولية تجاهك، مازلت قريبتي ومازلت أحافظ على سمعتك، أنا أعرف الناس بزوجي، في حياته الكثيرات اللاتي تسلى بهن فلا تعطه هذه الفرصة. يشرق الرجل ويغرب ولكن مآله إلى بيته وأولاده.‏

-زوجك لايتسلى معي، لقد عرض علي الزواج.‏

فوجئت، تضعضعت، ارتعش صوتها.‏

-لا تنجرفي معه، لاتغتري بكلامه عن لوحاته ومعارضه ورصيده في البنك، إننا لا نملك حتى بيتاً نعيش فيه، لاتضيعي مستقبلك بأوهام يزينها لك، ابتعدي عن طريقه.‏

أجبتها دون وعي:‏

-أنا لم أضع نفسي في طريقه هو الذي سعى إلي.‏

-هذه هي عادة الرجال ولكن على النساء أن يكن أكثر حصانة فهن الخاسرات.‏

شعرت بكراهية تجاهها، لو لم تكن في طريقنا لتزوجنا، أكان يجب أيها الأحمق أن تلتقي بي وأنت مرتبط؟.‏

-سعيد لقد تحدثت معي زوجتك.‏

-ماذا تريد؟.‏

-تطلب مني أن أبتعد عنك لأنك تتسلى بي، فقلت لها إنك قد عرضت علي الزواج.‏

شحب لونه، ارتجف صوته:‏

-لماذا قلت لها؟.‏

-وهل سنتزوج خفية؟.‏

-لا ولكن حتى يتم الأمر لا داعي لتقلبي البيت جحيماً على رأسي، في كل يوم محاكمة واتهامات وتحريض للأولاد.‏

-جرحتني، قالت إنك تتسلى بي.‏

-تعرفين الحقيقة، فلماذا تتغابين؟.‏

نهض مغضباً، قال وهو ينصرف دون أن ينظر إلي:‏

-صباحاً سآتي، في العاشرة تماماً أكون عندك.‏

أهذا وداعه لي أنا المسافرة غداً؟.‏

في الحادية عشرة اتصل بي، فرحت عندما سمعت صوته، لابد وأنه أحس بخطئه، لكنه أخمد فرحتي بقوله:‏

-اضطررت لعمل عاجل. لن أستطيع توصيلك إلى المطار.‏

ما كدت أغلق الهاتف حتى وصلني صوت أحد الزملاء يطلب مني أن أوصل بعض الأغراض لأهله في دمشق وعرض علي أن يصحبني إلى المطار فقبلت العرض.‏

طوال الليل وأنا أفكر بسعيد، هل أخطأت في إخبارها؟ مؤكد أنها ثارت عليه، تشاجرا سمع الأولاد، بكوا، رق قلبه، تحركت عواطفه، كرهني.‏

ولكن مهما كانت الظروف كان عليه أن يودعني، هو الذي قال إنه يتخلى عن الدنيا كلها ولا يتخلى عني، هو الذي قال لايعد اليوم يوماً من عمره إذا لم يرني.‏

يحبني، يكذب علي؟ يتسلى بي؟ هل سينساني ويعود إليها مستغفراً؟.‏

"على النساء أن يكن أكثر حكمة فهن الخاسرات". أي ميراث حكمة نطقت عنه أيتها القريبة الغبية السمجة؟.‏

في العاشرة صباحاً، أوصلني زميلي إلى المطار، انتهيت من تقديم أوراقي، كنت أتحدث إليه عندما رأيت سعيد يقف بعيداً ومن عينيه ينبعث الشرر.‏

شعرت بالخوف، طلبت من الزميل أن يغادر، هرعت إليه لكنه أسرع خارجاً من مبنى المطار، انتظرت نصف ساعة ريثما يصل إلى عمله واتصلت به، قال زميله إنه لم يصل، المجنون إلى أين ذهب كان من المفروض أن يصل، أيكون وهو يسوق بجنون قد وقع له حادث؟...‏

اتصلت ثانية، وصلني صوته يقطر حقداً ومرارة:‏

-من زمن وقلبي يحدثني.‏

-اسمعني يا سعيد أرجوك.‏

أغلق السماعة في وجهي.‏

أعدت الاتصال.‏

قال ساخراً:‏

-أنا الذي كدت أخرب بيتي لأجلك، الآن اكتشفت أنك لاتستحقين أية تضحية وأنت لا توفرين فرصة للخروج مع الشبان إلا وتنتهزينها.‏

-لقد اعتذرت أنت عن...‏

سمعت صوت السماعة تخبط بعنف في الجهة المقابلة.‏

أتبلغ يا سعيد من الغباء هذا المبلغ؟ أتصل بك الشكوك إلى هذا الحد؟.‏

أي وداع رائع كان هذا الوداع، وأية نظرة قاتلة ألقاها علي وهو يغادر؟.‏

تقلع بي الطائرة وأنا ذاهلة عما حولي، هل أخطأت لأن زميلي أوصلني؟ ليتني رفضت عرضه لكنت قد وفرت على نفسي هذا الموقف البائس.‏

أين سعيد المحب العطوف من هذا الفظ الذي أهانني؟‏

كيف أسمح له أن يعاملني بهذه الطريقة؟ هذا الغبي التافه المغرور الذي ركض ورائي يسبني الآن. لماذا يحدث هذا معي؟ أحس بغصة تملأ حلقي، رغماً عني أمسحها محاذرة أن يراني أحد، ألتفت إلى جواري تلتقي عيني بعينين طفل رائع يسألني بلثغة حلوة:‏

-خالة لماذا تبكين؟.‏

رغم دموعي أبتسم لكلماته العذبة، أمسح على شعره:‏

-لا أبكي ولكن عيني تؤلمني...‏

-ظننت تبكين لأنك تركت أولادك.‏

أضحك له:‏

-لا أولاد لدي.‏

لو تزوجت لكان لي أولاد في مثل عمرك أيها الشقي الجميل ولكن ليس لدي إلا الذكريات.‏

خمس سنوات ومازلت أحن إليك، أذكرك، تطفو إلى ذهني كلما مرت بي الأحزان.‏

لماذا كان وجهك هو الأبقى وقصتك هي الأوجع؟.‏

مازلت أذكر ثوبي الوردي الذي لبسته يوم الخطوبة والورود التي نثرتها على شعري، أراه داخلاً بقامته الممشوقة، بشعره الأشقر، بعينيه الزرقاوين، أرتجف عندما يضع الخاتم في إصبعي.‏

يهمس لي:‏

-أية صدفة رائعة كان لقاؤنا؟ أنا المتشرد الغريب لمَ لم ألتق بك قبل الآن؟.‏

عشر سنوات وأنت صديقة أختي ثم لا نلتقي إلا قبل أيام!.‏

وأنت أين كنت يا رياض، قبلك جريت وراء الأوهام والآن أعرف أنك الحقيقة الحلوة التي أتمسك بها.‏

-أعود إلى السعودية وتعودين إلى الكويت وفي العام القادم نتزوج ونستقر.‏

أية أشواق مختزنة غمرتني بها؟ فتحت لي أبواب عالم لم أكن أعرفه فإذا بعواطفي تنفجر وتندفع إليك.‏

يوم وداعنا كان أول يوم أعرف فيه طعم الجسد، مازلت أذكر هذه اللحظات حتى الآن بحنين، بيأس، بغضب.‏

يصلني صوته على الهاتف يومياً يحمل لي نبضه وأمنياته، يحدثني عن أدق تفاصيل حياته، يقول لي:‏

-لا أستطيع أن أنام دون أن أسمع صوتك.‏

مزهوة بحبي، مزهوة بشوقه.‏

ذات يوم يقول لي، والفرح في كلماته:‏

-ستوفدني الشركة إلى أميركا، إنها فرصة العمر، ما رأيك بالاستقرار هناك، أسبقك ثم أستدعيك.‏

رسائله وكلماته حملت لي الوعود، رسمت له صورة رائعة للحياة معه...‏

تتباعد رسائله... تنقطع مكالماته... في قلبي ينغل الشك والحيرة.‏

تمر سنة وأنا لا أزال ألبس خاتمه، أزوّر لأهلي وصديقاتي مستقبلاً ينتظرني معه، في أول الليل أعاتبه وفي آخره أكون قد اخترعت له الأعذار، ثم أعرف أنه تزوج فأنهار.‏

ذكريات.. ذكريات... الجامعة... الأصدقاء.. الكويت... رياض... صلاح... عبد الله.‏

لماذا قصصي مخفقة دائماً؟ هل العيب فيّ أم فيهم.‏

أبحث عن الإجابة في صداقة شبان أتعرف إليهم وأخرج معهم، أتسلى برفقتهم ويفرحون بصحبتي.‏

حياتي في هذا البلد الصحراوي أية أفراح تنديها؟.‏

البحر... الطواف بالسيارة في المدينة ثم ماذا؟.‏

أنظر إلى رفيقاتي جميعهن تزوجن، أصبح لديهم أولاد، وأنا لا أشتهي حياة كحياتهن، ولكن لم أعد أطيق حياتي.‏

أكملت عامي الثامن والعشرين، لم يبق بيني وبين الثلاثين إلا سنتان.‏

زميلتي تقول:‏

-بعد الثلاثين يخشى على المرأة أن ...‏

لا تكمل... أضحك، فأنا أعرف الكلمة التي تخجل أن تقولها لي.‏

على أبواب الخوف والضجر ألتقي بك ياسعيد، تملأ عيني وقلبي، تسد على أبواب النجاة.‏

أحبك.. أخافك.. أخاف زوجتك والناس.. تتناوبني الأمراض والهواجس، أقاوم، أرى السعادة في ابتسامتك، أحس التعاسة في غضبك.‏

أنا العصية المتأبية.‏

أصبحت رهن مزاجك العاصف المتقلب.‏

يجب أن تخرج من حياتي أيها الرجل الذي أحبه وأكرهه، وأتمناه، وأتمنى الخلاص منه.‏

خمسة عشرة يوماً وأنا أحاول أن أرمم أعصابي، أحاول أن أتخيل حياة لا تكون فيها حياة تعطيني السلام والأمان...‏

أحاول أن أخرج للناس، أتعرف إلى من يجعلني أنساك، أتمنى أن يتقدم لي أي شاب لأراه مناسباً. فزواجي أفضل من هذا الجنون الذي أعيشه معك.‏

تقول لي أختي:‏

-لا شرع ولا خلق يبرر علاقتك معه.‏

أعرف أنها محقة ولكن من قال إن الحق هو الذي يسيرنا...‏

يأتيني صوتك نادماً:‏

-هل تسامحينني يا سوسن.‏

أحس غصة تملأ حلقي، أتمالك نفسي:‏

-قصتنا صفحة طويت، ولقد فتحت الآن صفحة جديدة في حياتي.‏

-لا تخدعي نفسك، ما تحملينه لي من حب عميق، لا تستطيع لحظة غضب أن تمحوه.‏

-عندما لا يكون حبك لي بمستوى حبي لك فالأفضل أن نفترق.‏

-ليس الآن مجال المناقشة والسفسطة، أريد أن أراك لأتحدث إليك.‏

-لا داعي لأي حديث بيننا.‏

-سآتي اليوم لأخطبك من والدك.‏

قال والدي:‏

-الفكرة مرفوضة من أساسها، كيف تريدني أن أزوج ابنتي لزوج ابنة عمي؟ هناك شيء اسمه منطق.‏

يتصل بي، أرفض الخروج معه، أراه في سيارته يحوم حول بيتنا، أراه يحرق سجائره ويحترق معها.‏

ألقاه، أرى نحوله، اضطرابه، ارتجاف يديه:‏

-جعلتني أعود للخمر.‏

أخاف عليه ومنه.‏

-لماذا لا تستغل وجودك في دمشق وترسم؟.‏

نظر إلي ساخراً:‏

-أي رسم هذا الذي تتحدثين عنه؟ أصبحت مشرداً، ضائعاً يتسكع في الطرقات.‏

-ماذا تريد مني أن أفعل؟.‏

-نتزوج.‏

-لا أستطيع أن أعارض أهلي. من يدري ما الذي تخبئه الأيام، قد نختلف، قد ننفصل، لمن ألجأ، سأخسر الطرفين.‏

-تفكرين بالاختلاف والانفصال والربح والخسارة، وأنا المجنون الذي ترك كل شيء من أجلك. سوسن لن أتخلى عنك أبداً ولن أتركك تسعدين بأي زواج إن كان من غيري.‏

نتلاقى، أحس أن شيئاً قد تغير فينا، لم نعد كما كنا، بيننا حاجز وفي قلبي جرح...‏

أغمض عيني... أراه... أعرف أنني غارقة في حبه وأن لا فكاك من هذا الأسر، ولكن الزواج منه...‏

تقول أختي:‏

-إنه يغار عليك وأنت لاتزالين خارج بيته، تتشاجران إن نظر شاب إليك.‏

فكري ياسوسن ما الذي سيحدث بعد الزواج، سيغلق عليك الباب، لن يسمح لك بمغادرة البيت، كلما كبر سنة زادت غيرته، بعد خمس سنوات يصبح في الستين وأنت لاتزالين في الخامسة والثلاثين.‏

ثم لاتنسي أولاده، قد يكون الآن مفتوناً بك بعد سنة يعتادك، يعاوده الشوق لأولاده لا مستقبل لك مع هذا الإنسان.‏

لامستقبل معه، ولكن لاأتخيل مستقبلاً لايكون معه، كل الوجوه تشحب، تتراجع ويبقى وجهه الغاضب حيناً، كالحاني كثيراً، بنبله، بطيبته، بحبه.‏

-ها. سوسن قولي نتزوج فنذهب فوراً إلى المحكمة. ماشأننا بأهلك، بزوجتي، بالناس كلهم؟.‏

أفتح فمي لأتكلم، على شفتي ترتجف الكلمات، أسمع صوتي، ولكنني لا أعرف ماذا أقول...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244