غربـة... ونساء - ملك حاج عبيد

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أشجان الروح الشتاء والحب

البرق يشق السماء بومضات قوية، والرعد ينفجر صواعق داوية، والمطر ينهمر غزيراً، يرشق النوافذ بقطرات كبيرة، تتسلل إلى الغرفة من حواف الخشب.‏

البحر يمتد أمامي سهلاً من الرماد، تجلده سياط مطر تنحدر من سماء ملبدة بغيوم سوداء، أحس بالبرد فأقترب من المدفأة، يسري إلي شعور بالدفء والسعادة، أحلم بأن يكون الجو صحواً في الغد، لأذهب إلى المقهى البحري، وأنعم بفنجان قهوة أرشفه، وأرى لمعان الشمس من وراء الغيوم الداكنة، وأرقب الزبد يطفو على قمم الموج، وأحس الخفق الرقيق لأجنحة النوارس على صفحة الماء.‏

يروق لي المنظر، أبتسم، أفرح، أتمنى أن يتحقق الحلم، يستخفني شعور بالمرح، فأحس بأن الحياة حلوة ساحرة.‏

من الغرفة المجاورة تنبعث آهة، إنها عمتي الراقدة في سريرها، تأمل بشفاء لن يوافيها، وتنتظر يوماً لابد منه.‏

تخدش فرحتي، ولكن مازال الطريق أمامي طويلاً لأفكر بالمرض والشيخوخة، أحس بالشباب يملأ كياني، فتعاودني الغبطة.‏

من المذياع تنبعث أغنية حلوة تقول:‏

"آه ياأسمر اللون، حبيبي الأسمراني لا عيوني نسيانة عيون، حبيبي الأسمراني".‏

تضحك أمامي عيناه، فأبتسم لوجهه العذب، من خلفي تنبعث شهقة، أذهب إلى غرفة عمتي، أراها تختنق بالبكاء:‏

-ماذا حدث؟.‏

-لاشيء.‏

-ولكنك تبكين.‏

صمتت، اقتربت من سريرها.‏

-هل أستدعي لك الطبيب؟.‏

-ما الذي يستطيع الطبيب أن يقدمه لي وقد حان السفر؟.‏

-لاتقولي ذلك ياعمتي.‏

-هذه هي الحقيقة سأسافر إلى حيث ينتظرني.‏

-من؟.‏

-ابن عمتي.‏

هل هي مريضة إلى درجة الهذيان، أم أن روحها ستفيض الآن، فترى مالا أستطيع أن أراه؟ أهو ملاك الموت؟ أهي أرواح تطوف حولها وتناديها؟ اعتراني الخوف. ولكنني غالبت خوفي، وسألتها:‏

-عن أي ابن عمة تتحدثين؟.‏

-عن أحمد، ابن عمتي.‏

هل كان لعمتي عمة؟ مذ وعيت على الدنيا وهي كبيرة العائلة، فعن أي عصر سحيق تتحدث؟.‏

-ما الذي ذكرك به الآن؟.‏

-هذه الأغنية.‏

على الرغم مني ابتسمت، كنت أظن أن كبار السن لايلقون بالاً إلى الأغاني، حتى لو أنهم انتبهوا إليها لايفهمونها، بل يعدونها ضرباً من العبث، أما أن يتأثروا بها إلى درجة البكاء؟!.‏

نظرت إليها بتعجب واهتمام.‏

قالت:‏

-كان أسمر، أسود العينين، وكنا...‏

-كنتم ماذا؟.‏

-كنا نحب بعضنا.‏

حدقت فيها وكأنني أراها للمرة الأولى، أي مفاجأة مذهلة لي أن أكتشف أن عمتي تحب؟.‏

رحت أتأمل الوجه الأسمر المغضن، خصلات الشعر البيضاء التي تطل من تحت المنديل، إنها في الخامسة والسبعين من عمرها، أتكون قد أحبت حقيقة؟ وهل كان في زمنها حب؟.‏

انساب صوتها هادئاً عميقاً، وكأنه يأتيني من غور بعيد:‏

-لم يكن في البلد أجمل منه، قامة فارعة، عينان سوداوان كحلاوان، شاربان كثيفان، عندما يمر في الطريق تقف الفتيات وراء النوافذ ينظرن إليه.‏

سرحت ببصرها بعيداً:‏

-كنا صغاراً نزورهم، ويأتون لزيارتنا، نلعب، نركض، نصخب في الحارة، حتى إذا حل المساء دخلنا إلى البيت لنكمل لعبنا فيه.‏

كبرنا، فصل الصبيان عن البنات، وفرض علينا الحجاب، ثم مات جدي فوقع الخلاف بين أبي وعماتي على الميراث، كانت عمتي أم أحمد أشدهن خصاماً، فكرهها والدي وحرم علينا زيارتها، انقطعنا سنوات عن رؤية بعضنا البعض.‏

عندما رأيته بعد انتهاء القطيعة كنت في الرابعة عشرة من عمري، وكان في السابعة عشرة، التقت عيوننا، فغضضنا البصر، وعندما أعدت النظر رأيت الإعجاب في عينيه، فخفق قلبي.‏

لم يكن باستطاعنا أن نلتقي، فكان يتحين الفرص ليمر أمام بيتنا، قد يرفع إلي نظره، وقد لايرفع، ولكنني كنت أنتظر هذه اللحظات السعيدة.‏

-ولماذا لم يتقدم ليخطبك؟.‏

-تقدم، ولكن جدك رفضه.‏

-لماذا؟.‏

-لأن والده كان فقيراً، ولأن جدك لم ينس أيام القطيعة مع أمه.‏

-ثم؟.‏

-لم يكن يصدق أن خاله رفضه لأنه فقير، كان يقول لي: أيخجل خالي من مصاهرتي؟ أينسى أنني ابن أخته؟ ما العيب في أن أكون فقيراً؟ إنني شاب أستطيع أن أفتت الصخر، ليمهلني، وعندئذ يرى ما الذي أستطيع أن أفعله.‏

-لماذا لم يمهله؟.‏

أطلقت تنهيدة حزينة وقالت:‏

-الأيام لم تمهلنا... ذات يوم جاء العسكر التركي، جمعوا شبان البلد الذين هم في سن التجنيد، وبلغوهم أن عليهم الالتحاق بالجيش لأن الحرب قد قامت، ومن يتخلف أو يهرب سيعدم.‏

مازلت أذكر ليلة سفره:‏

وغابت تسترجع التفاصيل، وانطلق صوتها يروي، وكأن ماتتحدث عنه ماثل أمام عينيها.‏

قالت أمي لأبي:‏

-سنذهب إلى أختك لتوديع أحمد.‏

نهرها قائلاً:‏

-ما للنساء وتوديع الرجال؟!.‏

انطوت أمامه ضعيفة، خائفة، تمنيت حينئذ أن أبكي بصوت مرتفع، أن أتمرغ على قدمي والدي ليسمح لنا بالذهاب، ولكن نظرة من عينيه كانت كافية لتوقع الرعب في قلبي، ما كنت أستطيع أن أصدق أنه سيذهب دون أن أراه، ولكن حكم أبي لايرد.‏

الليل طويل والجميع غارقون في النوم، ووسادتي غارقة بدموعي، وعيناي مفتوحتان تنتظران معجزة. سمعت حركة تحت النافذة، تسللت من فراشي، وأطللت، رأيته في ضوء فانوس الشارع الضئيل، كاد قلبي يسكت من الفرح والخوف، لو أن أحداً رآه لكانت نهايتي على يد أبي.‏

أشار إلي أن أفتح الباب، فخرجت من غرفتي على رؤوس أصابعي، أمام غرفة أبي تعثرت وسقطت على الأرض، وسمعت صوته الجهوري يصرخ:‏

-من هناك؟‏

من أعماق رعبي انطلق صوتي مرتعشاً:‏

-أنا ياأبي أريد أن أشرب.‏

عاد إلى النوم، سمعت غطيطه، لكن الذعر جمدني، ماذا لو تظاهر بالنوم ثم خطر له أن ينهض ويراني وأنا أفتح الباب الخارجي؟.‏

ولكن قوة خفية كانت تدفعني إلى الباب دفعاً، هبطت الدرج، وفتحت الباب، كان يقف أمامي بقامته الشامخة.‏

-ادخل بسرعة.‏

وقفنا على الدرج، رددت الباب.‏

-جئت لأودعك.‏

انخلع قلبي، تساقطت الدموع من عيني، لم أكن أراه بوضوح، ولكنني كنت أحس بوجوده يملأ كياني، مازلت حتى الآن أذكر لمعان عينيه السوداوين، ونظرة دافئة انغرست في قلبي.‏

-لاتبكي، سأعود ذات يوم وسيوافق خالي على أن أتزوجك.‏

-سأنتظرك يا أحمد.‏

من أعماق الليل انطلق أذان الفجر، وسمعت صوت خطوات أبي متجهة إلى الحمام، وقف الدم في عروقي:‏

-أرجوك انصرف لقد استيقظ أبي.‏

-ما أقساه!.‏

من عنقي انتزعت مصحفي الذهبي.‏

-ضعه حول عنقك يحمك.‏

مد يده، تناول يدي بين يديه، قبلهما.‏

-ادعي لي.‏

-ليعدك الله سالماً.‏

ذهب ولكنه لم يعد، من كل شبان البلد الذين راحوا لم يرجع إلا اثنان، طرق أحدهما الباب على عمتي وناولها المصحف:‏

-هذه أمانة من أحمد.‏

ابتلعت دموعي، ماكان يحق لي أن أبكي، فالحب في زماننا كان محرماً، ولكن يعلم اللّه أنني ماوضعت رأسي على الوسادة إلا بللتها.‏

كنت أتساءل: أي ضير سيلحق هذا الكون لو عاد؟ لو رجع سأتزوجه. في الحياة نصنع مانريد، ولكن ما الذي نستطيعه أمام الموت؟.‏

مرت السنوات وصورته لاتبارح خيالي، تزوج إخوتي وأخواتي، فرغ البيت، لم يبق إلا أنا وجدك وجدّتك.‏

لم تهف نفسي إلى الزواج، الزواج إما أن يكون من أحمد أو لايكون.‏

تساءل الناس، نسيني الناس، دب الشيب في رأسي، أخوتي أصبحن أمهات ثم جدات، مر على القصة...‏

آه ياعمتي، لقد مر عليها ستون سنة.‏

-هذه الأغنية أرجعتني إليه، فكأنني الآن أراه واقفاً في غبش الليل، أرى لمعان عينيه ونظرته المودعة. أطلقت تنهيدة:‏

-يقولون من جرح قلبه في الدنيا يجبره الله في الآخرة، حياتي كانت حزينة، فهل سأكون سعيدة هناك.‏

أحس بألم يعتصر روحي، أتأملها غائصة في سريرها، تنتظر آخر أيام شتائها، صغيرة، منكسرة، أي حب وأي نبل يعيشان في هذا الجسد المتهدم؟!.‏

سنوات وأنا أعيش معها وأجهلها، مذ كنت صغيرة وأنا أراها تروح وتغدو، تعمل وتساعد، رعت أمها وأباها، ربت إخوتها وأولادهم، بنين وبنات، كل من وقع في ورطة يذهب إليها، تدافع، تحمي، تعطي، وماخطر لي أنها أحبت ذات يوم، وأنها ماتزال غارقة في حبها القديم المستحيل.‏

أذكر حبها لأخي أحمد، تفضيلها له علينا جميعاً، هي التي اختارت الاسم، وهي التي أصرت على التسمية وأسترجع نظرتها الحانية إليه، نبرتها وهي تناديه. أتأمل الوجه الذابل وقد دبت إليه حمرة ماقبل الغروب، ومن العينين سرت الدموع.‏

ياعمتي المسكينة تذكرينه لأنك ذاهبة إليه؟.‏

ألصق وجهي على زجاج النافذة، المطر مازال ينهمر في الخارج، وفي داخلي ينبعث حنان يتمنى أن يمسح آلام الناس جميعاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244