|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المنعطف هذه القامة الشامخة تذكرني به، لولا الثلج الذي يكلل الرأس لقلت إنه هو، ولكن هي مشيته... مسافة قصيرة تلك التي تفصلنا، أسرعت، أضاءت الإشارة الحمراء فتحاذينا... التفت إلي.... إنهما عيناه شمسان سوداوان مازال لهما الألق والعمق... أحسست ألماً غامضاً، حنيناً بعيداً يعطفني إليه، تحركت شفتاي تكادان تلقيان السلام، لكن صوتي عصاني فأشحت وجهي ورحت أرقب نهر السيارات المتدفق أمامي، وماكنت أرى إلا عينيه، أتمنى أن أرنو إليهما أناديه باسمه وأقول: -يامن أحببت ماذا فعلت بك الأيام؟. نخلة قادمة من عالم أصالة ناء... صحراء ونهر وقفت على شاطئه طفلة فعشقته وحكايات معتقة عن كرم وبطولة وحب من هذا العالم جاءني على صهوة خيالاتي متلفعاً بنبل عميق. استمعت إلى لهجته العذبة فسافرت بي إلى آفاق قصية تهاجر إليها الروح وتقف على أعتابها خاشعة، أتشرب اللهجة الفراتية وأغمض عيني فيلوح لي النهر والشجر والجسر والشرداق(1) والشموع المسافرة على سطح الماء ويترجع في سمعي غناء شجي. لهفة، شوق، أفراح تومض، دنيا من السحر تنفتح أمامي، أمنياتي تعانق السماء تقطف نجومها، تكورها، تسرجها إلى عربة جامحة تنطلق في سهوب بعيدة، تندفع إلى مجرات مغوية ساحرة. عندما رأيته سكن الشوق، فكاد النجم الذي إليه سريت والصورة التي انحفرت في القلب والعينين يقولون لي: أنت ربيع وهو خريف. فأقول: أعشق اكتمال الخريف والشجن يوشي الصوت والدفء ينهمر من العينين. في الهاتف تحادثنا وتناقشنا واختلفنا واتفقنا، كان يقول لي بضحكة متسامحة: -عندما تكبرين تغيرين قناعاتك فالأيام تعلم الإنسان. وكنت أظن نفسي وارثة الحكمة فأقول: -بل أنا التي تعلم الأيام. كنت عاصفة وكان جبلاً، كنت بحثاً دائماً وقلقاً، أريد أن أثقب الأرض، أخترق السماء، أحس أن لدي القوة الخارقة لأغير كل الأشياء، وكأن سفينة أتعبها الإبحار فهي تبحث عن شاطئ الأمان. كنت أحدثه عن تسلق جبال هيملايا والإبحار في منابع الأنهار وعن توزيع الثروة وحرب العصابات، تأملني عميقاً وسألني: -وأين مكاني في خارطة مشاريعك؟. فاجأني السؤال، هو في قلبي وعيني ولكنه لم يكن معي في اندفاعات صباي. قلت بتردد: -لا أعرف. قال بهدوء: -بل يجب أن تحددي لنعرف إلى أين نسير. سطع الضوء الأخضر، اجتزنا الشارع متحاذيين لكن متباعدين، عندما وصلنا إلى الرصيف سبقني... مازالت له هذه الخطوة القوية رغم القامة التي أثقلتها الأيام. في هذا الطريق كنا نسير والشفق يوشح السماء بالحمرة... شبان وصبايا وسيارات مسرعة وأغان تنبعث من مسجلات بائعي الصبار. كنت أحس أنني محمولة على جناح الألق والوهج والحب، كانت الدنيا تشتعل في عيني وكنت أحب هذا الاشتعال. قال لي: -مارأيك بأن نتزوج؟. هزج الفرح في قلبي، لكنني أخفيت فرحتي ورحت أستظهر عبارة حفظتها عن سارتر. -الزواج ارتباط غبي لامبرر له. سقطت العبارة في سمعي نابية غريبة، أحسست بأن الصوت ليس لي، تمنيت أن أسترد الكلمات، لكنها انزلقت مني. ليتني أستطيع أن أمحوها أن أقول له: -لا تصدقني فأنت النجم الذي إليه سريت وأنت الوجه المحفور في القلب والعينين، وأنت الصدر الذي أتمنى أن أضع رأسي عليه. لكنني في ثورة الكبرياء رحت أرسم له عالماً من الجنون والانطلاق. نظر إلي متجهماً، جاءني صوته عاتباً: -أحزنتني. جرحني حزنه، وكنت أتمنى أن أمسح هذا الحزن أن أحدثه عن سهل وبحر وغابة وبيت قرميد ضائع بين الشجر.. ولكن هي اللحظة التي ضاعت مني. طال الصمت بيننا. بدد الصمت صوته يقول: -كبرت على الدوران في الشوارع. نظرت إليه أستوضحه فقال: -لماذا لانلتقي في بيتي؟. انغرس السؤال في قلبي مدية قاتلة، نزفت ذهولاً... قهراً... حزناً.. كبرياءً. بيننا سقط الصمت ونهض جدار، أحسست به بعيداً غريباً، صغيراً، كدت أصرخ في وجهه: -أتظنني إحدى الساقطات؟. عصمني الذهول من الانفجار، ترمد قلبي فترمد ماحولي، انسحبت الألوان وهمدت الأصوات لاشيء إلا وقع خطواتنا وأنا التي كنت أعد ساعات لقائه لحظات. وصلنا إلى مقربة من بيتي فقال: -سأنتظر هاتفك. قلت له في قلبي: -بيننا لن يكون اتصال. أيامي متباطئة ثقيلة، تمر على قلبي رصاصاً وأحجاراً، وسؤال مر يدق رأسي، كيف يجرؤ أن يقول ماقال؟. وأنتظر أن يأتي أن يكفر عن ذنبه أن يرجو مسامحتي. بعد أيام جاءني صوته في الهاتف، ملهوفة أصغيت إليه، ولكن لا أدري لماذا أقفلت الخط في وجهه. جاء إلي، أشحت عنه ورفضت أن أنظر في وجهه ورفضت الاستماع. في داخلي كان بركان يغلي، فهل يستطيع نبع الاعتذار أن يطفئ البركان؟. خجل ران على المحيا الذي أحب ثم استدار، نظرت إليه يبتعد وكان قلبي حزيناً، لكنني بقيت متجمدة في مكاني وقلت: عليه أن يعرف أقدار الناس. مجروحة، وأتمناه وأعاتبه وأسامحه ثم أثور عليه، وأجن لهفة وشوقاً... وأقول لايمكن لقصتنا أن تنتهي، ماأحمله حب أصيل لايزول، قصتنا لابد أن تكتمل، قدري أن أعود إلى البلد الذي أحببت، فمن يشرب من ماء النهر لابد أن يعود إليه. أنتظر هاتفه، أنتظر من الطرقات أن تطلعه، أستعيد ملامحه، نبرته الشجية. تمتد يدي إلى الهاتف لأسمع صوته، لكنني أعيدها. وعرفت أن أصعب مافي الحياة أن تضيع من أحببت. يندف الثلج، يكسو الشجر، يغطي طرقات المدينة، تمتلئ الشوارع بالشبان العابثين، تنهال علي كرات الثلج، أتقيها بيدي لكنها تتكاثر، تمتلئ عيناي بالدموع، لو كان معي لما تجرأ علي أحد. فجأة ينشق الطريق عنه، أرى القامة الشامخة والوجه رائع السمرة تضيئه شمسان سوداوان. أحس بقلبي يخفق بعنف يكاد يحطم صدري، أشعر بوجهي يتوهج. يصل إلي صوته يؤنب العابثين فتتوقف الضربات وأقول بعد هذا اللقاء لن يكون فراق. اقترب مني ليحدثني، خفت أن يسمع نبض قلبي فيعرف أنني مازلت أحبه وأنتظره وأنني سامحته... أشحت بوجهي ومضيت، عرفت أنني أخطأت، ألتفت خلفي أبحث عنه... كان الزحام قد واراه. شعرت بالحنق يأكلني ساءلت نفسي بمرارة لم أنا غبية، ثم ملأني غضب هائل، حتى لو أشحت وابتعدت كان يجب أن يكلمني، يجب أن يعرف أن جرحي كان عميقاً صعب الشفاء. وأعرف أنه تزوج فأبكي وأعلم أنه أصبح أباً وأسمع أنه هاجر. وأبحث عنه في القامات والوجوه والنبرات. أرى نخلة وشمسين سوداوين وأسمع لهجة عذبة، وأبحث في عينيه عن عينين أحببتهما، وأنقب في قلبه عن نبع أصالة، عن فارس أحببته... ولكن من أحببته لايشبهه أحد. هاهو الآن ينبعث أمامي... القامة قد انحنت والعينان غشيهما الكدر والشعر الفاحم غدا ثلجاً. أشعر أنه قريب مني كأن سنوات مافصلتنا وكأن جرحاً مافرقنا. أرى نفسي أسير إلى جواره أسأله عن زوجته وأولاده وهجرته وأحدثه عن زوجي وأولادي، نسير صديقين يشكوان إلى بعضهما هموم الحياة. ثم أطرح عليه السؤال المر الذي أرقني: -لماذا أسأت فهمي؟ لماذا لم تقرأ ماوراء كلماتي؟ أظننتني حقاً تلك الفتاة العابثة التي تدعوها إلى بيتك؟. لماذا لم تعرف أنني أحببتك كل الحب ولكننا تعلمنا أن نخفي عواطفنا، كان قلبي غضاً نقياً وكنت أول حب وكان سؤالك المر أول الغصات. يعتذر إلي، أقبل اعتذاره، أسامحه ثم أسأله: -هل أنت سعيد في حياتك؟. يتأملني بنظرته الهادئة، يفكر قبل أن يجيب ثم يقول: -لو عشنا معاً كنا أسعد. يجب أن أتحدث معه، بيننا سنون طوال تمسح الأسى وتترك هذا الود الرقراق يسقسق في أعماق الروح. زمني الهارب عاد إلي، لن أدع هذه اللحظة تفلت مني. أسارع الخطى ثم أتمهل... عن أي زمن سحيق أتحدث، أولادنا أصبحوا شباناً وصبايا... أشعر بالخجل منه ومن نفسي... أطرق رأسي... أية فكرة حمقاء تلك التي راودتني. ولكن... لكن... يجب أن أسأله. أنظر أمامي فلا أراه، تجتاحني لوعة... لقد فقدته... إن لم أسأله الآن ضاع مني الجواب... أسرع... أصل إلى الناصية... أراه... أهتف باسمه. أقول له: -توقف بيننا مايجب أن يقال. هل انطلق صوتي؟ هل سمعني؟ لا أدري. أنظر إليه، قامة شامخة... تغيب في المنعطف. (1) الشرادق: المقاهي على ضفة نهر الفرات. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |