شواطئ الأحلام - اسكندر نعمة

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- حدّثني جدّي-

طرقتُ الباب بأدب جمّ... هكذا كان والدي قد علمني، متشدّداً عليَّ بآداب السلوك، وبشكل خاص عندما أدخل إلى غرفة جدي... تنحنح جدّي من الداخل، فهمتُ منه أنّ ذلك إذنٌ لي بولوج الغرفة، دخلتُ مبتسماً كعادتي، أغلقتُ الباب، ورحتُ أمسح المكان بعينين ترغبان في شيء ما.‏

كان جدي متلفعاً بعباءَته الصوفية الخشنة، يجلس متكوراً على ذاته في الزاوية المعهودة قرب الموقد... في جوف الموقد عدّة حطبات مشتعلة ترسلُ لهباً أحمرَ، وسحابةً من دخان أزرق تنتشر في فضاء الغرفة. وبضعُ جمرات كبيرة متوهّجة تتراكم في صدر قاعه.‏

عرف جدّي ما أريد، أشار إليَّ بيديه. كنت أريدأن أقبع في حضنه، أتلذّذ بدفء النار والعباءة الصوفية. فتح لي ذراعيه وشعّت في عينيه ابتسامة طيبة رائعة. ضمني إلى صدره، وشدَّ عليَّ بذراعيه وطرفي عباءَته الدافئة، وراح وجهي يغوص في كثافة شعر صدره و لحيته الكثّة البيضاء، متلذّذاً بحنانه الغامر ورائحة الدخان المنتشرة من ثيابه... بعد فترة قليلة من المداعبة التي كنتُ أتمنّى لها ألاّ تنتهي، رفع جدي عنّي طرفي عباءَته، ودفع وجهي إلى الأعلى بباطن راحته، وقال بصوته الجهوري الخشن:‏

-..إيه ياولد قل لي ماذا تعلّمتَ من دروس البارحة؟؟‏

أيقنت أن فترة الدفء والمداعبة قد انتهت، وأن جدّي قد باشر مرحلة الحصار... انفلتُّ بهدوءٍ من حضنه. جلستُ قبالته في الزاوية الأخرى، نظرتُ إليه، فإذا به يبتسمُ بعمق، حنيتُ رأسي. قلت له:‏

-.... البارحة... في درس التاريخ حدثنا الأستاذ عن فترة من الزمن أسماها "السفر برلك"...هكذا أسماها، لم يكن هذا الاسم موجوداً في الكتاب... قال لنا أشياء كثيرة عن " السفر برلك"... الجوع-السرقة- الاعتداء- الحروب- التشرد- الموت...‏

سكتُّ فجأة لأنني شعرتُ أنَّ جدي بدأ يتململ في زاويته ويُصلح من جلسته. نظرتُ إلى وجهه، فإذا عيناه تلتمعان ببريق وهّاج، وقد أخذ يداعب لحيته بأطراف أصابعه، سألني باهتمام:‏

-... وماذا أيضاً؟؟‏

قلتُ:‏

-لا... أذكرُ أكثر من ذلك...‏

هزّني جدي بهدوء من كتفي... قال:‏

-... وماذا يعرف أستاذُك عن السفر برلك!!... إنه لا يعرف إلاّ القليل.‏

سألتهُ:‏

-...وهل هنالك أكثر؟؟‏

تلمّظ جدي. حكّ أطراف لحيته البيضاء الأنيقة. قال:‏

-... هناك أشياء كثيرة.‏

قلتُ باندفاع طفولي:‏

- حدّثني عنها.‏

ابتسم جدي. احتواني بنظراته. قال:‏

-... اسمع يابنيَّ هذه القصة. فهي تلخّص كل السفر برلك. لم يخبرني عنها أحد، بل عرفتها وعايشتها.‏

نظرتُ إلى جدي بعينين متلهفتين. ردَّ على كتفيه طرفي عباءَته... غاضت ابتسامته الطيبة...قال:‏

-.....في مدينتنا هذه، وفي غمرة أيام السفر برلك. كان يعيش بيننا لصٌّ مشهور جداً اسمه "سليمان الازميرلي". كان قوياً، بطّاشاً، يزرع الخوف والهلع في قلوب كل أبناء مدينتنا. إلا أن "سليمان الأزميرلي" هذا، لم يكن يسرق البيوت ولا المحالَّ التجاريَّة، ولا يتعرض للأفراد في طريقهم، بل كان يسلب الجنازات... كان الموت منتشراً بكثرة في تلك الأيام، وكلما مرّت جنازة في طريقها من المسجد إلى المقبرة، كان يعترضها "سليمان الازميرلي".. يقف أمام النعش والمشيّعين، يصرخ بأعلى صوته، فيضع الرجالُ النعش على الأرض، ولا يسمحُ لهم بمتابعة طريقهم إلى المقبرة قبل أن يتقاضى منهم مبلغاً محدّداً يفرضه عليهم يتناسب مع مقام المتوفّى وأهله وذويه....وهكذا..‏

قاطعت جدي متوثّباً:‏

-... ألم تشكوه للحاكم آنذاك؟؟‏

ضحك جدي بعمق كبير حتى أذهلني، لاحَ برأسه، ثم تابع:‏

-.....وجاءَ يوم توفّي فيه "أمين الخزانة" في مدينتنا، وكان شيخاً جليلاً وقوراً، وكانت خزانته مترعة بالسبائك والأموال الطائلة... يومها، ذهب بعض الوجهاء إلى دار الولاية، وقابلوا الوالي فيها، وقالوا له:‏

-..... ياسيدنا الوالي، لقد مات الشيخ أمين خزائننا. فمن تعيّن لنا بديلاً عنه؟؟‏

أجاب الوالي بلا تردّد:‏

-..... لقد أصبح "سليمان الأزميرلي" أميناً للخزنة.‏

صُعق بعضهم، وابتسم آخرون، وانتهت المقابلة.‏

غادر الوفد دار الولاية، وأتّوا بيت "سليمان الأزميرلي" وأبلغوه قرار الوالي... قالوا له:‏

-..... لقد أصبحت أحد شيوخنا الكبار، وأمين خزائننا، قمْ معنا نصلِّ العشاء، وتهيّأ لاستلام مهمّتك منذ صباح الغد.‏

أطرق "سليمان الأزميرلي" برأسه، فكر قليلاً، قال لهم:‏

-.. لا.. ليس الآن. لن أستلم عملي في الصباح. سأرجئ ذلك لبعد غدٍ...‏

انصرف الجميع من بيته، وقد ساورهم اعتقاد أنه يريد غداً سلبَ الجنازة، وبعد غد يستلم أمانة الخزانة.‏

تلمّظ جدي من جديد. داعب بعض جمرات ماتزال تشعُّ في كبد الموقد الطينيّ. اتسعت ابتسامته في وجهي، وتابع:‏

-... في اليوم التالي، سار المشيّعون في جنازة الشيخ أمين الخزانة المتوفّى.‏

في منتصف الطريق بين المسجد والمقبرة، برز لهم "سليمان الأزميرلي" صرخ بهم، أذعن الجميع، وبدأت أيديهم تلوب في جيوبهم بحثاً عن المال لدفعه إليه. لكنّه رفع يده وقال:‏

-... أولاً... اكشفوا الغطاء عن الميت.‏

ففعلوا... قرّب فمه من أذن الميت المسجى في نعشه، وقال له كلمات قليلة، لم يسمعها ولم يفهمها أحد... وأمرهم أن يغطّوه ويحملوه ثانية ويتابعوا طريقهم.‏

كان الشوق لمعرفة النهاية يأكلني من الداخل، فصرخت بعبث طفولي:‏

-... ألم يأخذ منهم مالاً؟؟‏

ضحك جدي.. هزَّ رأسه، وأجاب:‏

-..لا.. لم يأخذ شيئاً، لقد سألوه: ألا تريد مالاً ياشيخنا...قال:لا.. لا أريد مالاً أبداً.. تبادلوا فيما بينهم نظرات حائرة..‏

قالوا له:‏

-.. لن نتابع سيرنا حتى تخبرنا ماذا قلت للشيخ الراحل.. أجابهم:‏

-.. قلت له.. يا أخي.. إنك راحلٌ من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، إلى دار الخلود... هناك ستلتقي الأبرار والصدّيقين.‏

قل لهم.."في تلك الدار الفانية أصبح "سليمان الأزميرلي" أميناً لخزانة الأموال...‏

سكت جدي وأطرق برأسه، وقد تلاشت كل ملامح الابتسامة والرضا من وجهه... ودون رغبة مني وجدتني أقف سريعاً وأقترب منه وأنا أحدّق فيه، سألته:‏

- ...وماذا بعد؟؟!!‏

ضحك جدي ضحكة شاحبة... وقال:‏

-.. ألا يكفي يابنيّ؟!!‏

قلتُ له:‏

-.. سأحكي هذه القصة لأستاذنا فهو لا يعرفها.‏

صمت جدي قليلاً، احتواني بنظرات حنونة، وامتدت ذراعاه نحوي، وضمّني من جديد إلى صدره الدافئ... وراحت أصابع كفّي تعبث بسرور وتتجوّل في ثنايا شعر صدره ولحيته الكثّة...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244