|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- حالةُ خوف- " لا يمكن للكاتب أن يكتب أدباً عظيماً إذا كان خائفاً...". مكسيم غوركي. ظلّ يقفز على ساق واحدة. خال الفترة زمناً طويلاً، يوماً بأكمله. أنهكه التعب، لسعته كرات العرق اللزج وهي تتدحرج على ظهره وخدّيه وعينيه. ساعة من القفز المتواصل وهو يسند ساقه اليسرى بإحدى كفيّه. كان يخشى ارتطامها بالأرض. الألم المضني ينهش جوفه وأعصابه، وصل أخيراً... بوّابة كبيرة زينتها لافتة أنيقة: مشفى المدينة الكبير. عبر البوابة، وجد نفسه في بداية الممّر الطويل للمشفى الكبير...داخلَهُ شيءٌ من الاطمئنان، تابع القفز على ساقه اليمنى داخل الممر. ومنه دلف إلىردهاتٍ فسيحة. كان يلعق كلَّ ماحوله وأمامه بنظرات عقابية حادّة. يريد أن يصل، أن يضع حدّاً لآلامه التي تفترسه من الداخل. نظراته تزداد عمقاً، وآلامه تشتدّ حدّة... سيطر عليه يقين قاطع بأن، الحالة الذئبيّة تفترش المدينة بكاملها، موجودة في كل مكان... ترى...هل أن شعوره هذا هذيان أم حالة خوف؟؟!!... امتصّت هذه الحالة شيئاً من آلامه. لم يعد يحسُّ بوطأة الألم المتصاعد من ساقه اليسرى. ألحَّ عليه إحساسه بالحالة. وجد ذئاباً منتشرة في جنبات المستشفى، تمتطي متن مقاعد الانتظار، وأخرى تتجوّل في الأروقة بكبرياء وتعالٍ... في زاوية مكشوفة كانت بعض الذئاب تلعق شفاهها بألسنة مخيفة، وتنشر في الجو نظرات حمراء... في زاوية غير مرئية تماماً شاهد الجريحُ ذئبين يُشبعان غريزتهما متمهّلين، غير آبهين بشيء. تصاعدت حالة الخوف أكثر. غلت مراجلُه. سلقته من الداخل، ففجّرت فيه آلاماً جديدة... شعر أن ساقه اليسرى تنفصل عن جسده وتشعل في قلبه إحساساً بالانزياح. ضغط عليها بكفه اليمنى بشدة علَّ آلامها تفتر قليلاً. وجد أن الدمَ النازف قد شكّل خطوطاً جافة، والجرحَ قد فغر فاه وتهدلت حوافيه إلى الجانبين، بينما بدأ الورم يزحف باتجاه الأعلى. افترسه الخوف بقسوة، وراح يلوب بعينين حادتين. تابع القفز على ساقه اليمنى، اقترب من باب مفتوح بعض الشيء، استند إلى الجدار، دفع الباب الخشبيّ بيده الطليقة، وهو غاطس في أمواج الحالة الذئبية الماثلة... جاءَه صوت أجشّ كأنه يصدر عن قاع بئر عميقة، تلفّت حوله، لم يجد أحداً، فتح الباب بأكمله ودلف إلى الداخل، كان المكان خالياً إلا من رجل هزيل غائر العينين، يرتدي صدّارة بيضاء، تتدلّى من عنقه سمّاعة طبيّة... أيقن أنه الطبيب، وأنه صاحب الصوت الأجش. أخذ يقفز نحوه وهو يمسح المكان بنظرات مضطربة، لاحظ آثار الدّماء تعتلي صفحات المناضد والكراسي المبعثرة... بعد صمت مريب، اقترب الرجل المتواري في مريلته البيضاء، أبعد اليد اليمنى عن الساق الجريحة، طوّحت الساق في الهواء. تهدلت حوافي الجرح أكثر، وانكشفت عن بؤرة بشعة المظهر.. جسَّ الطبيب الساق بقرف، تأفف بعنف، هزَّ رأسه، نظر إلى الجريح، أجرى له الإسعاف الأولي اللازم. وقال له بلغة الآمر: -... نريد ضبط الشرطة. -... ماذا؟!! -.. ألا تسمع. أريد ضبط الشرطة عن الحادثة. فوجئ الرجل بشيء لم يكن يتوقّعه. تجذّرت مخاوفه وتورّمت أكثر، سقط في بئر سحيقة مظلمة. ندّت عنه صرخة... -.. أية حادثة تعني.. إنها نهشة ذئب شرس!! -.. لا يهم.. أنت أمامي جريح فحسب. تراجعت آلام ساقه، أحسَّ أن جرحه بدأ يضمر، وأخذ جسده ينزف ألماً آخرَ أشدَّ قساوة وبشاعة.. لم يدر حقيقة هذا الألم، أهو خوف من الذئاب، أم من الشرطة، أم من الموت جرّاء جرحٍ زرعَ في جسده الدّاءَ والتلوّث والتسمّم.. راح يهلوس: "لاشكَّ أن الذئب مريض، بل كلُّ الذئاب مريضة.. مرضُ الذئبيّة معد وخطير على الإنسان والحياة... يكفي أن يضغط الذئب بأنيابه الحادة حتى يزرع بذور داءِ الذئبيّة في الجسد المدمى... من سمات الذئاب السرعةُ والغدر والجرثومية... كنتُ ساعتئذٍ أسير هادئاً مطمئناً على ضفّة نهر ظليل، أسرح مع الحياة والنسيم الرقيق والأغصان المورقة ووشاح بدء الليل، أشمُّ عبير الأرض والأصالة بعيداً عن كوابيس المدينة وصخب الإنسان وتجهّمه، عندما تناهت إلى مسامعي أصواتٌ مبهمة فيها كثير من اللهاث والفحيح.. انتشلتُ روحي من الصمت النوراني، والتفتُّ كردِّ فعلٍ نزق، فإذا بي أمام كتلة لم أتبينّها بادئ ذي بدء، ونار حامية مدبّبة تخترق عضلة ساقي اليسرى.. عندما أدركتُ الموقف، ولَّى الذئب هارباً، وظلَّ الألم الساخن ينزف دماً، يغسل ساقي ويبلّل جوربي وحذائي... الغدر والاعتداء سمة الذئاب. والخوف من الذئاب وتقارير الشرطة سمتي الخاصة... وأنا أتقلّب بين الغدر والخوف والمشفى". زجره الطبيب، فردّه عن هلوسته التائهة.. استفاق وسدَّدَ نظراتِه إلى الطبيب... أصرَّ الطبيب على موقفه منه. صاح به: "أنت جريح.. أريد ضبط الشرطة.". لفظه المشفى من بابه الخارجي، راح يقفز على ساق واحدة، ويحمل الساق الثانية بكفٍّ متعبة.. مزّقته الهواجس. تلاعب به الخوف. طارت به تداعيات مبعثرة: "ترى.. أيَّ شرٍّ اختار.. أأذهب إلى الشرطة وأتعرُّضُ لورطة غير مأمونة، أم أقصد البيت؟؟". دارت به الأرض وقد ابتعد عن باب المشفى قليلاً: "الشرطة.. الشرطة. ترى، هل أضمن عودتي، أم سأنزلق في متاهات أخرى.. لا.. سأقصدُ البيت.سأحمل ساقي وأذهب إلى حنان زوجتي الطيبة، وأولادي الصغار،وأشدُّ على الجرح خرقاً بالية. وليكن مايكون... ولكن، ماذا سأفعل بداء الذئبية الذي تسلل عبر الجرح إلى دمي وجسدي. إنه داءٌ مميت، وإن لم يكن مآله الموت فلابدَّ أن يسيطرَ عليَّ الداءُ ويمنحني سِماته. الغدر. والعدوان. والشراسة. قد أحتمل المرض أسابيع بل أشهراً، إلاّ أنه لا بدَّ سيخمد أنفاسي ويزهق روحي.. لا هذا أمر فظيع جداً ونتائجه وخيمة.. سأذهب إلى الشرطة علَّ الأمور تمر بسلام وأحصل على ذلك التقرير.. تباُ لك أيها الطبيب. لو أنك عالجتني لأنقذتني من شباكٍ كثيرة". توقف عن القفز على ساقٍ واحدة، حمل ساقه الجريحة بكفّه وأسند ظهره إلى الجدار. سقط عليه التعب دفعة واحدة. استسلم للجدار وأغمض عينيه جرفه سيل من التصورات والتداعيات الباهتة: "ولج باب قسم الشرطة أيقظهم ضجيجٌ وصخب القفز على ساق واحدة. قابلوه بأفواه متسائلة ونظرات بلهاء.. "أريد تقريراً بالحادثة". -.. اسمك؟ - .. محمود عبد القادر. - سكنك؟ -.. الحي الشرقي، خلف الجامع الكبير. -..عمرك؟ - ثلاثون عاماً. - عملك؟ -.. بائع متجول. - .. من ضربك على ساقك هذه؟ -... لم يضربني أحد.. لقد هاجمني ذئب مريض. -.. وما أدراك أنه مريض؟ -.. كل الذئاب مريضة بداء الغدر والوحشية. - هل لديك مايثبت ذلك؟ -.. لا ياسيدي، ولكن هذا أمرٌ معروف. -.. وكيف سنتأكّد نحن من صحة ماتقول؟ -.. لا أدري. -.. لنفترض أنه مريض!! -.. نعم. -.. من أية جهة هاجمك الذئب المزعوم؟ -.. لستُ أدري. كان الوقت في بدء الليل، فلم أتبيّن وجهته. -.. هل تبين لنا صفات الذئب الجسدية، وكيف حصلت الواقعة؟ -.. سيدي.. الذئاب متشابهة في كل زمان ومكان، وقد كان الوقت -كما قلتُ لك- ليلاً.. فقط شعرتُ بنار حامية تخترق ساقي اليسرى، وبذئب ضخم يولّي هارباً... نظر أفراد الشرطة إلى بعضهم وانفجروا بضحكات هستيرية مستهزئة"... أفاق من تداعياته. كان مايزال مستنداً بظهره إلى الجدار، وكفُّه اليمنى تحتضن ساقه اليسرى وتضغط على الجرح المفتوح، الناسُ يروحون أمامه ويجيئون، يُلقون إليه نظرات حيادية أحياناً، متسائلةً أحياناً أخرى. توحّد مع آلامه. نسيَ النار التي تنهش أعصابه وجلده. اتّخذ في داخله قراراً سريعاً، وراح يقفز على ساق واحدة عبر طرقات متعرّجة.. المسافةُ التي تفصله عن منزله بعيدة.. سأل نفسه: -.. وماذا عليكَ أن تفعل؟؟ -.. سأضغط الساق الجريحة بكفيَّ المعروقتين. سأضغط وأضغط حتى تتفجَّر العروق وتتفصَّد الدماء وتسيل في كل الاتجاهات.. عندئذٍ أطمئن أنني قد طردتُ من دمي وجسدي كلَّ بقايا داء الذئبية قبل أن تتأصَّل وتحوِّلني إلى مخلوق له كل سمات الذئبيّة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |