|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الخروج من طقوس الحلم- كيف حصل ماحصل، لا يذكر أبداً، كلُّ ما يعرفه أنه وجد نفسه في دوّامة من الانفجارات ودويّ القنابل الرعناء. ستُّ سنوات دفنها نعيم في جوف الغربة، في العاصمة البريطانية. عاد بعدها يطرق أبواب القدس مُثقلاً بالبرامج والهموم، يحمل في حقيبته شهادة مهندس ميكانيكي. لعل المهندس المُحدث كان يحدسُ بأن شهادته ستبقى طيَّ الحقيبة، يدفعه إلى ذلك التخمين يقين راسخ.. هكذا قالت لي خواطرُه، وأنذرته مشاعرُه. طوت رياحُ الحياة أشرعةَ الغربة، وعاد نعيم أدراجه نحو الوطن، إلى القدس، المدينة التي أحبّها بلا حدود. الصورة ذاتها. لاجديد فيها. إنها ترتسم في مخيّلته.. قال له والده: -.. انتظرناك طويلاً ياولدي.. واختنق الكلام في حلقه.. وقالت له أمّه والدموع في عينيها: -.. أنت الآن ربُّ الأسرة وعمادها. انظر. والدك العجوز. أخوتك الصّغار. وتعثّرت كلماتها بالدموع المرّة. وخزتْه نفسُه من الداخل. كان كل ماحوله يُنذر بالمأساة. غطّت ملامحَه ابتسامةٌ شاحبة ساخرة. أشاح بوجهه. لقد تأزَّمت روحه بين صورتين: الوطن المنكوب.. والشهادة المطويّة بإتقان في ثنايا المحفظة. تضعضع كيانُه بين الصورتين. هدّه التناقض الأليم، هرب بنفسه من واقعه، وتاه في دروب مسدودة. أغمض عينيه على صور نازفة متتابعة. توقّف شريط الصّور الصّامتة، ارتسمت في خبيئته لوحات أليمة مُرعبة. لطمت عينيه حزمةٌ من ضياء. حاول أن يهرب منها، رفرف بجفنيه، لم يجد ملاذاً.. في كل الاتجاهات كان يقرأ كلماتٍ من نور تملأ صفحات الأفق. طمأنته تلك الكلمات، وساقته خواطرهُ المشحونة بالرضا والألم إلى شرفات عالم هلامي متأرجح. التفت حوله بذهول مُريع، لم يجد أحداً. كان الجوُّ من حوله يفرز ظلاماً مقيتاً. هالتهُ وحدتُهُ، استنجد بأمّه وأبيه، صرخ ملء صوته. ارتدَّ إليه الصّدى. حاول أن يستمدَّ من الموقف شجاعة، خفَّف من حدّة أنفاسه المتوتّرة. التفتَ إلى كل الاتجاهات.. تساءَل: "كيف سقطتُ في هذا الظلام الطائش؟؟" جمد كأنه تمثال من حجر استسلم لسباتٍ موغل في الصّمت. حملته أحلامٌ لولبيّة رعناء قذفت به بعيداً. تساءَل: "غريب!! ماذا يجري؟!" تلاشى الظلام دفعة واحدة. سيطر نورٌ مبهر، غطّى عينيه براحتيه:"ماهذا؟!! أقصُّةٌ من قصص الأساطير؟ أحلمٌ؟!.. لا...لا.. أنا في يقظة تامة. أيّةٌ يقظة هذه!!.." نظر إلى جسده، وجده عارياً، ليس كعري الأطفال.. امتدَّ أمامه بحرٌ لا نهاية له، أخذ يتوغل عبر المياه الدافئة مُخلّفاً وراءَه شاطئاً رملياً واسع الامتداد. على صفحة المياه الزرقاء ارتسمت أمامه شهادة المهندس تتيه بحروفها الكبيرة اللامعة.. مدَّ يده إليها بحنان، فاجأته موجة صخّابة عاليه. سقط في جوف الموجة. تصوّر أنّه قد تغلّب عليها. البحرُ كلّه انقلب إلى سلاسل من الأمواج الشرسة، راح يتخبّط في طيّاتها. شهق، صرخ. تحشرج. تقيّأ... الأمواج تبتلعه وتُسلمه الواحدة إلى الأخرى. غاب نعيم في أعماق الموج، أيقن أنه يتدحرج نحو الموت سريعاً... قبل أن ينطفئ عود الثقاب، أومضت في ذهنه المكدود رُؤى متداخلة: القدس، والده. إخوته. الوطن. المستقبل. شهادة المهندس. صفعهُ صوتُ والده العجوز: "انتظرناك طويلاً ياولدي". مدّ يده نحو مصدر الصّوت، يريد أن يمسك يدَ والده فيقبّلها. كانت يده تعبثُ في سياط الأمواج. استسلم للمصير الأسود. وراح يدخل تدريجيّاً في طقوس موت فجائيّ. أطلقها ضحكة مُجلجلة.. "آهٍ. ما أجمل الانتصار. ماأحلى الغلبةَ. لقد قهرت الأمواج". البحرُمن حوله ينبسط كما كان وديعاً هادئاً. أشعّة الشمس تمرّغُ شفتيها على صفحته الساكنة. وهو يخطو خطواته الأخيرة نحو الشاطئ الرمليّ الذي فردَ له جناحيه. راقه جداً أن يتغلب على الموت، وراح يبني أحلاماً في عالم المستقبل الجميل. نظر إلى البحر باستخفاف. سخر من أمواجه المهزومة. إلاّ أنه أحسّ أن الشاطئ الذي يستدفئ برماله يضيق من حوله. يضيق ويضيق. النور المبهر يتراجع خلسة. سقط فيما يشبه العتمة. فرك عينيه بعنف ونظر إلى الأعلى. شاهد جدراناً أربعة تنبت حوله يجلّلها سقف اسمنتيّ. ابتسم ببلاهة: "عجيب!! كيف تبخّرت مياه البحر!! كيف حلّت محلّها هذه الغرفة الأنيقة!!". في أحد زوايا الغرفة، كان يجثم مكتب ضخم عليه كثير من الكتب والمخطّطات، وعلى ناصية المكتب قطعةُ خشب صقيلة، حُفر عليها بالعاج والصدف وبخط واضح عريض: "المهندس الميكانيكي نعيم المقدسي.. ضحك ملء شدقيه. اعتمر قلبهُ بفرح طفولي غامر. امتطى صهوة كرسيٍّ دوّار تقبع خلف المكتب. قذف ظهرَه إلى الخلف. وأغمض عينيه. تاه في سراديب أحلام مستقبليّة مُشرقة، وحياة رافهة وأيام سعيدة. صرخ هامساً: "أبشر يا أبتاه. سأنتشلك وأمّي وإخوتي من مستنقع الفقر الآسن.". *** استمرأ نعيم هذه السعادة الهابطة. غاب بعيداً. تذكّر أنه رهن طقوس الموت منذ زمن بعيد. تساءَل بعذوبة: "أتحصل مثل هذه السعادة. في عالم الموت.".. أبداً لم يسمع نعيم أيّة طرقات على باب الغرفة. لم يستأذنه أحد. لم يعكّر عليه خلوته وأحلامه أيّة أصوات ناشزة، لكنه استفاق متمهلاً على أصوات ضحكات هادئة تقترب من أذنيه. إنّه مايزال يمتطي متن كرسيّه الدوّار. فتح عينيه ببطء. حلّت ملامح الذهول والدهشة محلَّ بريق السعادة المتدليّة من حدقتيه. ياللغرابة.. ماذا أرى؟؟ صعق نعيم حين رأى فارساً مهيباً يمتطي صهوة حصانه الضخم، يقترب من مكتبه الجميل، جأر نعيم بأعلى صوته: "من أنت؟؟ وكيف وصلت؟! كيف مرق حصانك من الباب الصغير؟! ماذا!! ترجل الفارس بهدوء. اقترب من نعيم باحترام كبير. ألقى التحية بكلمات رجوليّة مقتضبة. قال: -.. أنا سعيدٌ بقدومي إليك أيها المهندس الكبير.. أنا أبو محجن الثقفي. وهذه الفرس البلقاء. وهذا سيف سعد. سأل نعيم والحيرة تأكله: -.. أبو محجن!! وما الذي جاء بك يا أبا محجن؟؟ ابتسم الفارس ابتسامة يشوبها الألم. قال: -.. جئتُ من مفارق الزمن البعيد. طفتُ كثيراً في شرفات هذا الزمن الحديث. شعرتُ بغربتي. خفتُ على كرامتي. آثرتُ العودة وحيداً حيث كنت. لم أجد غيركَ إنساناً أأتمنه على سيفي وفرسي... انحنى الفارس بأدب جم وأخذ ينسحب مع حزمة النور القادمة من النافذة العريضة: انقضَّ نعيم بعنف نحو النافذة. صاح بملء صوته. -.. أبا محجن.. أبا محجن.. لا تتركني وتذهب. فأنا في أمسِّ الحاجة إليك. ارتدَّ إليه الصَّدى جافّاً. سقط في الخيبة. دار حول نفسه عدة مرّات. كاد يسقط على الأرض، لولا أن يده التائهة وقعت على عرف البلقاء، فتماسك واستند إليها. *** جمحت البلقاء بعنف في مكانها. أطلقت صهيلاً هزَّ أرجاء القاعة. هبَّ نعيم من رقدته كالمجنون. كان وحيداً في الغرفة. لقدخرج أبواه. وحيداً في غرفة بائسة مع أحلامه وآلامه التي خرّبته من الداخل وإلىجانبه محفظة مُغلقة على أسرار كبيرة تتوسّد حشية مهترئة مطروحة على الأرض. بعصبيّة مُرعبة مسح نعيم أرجاء الغرفة البائسة. لم يجد فيها أحداً. كاد يصرخ بهلع: "أبا محجن.. البلقاء".. خانته حنجرته الجافّة. خذلته اليقظة. استسلم لواقعه. قرّر أن يتخلص من أحلامه وصداعه إلى الأبد، وأن ينتصر على هواجسه القاتلة. هتف من أعماقه بصلابة: "سأدخل طقوس الموت من جديد.. لبيّك يا أبا محجن.. لن أتخلّى عن سيفكَ وفرسك". وعندما استفاق نعيم من طقوس الموت المجّاني الحالم، وغادر بيته. كان شارع السوق الرئيس في القدس يحمل على شفتيه ابتسامة طيّبة هادئة، تختزن في ذاكرتها أزيز الرّصاص ودخان القنابل، لتستقبل كل الّذين هزّتهم الصحوة، وتخلّوا عن أحلامهم المجانيّة... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |