|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لوحاتٌ دامية * الحب والفقر ... كان يسير وحيداً ذاهلاً. العيون لم تترك شبراً في جسده، إلا وثقبته بسهامها الحادّة. خطواته تتعثّر، يحاول أن يصلحَ من مشيته، تمتدُّ نظراتُه باحثاً عن شيءٍ ما، تخترقُ الأفق... الساعة تشير إلى الصفر... النهرُ يتدفقُ بقوّة جرّاء ذوبان الثلوج. أنعشته نسيمات الهواء الباردة القادمة من أعماق الجبل القريب. خفّفت بعض إحساسه بالفقر المدقع.. الغيوم تغطّي بقعاً كبيرة من صفحة السماء اللا نهائية. نجوم تبعثرت في كل مكان فيها. عقارب الساعة تبتعد عن الصفر... سحبٌ من دخان متداخل، تشكّل لوحة تشكيلية مبهمة في الفضاء... ينتظرها بصبر يكاد ينفذ، ينظرُ في كل الاتجاهات، وخزَهُ الفقر بلا رحمة. بكى داخلُه.. لاحَ شبحُها من بعيد.. كانت نظراتها تلوبُ باحثة عنه.. اقتربت. شعرها الذهبيّ تداعبه نسمات الهواء المنعشة.. اقتربت أكثر. زغردت نبضاتهُ لها.. نظرةُ حزن تسكن عينيها. وقفا وجهاً لوجه.. دمعتان ساخنتان تحملان أسراراً كثيرة. كفكفهما بأصابعه. دون أن تتفوّه بكلمة واحدة، رفعت يدها اليمنى أمام عينيه. لمع شيءٌ مافي إصبعها حَنَتْ رأسَها نحو الأرض، رفعتهُ الدموع تتساقط من عينيها. تسمَّرَ في مكانه، بدأ يغوص في دهاليز معتمة باردة، حتى أصبح ظلاًّ في اللّوحة التشكيليّة المبهمة. *.. الفرح.. في درس التعبير. سأل التلميذ أستاذه قائلاً: -..حدّثنا عن الحريّة يا أستاذ. ابتسم الأستاذ ملء عينيه، عبَّ نفساً عميقاً، حدّث تلاميذه بإسهاب عن الحرية. حملقت عيون التلاميذ، وقد التمع فيها نورٌ وضياء وأسئلة كثيرة... وقف أحدهم وقال: - ألا تحدثنا عن الفرح يا أستاذ. ابتسم الأستاذ ثانية، نظر إلى ساعته، قال: - سأحدثكم عن الفرح في درس الغد. في الغد، انتظر التلاميذ كثيراً، فلم يأتِ الأستاذ. انتهى اليومُ المدرسي ولمّا يأتِ الأستاذ... أيقن التلاميذ بحسِّهم المتوثِّب، أن الفرح أصبح أيضاً في قائمة الممنوعات... *... الدّرس.. استيقظَ من نومه باكراً كالمعتاد، ارتدى قميصه الصوفيَّ، وحزم خصره وساقيه ببانطلون الجينز العتيق. هرول بسرعة إلى الفرن القريب. أحضر حُزمةً من الخبز الطازج. جثا إلى جوار أمّه على البساط العتيق. ازدرد كأس الشاي الساخن وبضع لقيمات من الخبز والزيتون الشهيّ. كان يمضغ طعامه ببطءٍ شديد. نظرت إليه أمّه. نبّهتهُ بحرصٍ ولهفة:"ستتأخر عن المدرسة"... نظر إليها بودٍّ وتصميم: "لن أذهب اليوم إلى المدرسة. بل لن أذهب بعد الآن". صُعقت الأمّ. فغرّت فاها... لماذا؟؟!!. لن أذهب.. لن أذهب.. هزّته بعنف من كتفيه. صاحت به: ماهر.. ماهر.. ماذا أصابكَ!! قبل أن يُقتل والدك أوصاني، وكأنه كان يعرف أنه سيموت... أوصاني بحزم شديد:"إيّاك أن يترك ماهر المدرسة، علِّميهِ إلى أعلى المراتب...". "لن أذهب يا أمّي. البارحة طردني المعلم لأنني لم أحفظ درس "اللغة العبريّة". ولم يكتفِ بذلك. أحالني إلى مدير المنطقة حيث صفعني بحقدٍ وشراسة". تجمّدت الأم في مكانها كجذع شجرة عتيقة. امتلأت عيناها بالدموع. استدار ماهر، نظر إلى صورة أبيه المعلّقة على الجدار، هزَّ رأسه وكأنه ينطوي في داخله على نوايا كثيرة. لم ينبس بكلمة واحدة. كأشعّة الشمس تسلّل من البيت دون أن يشعر به أحد. *.. قِفْ.. قِف.. تمدَّدَ في أرض البستان في ظل شجرة وارفة، احتضن بين كفيّه شيئاً ما. الربيع في قريته الجولانية يبعث نسيماً عليلاً يدغدغ الأعصاب. أسدل جفنيه لنوم عميق، راح يرجع الماضي البعيد والقريب، وقف ينتظر قطار الأحلام القادم من الماضي.. القطار محمّل بأحلام الطفولة والشباب... دخلَ الغرفة بعد أن رجع من المدرسة على غير عادته، رمى كتبه على الطاولة، بنزق أخذ يبعثر الأشياءَ بيدٍ ويرميها باليد الأخرى، تناهى إلى سمعه صوتُ أمّه القادم من قاع المنزل منادياً: -.. ماذا تفعل يا حسان؟... - .............. يتابع نبشهُ عن شيءٍ ما داخل الصندوق. كلُّ مافي الصندوق من مخلّفات والده.. وقعُ قدميْ أمّه يقترب من الغرفة، يقترب أكثر، تمسكه من يده وقد هالها مايفعله، تشدُّه بقوّة، يلتفت إليها والدموع تغسل خدّيه... تخفض الأم رأسَها ببطءٍ، يخرج صوتُها من حنجرتها دافئاً خافتاً: -.. لماذا تبكي!! عن أيٍّ شيءٍ تبحث؟؟ -... أبحث عن مسدّس أبي.. لقد طردوني من المدرسة لأنني رفضتُ أداء التحيّة "للعلم الإسرائيلي". ليست المرة الأولى.. لن أحييّهِ أبداً.. أمسك بالمسدّس وراح يجري على طول الشارع المبلّل بالمطر المتساقط خفيفاً، يركض باتجاه بيت مدير المدرسة اليهودي. أصوات خفيفة تصله من الخلف: قف.. قف.. لم يأبه بالأصوات. طلقاتُ رصاصٍ تتبعه. ينعطف بسرعة جنونيّة نحو المنزلٍ.. يطلق الرصاص على المدير اليهودي.. يسقط يقتله... ثم يخرج مبتهجاً إلى مكان مجهول.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |