شواطئ الأحلام - اسكندر نعمة

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

في المقهى

أيقظني من شرودي، رنين جرس الهاتف المتواصل، مددت إليه يداً كسولة، رفعت السمّاعة وهتفت بهدوء جمّ. كان صاحبي على الطرف الآخر، رحّبت به بحرارة، سلّم عليّ بمزاحه وهرجه المعهودين. قال لي:‏

-منذ فترة غير قصيرة لم نلتق. لقد أعدّ الجميع عدتهم للسهر هذه الليلة.‏

عاتبني صديقي لأجل ابتعادي عن الجماعة، وتواعدنا على اللقاء في ذلك المقهى الذي اعتدنا أن نلتقي فيه بين فترة وأخرى.‏

تحلّق الجميع حول مائدة مستديرة واسعة. كانت هناك وجوه أليفةٌ أعرفها، وأخرى لاعهد لي بها. استغربت جداً أن يرين صمتٌ واخزٌ على جلسة الجماعة، على الرغم من أن الاشتياق لمثل هذا اللقاء يعتمل في نفس كل واحد منّا.‏

مزّق ستار الصمت رجلٌ كان يجلس في الجهة المقابلة لمقعدي. لم أكن أعرفه سابقاً. سأل بتوتّر حاد:‏

-هل عرفتم ماذا حدث؟؟‏

ردّ الجميع بصوت موحّد.‏

-ماذا؟؟ ماذا حدث؟؟‏

أجاب السائل بسرعة، وقد خفض صوته قليلاً، وحنى رأسه، ورفع حاجبيه:‏

-عبد المعين... لقد قطع أشجاره العملاقة كلّها، أشجاره التي كانت تملأ رحاب بستانه الكبير. اجتثّها من نقطة تماسّها مع الأرض، لم يترك واحدة منها.‏

انفجر الجميع ضاحكين أول الأمر، ثم توقفّوا عن الضحك فجأةً. سيطر علينا الصمت الواخز من جديد، وغرقنا كلنا في بحرٍ من التأمّل والذهول. ودون رغبة منّي، ارتسمت على وجهي علامات استفهام كبرى. لم أكن أعرف عبد المعين هذا، إلا أنني لم أجرؤ على السؤال عنه خوفاً من اتهامي بالانعزالية والتقوقع.‏

أحد المتحلّقين حول المائدة المستديرة، وهو شاب متحمّس كما تدل عليه ملامحه سأل مستنكراً:‏

-ولكن... كيف حصل ذلك؟؟ ولماذا؟؟.. هذا أمرٌ خطير جداً.‏

قطّب الجميع مابين حواجبهم، هزّوا رؤوسهم موافقين.‏

إلاّ أن أحد الجالسين، وكانت سحنته تدل على أنه أكثر حكمة، وأعمق تجربة من سواه قال باتّزان ورويّة:‏

-لاتتسرعوا في إصدار الأحكام، فالأمر على الرغم من خطورته، يعود لأسباب كثيرة قد لانتمكّن من إدراكها الآن.‏

سأله أحد الجالسين متلهفاً:‏

-ماذا تقصد؟؟.‏

أجاب ذلك الذي يتصنّع الحكمة والمعرفة:‏

-الأمر ليس بمثل هذه البساطة. إنه يتوقّف على معرفة ظروفٍ وملابساتٍ كثيرة... فكي نصدر حكمنا، علينا أن نتأكد بصورة واضحة، إن كان عبد المعين يملك ذلك البستان أم لا. وإذا كان يملكه فعلاً، فما مصدر ملكيته له. هل آل إليه شراءً أم ميراثاً، فإن كان ميراثاً، فهل هناك شهادة وفاة ووثيقة حصر إرث قانونية أم لا... وهل يشاركه فيه إخوة أو أقرباء، أم أنه ملك خاص له... أما إذا كان قد تملكه شراءً، فهل هناك مايثبت أن البائع كان يملك البستان قبله ملكية خالصة لا تحوم حولها الشبهات. وهل أن عبد المعين اشترى البستان بأشجاره الكثيرة العملاقة عن طريق مالٍ حلال أم حرام. وهل أن عبد المعين اجتثّ الأشجار لتحقيق منفعة خاصة أم عامة أم لهواية نفسيّة تتعلّق بعدائه للأشجار الشامخة الخيّرة، أم.. ماذا؟؟.. وأخيراً هل أن عبد المعين ذبح الأشجار لقناعة في نفسه أم في أنه كان مرغماً على مافعل...‏

ازدرد الرجل الذي كان يصطنع الحكمة والوقار لعابه، وخفت من حدّة صوته، وتابع بما يشبه الهمس... وأهمّ من كل شيء، علينا أن نعرف ماهو موقف الأشجار من هذه المذبحة الجماعية، وهي تنظر إلى دمائها تسيل على جذورها.‏

شهق الجميع. ساد بينهم لغطٌ وهرج. تزحزحت الطاولة المستديرة عن مواقعها قليلاً، أصدرت صريراً سريعاً وحاداً، رفع أحد المتحلّقين رأسه بحماسة واضحة، مسح وجوه الجميع بنظرات جادّة، تساءل وهو يلعق شفتيه:‏

-ماهو السبيل لمعرفة الحقيقة؟؟ وكيف نتبين كلّ ذلك؟؟.‏

أجاب الرجل الحكيم وقد علت وجهه ابتسامةٌ باهتة:‏

-ألم أقل لكم، إن القضيّة متشعبة الأطراف، وليست بالبساطة التي تتصورون.. ردّ الشاب المتحمّس:‏

-ليس هناك من حلٍّ سوى أن نسأل الأشجار ذاتها، بعد أن استلقت على الأرض، فنعرف منها أسراراً كثيرة.‏

سيطرت عليّ دهشةٌ طائشة جداً. اندفعت نحوه صارخاً:‏

-وهل هذا ممكن؟!! هل يمكن أن نسأل، أشجاراً مقطوعة؟؟ هل يمكن لشجرة أن تتكلم؟؟‏

تدخّل صاحبي، وكان يجلس إلى جواري، أجابني بمايشبه الهمس:‏

-لاتستغرب أبداً، فكل مايجري حولنا يجعل أيّ شيء ممكناً مهما كان غريباً... ثم غمز بعينيه، وأردف بكلمات ممطوطة...: نحن الآن في زمن الغرائب والعجائب.‏

رفع الجميع رؤوسهم، ثم ضحكوا ببلاهةٍ متراخية.‏

***‏

شعرت بالتمزّق جرّاء هذا الكلام، ركبني دوارٌ من الضّياع والتشتّت. بدأت أحسّ أن قاعة المقهى الواسعة أخذت تضيق وتضيق، تكاد تطحن رأسي بين جدرانها العالية، سيطر عليّ صداع أليم، تحوّلت القاعة إلى بئر عميقة لاقرار لها. جوٌّ خانق من العتمة والرطوبة تتماوج فيه حلقات الدخان الأزرق، تتلاشى حيناً وتتكاثف أحياناً أخرى...‏

بدت لعينيّ الزائغتين صور متداخلة الألوان والملامح، متنافرةٌ أول الأمر. لكنها أخذت تتجمّع في شكلِ صورة واحدة تحمل وجه وحش مفترس رماديّ اللون.. حدّثت نفسي بألم عميق.. آهٍ.. كم أكره الألوان الرمادية.. ألوان بلا رونق ولاهويّة.‏

أيقظني صاحبي من هواجسي، لكزني في خاصرتي بلطفٍ أعهده فيه، قال لي مدارياً أن يسمعه أحد:‏

-مابك ساهماً هكذا... اضحك كما يضحك الآخرون، وإلا فسوف يضحكون منك.‏

ضحكت بلا سبب يستدعي الضحك، ملأتني من الداخل خاطرة هبطت عليّ بغتة... أيجب علينا أن نضحك لأن عبد المعين اجتثّ كلّ أشجاره العملاقة المثمرة.. قلّبت كفيّ تعجّباً.. مال عليّ صاحب المقهى بجسده الضخم، وكان قد انضم إلى الحلقة منذ لحظات.. قرّب رأسه منّي وقال:‏

-شرّفتنا ياأخ...‏

نظرت إليه ببلادة، لم أكن أدري، هل كان ترحيبه صادقاً أم ممالئاً، أم ماذا. لم أشعر بالارتياح إليه، أزعجتني ملامح وجهه المحنّطة، أشحت بوجهي عنه، لم أفه بكلمة واحدة، اعتدلت في جلستي، مسحت وجوه الجالسين حولي بنظرة ثاقبة، قلت:‏

-لسنا الآن في مجال الترحيب. هناك قضيةٌ مثارةٌ على جانب من الأهمية:‏

كيف السبيل إلى سؤال الأشجار، أكانت موافقة على أن تجتثّ، أم أنها قطعت عنوةً وقهراً؟؟!!‏

أجابني أحدهم:‏

-هل سمعت، ومنذ عهد آدم حتى اليوم. أنّ شجرة ماسئلت إن كانت تريد أن تقطع أم لا.. وكم مرّة في تاريخ الكون أعربت الأشجار عن رأيها في مصيرها؟؟‏

هززت رأسي موافقاً، مسروراً لتلك النباهة.. لكن صاحب المقهى التفت إليّ ثانية واقترب بجسده المترهل ووجهه البليد منّي، رافعاً يده إلى أعلى رأسه:‏

-أهلاً وسهلاً... شرّفت وآنست.‏

أعرضت عنه مرّة أخرى، التفتُّ نحو صاحبي، همست في أذنه:‏

-إنه يمنحني عواطف رماديّةً مقيتة. يكذب عليّ.‏

أجاب صاحبي:‏

-أعرف أنه كاذب، مخاتل، احذر منه، عواطفه زائفة.‏

اقتربت منه أكثر وسألته محاذراً أن يسمعني أحد:‏

-وماهي الحقيقة في قضيّة عبد المعين وأشجاره؟؟‏

أجاب صاحبي متسائلاً:‏

-ترى.. من الذي يقول الحقيقة في أيامنا هذه؟؟ بل أ ين تكمن الحقيقة؟؟ بل ماهو كنه الحقيقة؟؟.‏

سألته بمودّة ظاهرة:‏

-وهل تعرف أنت؟؟‏

ابتسم بصفاء وعمق... أجاب:‏

-لو كنت أعرف... لما كنت بينكم الآن.‏

لحظتئذ، تلاشت صورة صاحبي من أعماق عيني... لم أعد أشعر بوجوده إلى جواري، كأنه لم يكن موجوداً قربي بلحمه ودمه وروحه الطيبة.. عادت حلقات الدخان الأزرق تملأ فراغ المقهى، وصورة الوحش المفترس تقترب منّي فاغرة فاها....‏

غطست في بحر من الذهول، ورحت أتدحرج عبر دهاليز مخيفةٍ من التداعيات، والاحتمالات. أنقذني ممّا أنا فيه خيال المرأة التي أحببتها ملء قلبي وجوارحي. بدت أمامي بنظراتها التي تحمل أسراراً كثيرة، ووجهها الذي يحكي حكايات غنيّةً ماتعة، وجسدها الدافئ العابق بالمودّة، وقلبها الذي يموج بالعواطف الصافية، والأفكار الناضجة المقنعة... تماهيت معها وانزلقت في لوحة ذكريات قديمة... قالت لي ذات يوم: نحن مثال العشّاق، فليتعلّم المحبون منّا ذلك، ولننتظر أنت وأنا أطياف سعادة لامثيل لها..‏

شعرت بوخزة أليمة، لأن الأيام حوّلت السعادة المنتظرة إلى صداع وخوف وحذر وترقّب.. ومع ذلك تعمق حبي لها لأنها إنسانة رائعة طيبة صادقة، تعرف كيف تمتلكني وتحتمل غلظة مواقفي وتصرّفاتي.. تمنّيت لو أنها حاضرةٌ معنا لتشاركنا الحوار في مسألة الأشجار التي تقطع وتموت دون أن يهتمَّ أحدٌ في معرفة رأيها في قضيّة الموت والحياة. تمنّيت ذلك. استحضرتها في داخلي.. تذكرت أنها ذات يوم حدّثتني بأن رجلاً ثائراً متمّرداً، سئل عمّا يتمنّاه قبل أن يلج طقوس الموت والإعدام، فأجاب: أريد لإبني الذي يتقوقع في رحم أمه أن يولد حراً.‏

***‏

من زاوية المقهى ارتفع صوت حادّ.. ها.. لقد أقبل الحكواتي. التفت الجميع، أنصتوا، كان الحكواتي يتربّع فوق منصّته وقد فرد أمامه كتاباً عريض الصفحات، قال الحكواتي بصوته الآسر الجهوري:‏

-في المرّة الماضية، لم نستطع إكمال فصول القصة لأسباب قاهرة خارجة عن إرادتي.. تنحنح، تلمظ، وتلفّت حوله محاذراً.. تابع سرد القصة.. الجميع مشدودون إليه، يهزّون رؤوسهم، يبتسمون... فجأة دخل رجل مفتول العضلات يتبعه رجل آخر هزيل البنية، شدّ الحكواتي من ياقته بعنف، صفعه أمام الحاضرين، استعرض عضلاته المفتولة، حنى الرجال رؤوسهم، وتحولوا إلى أصنام جامدة بلهاء. قال الرجل المفتول العضلات:‏

-هذا الحكواتي المتسوّل، يقول لكم كلاماً لايتناسب مع روح العصر أبداً، إنه يشوّه أفكاركم، لقد أتيت لكم بحكواتي آخر، أكثر حكمةً وثقافة ومعرفة. وجرّه خارج المقهى ذاهباً به إلى المجهول..‏

اعتلى الرجل الهزيل منصة الحكواتي.. قال:‏

-إليكم تتمّة القصة... هجم الأمير دياب شيخ الشباب، حدّاف الرقاب، وسبع الغاب والبطل المهاب، على الزيناتي خليفة، وبطعنة من رمحه النفّاذ اخترق رأسه وتركه يتخبّط في دمه. عندئذ دقّت طبول الفرح واجتمع الناس حتى غطّوا قرص الشمس. انحدر الأمير دياب عن فرسه وارتدى ثوباً أبيض يليق بالأبطال الميامين، وراح على أنغام الطبول وأهازيج الناس يقصد بيت عروسه التي تنتظر... رفع الحكواتي رأسه، مسح بعينيه الصغيرتين وجوه الحاضرين، صفّق له أكثرهم حتى كادوا يسقطون عن مقاعدهم.‏

ابتلعتني أمواجٌ صاخبة خفيّة، فقدت تماسكي مع حلقات هذه البانوراما الدائرية التي تدور بعنف.‏

صرخ أحد السامعين محتدّاً مقاطعاً أمواج التصفيق:‏

-لم يعد في أيامنا هذه أبطال يلبسون الثياب البيض الناصعة. كل الملابس أصبحت رمادية، لأن الوجوه رماديّةٌ أيضاً.‏

التفتُّ إلى صاحبي وسألته بلهفة وسذاجة:‏

-أصحيحٌ أنه لايوجد الآن وجوه بيضٌ وملابس بيض.؟‏

همس صاحبي:‏

-هذا لايهم الآن.‏

سألته:‏

-وما المهمّ إذن؟.‏

تأفّف صاحبي. قال:‏

-أفّ.. أنت تسأل أسئلة صعبة محرجة، لاجواب لها.‏

شعرت بالمرارة والخيبة تمزّقان داخلي. قررت أن أهرب وأترك المقهى. ولكن إلى أين أذهب؟.. كلّ الأماكن متشابهة. في كل مكان حكواتي مماثل... لاشيء له طعمٌ ونكهة. لاكلام له معنى وأصالة وفكرة عميقة. أكثر الناس متشابهون. لقد رسبوا في امتحانات الجرأة والشهامة والفكر، وأدمنوا التصفيق الحادّ.. يصفقون حتى تدمى أيديهم.. يصفّقون للفرح.. يصفّقون للألم..‏

يصفّقون للربح.. يصفّقون للخسارة.. يصفّقون‏

للأشجار التي تموت وهي نائمة...‏

غادرت المكان، خلّفت ورائي المقهى.. كلّ شيءٍ ينهار في داخلي، زلزال عميق يهدّمني، وصداعٌ يثقب رأسي.. بدأت أغطس في عفونة بئر رماديّة معتمة عميقة. ولكن قبل أن تزلّ قدمي بعنفٍ نحوها، تذكّرت المرأة التي أحببتها منذ القديم... سحبت قدمي، بنيت قامتي بشموخ وثقة عميقتين، وذهبت أقصد بيت حبيبتي فرحاً مستبشراً، وفيما أنا أقرع الباب بهدوء، كان هناك سؤال يلحّ علي:‏

ترى هل تموت الأشجار إلاّ وهي واقفة.؟؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244