|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هناك... قرب الصخرة الجوّ عابسٌ متجهّم، الرياح تعصف بكل شيءٍ حولها، البرد يكاد يجمّد الأوصال، وزمهريرٌ خفيف ينتشر في كل أرجاء ذلك الفضاء المكفهر.. كانت الشمس تأخذ طريقها نحو الغروب، خلف ذلك الجبل الأرعن، تنشر بعض قبسات من ضيائها البرتقالي عبر قطعٍ من غيوم متناثرة، وشجيراتٍ قليلة مبعثرة على صفحة الجبل الترابيّة. كل شيءٍ في الطبيعة القاسية بدا غاضباً يحمل سوط الشراسة بلا رحمة، تعبيراً عن شتاءٍ صحراوي يجلد الأعصاب والأرواح... هناك إلى جانب الطريق الإسفلتي الضيّق، الذي يحاذي خاصرة الجبل الواطئة، اضطّرت سيارة ركاب صغيرة أن تتوقّف. كان توقّفها إجبارياً، فقد حدث خللٌ ما في المحّرك. السيارة تغصُّ بالركاب من الجنسين ومن مختلف الأعمار. أزاح الركاب الستائر القماشية التي تنسدل على زجاج النوافذ، اتصلوا بالعالم الخارجي من خلال نظرات مندهشة متسائلة. لم يكن أكثرهم يدري أين أصبحوا من الطريق. كان البرد سيّد الطريق والجبل. فركوا أكفّهم بشدة. لفّوا ياقات معاطفهم على أعناقهم، التصقت أنوفهم وعيونهم بالزجاج الصقيعي الذي يفصلهم عن الحياة خارجاً. تسلّل الضيّق والخوف إلى قلوبهم جرّاء توقّف السيارة، أحدهم لم يكن يدري سبباً لذلك التوقف المفاجئ.. تبادلوا فيما بينهم نظرات مضطربة مبهمة.. بدأت قطرات البخار تتكاثف على الزجاج فتحدث غبشاً في الرؤية... أدرك السائق الموقف. حاول إدخال الطمأنينة إلى نفوس ركّابه صائحاً: -... لاعليكم. إنه خلل بسيط، سأتغلّب عليه بعد قليل. أطلق كلماته تلك، شادّاً على يد معاونه الذي راح يساعده في إصلاح الخلل وهو يرتجف من شدة البرد. غير بعيد عن الطريق الإسفلتي الضيّق حيث تقف السيارة، وإلى جانب صخرةٍ كبيرة تنغرس قامتها في أعماق سفح الجبل، وقف شابٌ فارع القامة، شامخاً برأسه، يحدّق بعيون عقابيّة إلى ذروة الجبل، يلفّ رأسه بدثار ملوّن، ويتحرك بجسده الرشيق يميناً ويساراً حركاتٍ قلقةً حذرة. غير آبه بالبرد والجليد والرياح. يوزع نظراته في كل الاتجاهات، وهو يروح ويجيء إلى جانب تلك الصخرة.. الصخرة نابتةٌ في خاصرة الجبل كأنها تتحدّى عناصر الطبيعة، فلا يرفّ لها جفن. والشاب يستمدّ من الصخرة صمودها وتحدّيها، ويتابع التجوال بعيني صقر متحفّز إلى مختلف قمم الجبل الصغيرة، ويرصد الوديان والشعاب بينها... الركاب الذين هدّهم البرد، يتكورون على مقاعدهم ضمن السيارة الجاثمة على الطريق، ويرسلون إلى الحياة خارج السيارة ومن خلال قطع الزجاج المندّي نظرات خائفة، ثم يتطلعون بنظرات باردة حيادية إلى عقارب ساعاتهم، ويلّوحون بأيديهم بدون هدف، على حين يغمر التذمّر سحنات وجوههم.. يتساءلون في سرّهم: "وماذا بعد؟! متى يتمّ إصلاح الخلل ونلتحق بأهلنا؟!!". مسح أحد الركاب الذي يحتل المقعد الأول في السيارة زجاج النافذة قرب ناظريه، اصطدم أنفه بالزجاج البارد. أدام النظر، تلفّت حوله، أشار بيده حيث كان ينظر.. قال بصوتٍ أجش: -... انظروا... انظروا إلى هذا المجنون. ماذا يفعل هنا وحيداً في مثل هذا الطقس المجنون؟!! ردّ الآخر الذي كان يجلس إلى جانبه وهو يفرقع بأصابع يديه: -... مجنون!! إنه لايحسّ ولا يشعر. وغرقا معاً في ضحكات بلهاء حتى اهتزّت أجسادهما صعوداً وهبوطاً، ممّا أثار دهشة الآخرين.. اتجهت أنظار الركاب جميعاً إلى هناك. إلى حيث الصخرة والشاب الذي يروح ويجيء حولها شامخاً بقامته دون انطواء، متلهفاً بنظراته كأنه ينتظر حدوث أمرٍ ما. كان عندما يتوقف عن الحركة يستند بكفيّه إلى الصخرة تاركاً للريح العاصفة أن تعبث بذيول ملابسه وتخفق بها دون رحمة... تنهدت امرأة تدلّ ملامحها على أنها تودّع مرحلة الصّبا وتتّجه نحو الكهولة، قالت بصوت يخالطه زفير مسموع: -... لعلّه يشعر بمرارة الوحدة، فجاء يقضي على الملل والسأم. ابتسمت جارتها وهي صبيّة صغيرة جميلة، همست بصوت رقيق: -... مَنْ يدري... لعله يعاني من تجربة حبّ فاشلة فجاء ينشد راحته في أحضان الجبل. قالت ذلك وراحت تداعب خصلات مبعثرة من شعرها، وتعيد ترتيب ياقتها من جديد.. في المقعد الذي يتوسط السيارة، كان يجلس شابان، يستسلم كل منهما لحالة صارمة من الجديّة والتجهّم.. أثارت كلمات الفتاة الجميلة أعصاب أحدهما، فخرج عن بعض تجهّمه التفت نحو رفيقه هامساً بصوت مسموع: -... لا أعتقد ذلك... إنه عاشق ينتظر حبيبته التي ستنحدر إليه من قمة هذا الجبل، وقد تأخرت عن موعدها... هل يستطيع غير العاشق أن يتحمل مثل هذا البرد الطائش؟؟! لم يجب رفيقه بكلمة واحدة. بل التفت بلا مبالاة وراح يحدّق مليّاً في ذلك الشاب المنتصب قرب الصخرة العتيدة، واكتفى بأن هزّ رأسه وهو يحدّق ويحدّق.. من الجانب الآخر تحرّك شابٌ ملتحٍ جميل الملامح، يغوص رأسه في جوف قبّعة أنيقة من الفرو الأسود.. لوّح بيده ليجذب انتباه الجميع. حاول أن يبدو متأنّقاً متأدباً، وهو يشدّ على مخارج الحروف، ويظهر براعة الكلمات المموسقة: -... عفواً... لست متطفلاً.. ولكن ألا ترون معي أن هذا الشاب القويّ الجريء الذي يتحدّى سياط الطبيعة، يودّ تسلّق الجبل إلى الجهة الأخرى لأمر مافي نفسه، وهو يحتمي الآن بالصخرة ريثما يستعيد قواه. ضحك بعضهم، وهمس آخرون بكلمات مبهمة، ولوّح بعضهم بأكفّهم تعجّباً... وقال آخرون بصوت مسموع: -... ربّما!!! من مؤخرة السيارة انبرى شيخ مسنٌّ، يبدو أنه ضاق ذرعاً بهذه الأحاديث المتساقطة. لوّح بذراعه اليمنى وصاح بصوت مسموع.. التفت إليه الجميع وتسمّرت عليه العيون. كانت لحيته البيضاء وأصابعه النحيلة تهتزّ من البرد المعشّش في جوف السيارة المعدنية الصغيرة. قال: -... أليس الأفضل أن نعرف مصير الخلل الذي أصاب السيارة، كي نسرع في المغادرة، بدلاً من كل هذه الاجتهادات الرخيصة؟؟ ساد صمتٌ كبير، واستمرّت عيون الراكبين تخترق سحنة الشيخ العجوز... تمكّن البرد أكثر فأكثر من أوصال الجميع، واستمّر الصمت جليديّاً حتى قطعه صوت السائق يعلم الراكبين أنّهم لن يتأخروا كثيراً. فقط عليهم التحلّي بالصبر والتماسك والثقة به وبمهارته، وتزجية الوقت بالأحاديث المسليّة، فسرعان ماسيتمكن من إصلاح الخلل... لم تستطع ابتساماته المصطنعة، ولا كلماته المحنّطة أن تنزع من قلوبهم إحساسهم بالألم والحنق والخوف. راح الجميع يتلمّظون ويهزّون رؤوسهم أسفاً، ومالبثوا أن استداروا من جديد عبر النوافذ باتجاه الصخرة الراسخة التي كانت تبدو لهم أكبر فأكبر، يراقبون حركات ونظرات ذلك الشاب الذي لم يكن يأبه بشيءٍ من حوله. جلس الشاب معتلياً صهوة الصخرة. كان يدير ظهره للسيارة ومن فيها ويرسم بناظريه على قمم الجبل وشعابه آفاقاً من الانتظار والأمل، تجوّل بعينيه في كل الاتجاهات. ضرب بقبضة كفه على صفحة الصخرة الملساء. ردّد الجبل الصدّى. هتف لنفسه: "لابدّ أن يصلوا، لابدّ من ذلك". عندئذ أحسّ بشيءٍ عظيم يتسامى في داخله، ويبدّد كل ماحوله من آثار البرد والصقيع. ثبّت ناظريه باتجاه القمم. انقطع عن الحركة. أصبح قطعة من تلك الصخرة. بدا من بعيد كأنه تاجٌ يكلّل هامتها. انفجر الصمت عن صيحة واثقة: "لقد وصلوا.. لقد أقبلوا.. هاهم يطوون الذروة باتجاه الصخرة.".. وبفرحة طفل وثب في مكانه من ظهر الصخرة، وهتف عالياً، ولوّح بيديه في الفضاء. أحسّ الثواني ساعات، والفرح الآسر يمتلكه.. فرد ذراعيه القويّتين، احتضن القادمين.. ثلاثة رجال، خبط أقدامهم يتغلغل في ثنايا الجبل.. الصخرة العاتية فردت هي الأخرى جناحيها بحنان لاحتضان عرس القادمين، وإقامة فرحة اللقاء. ودّع الجميع الصخرة وانسابوا من خلال السفح إلى الطريق الإسفلتي الضيّق. تجاوز الرجال الأربعة السيارة الجاثمة بمن فيها. لم يلتفتوا إليها أبداً، في حين كانت عيون الركاب جميعاً ملتصقة بالزجاج البارد، مذهولة، تتلمّس بنظراتها أمراً ما... تتالت الأصوات من جوف السيارة مترنّحة: -... لم يكن هذا الشاب مجنوناً!! -... ولا عاشقاً يائساً. -... ولا وحيداً. -... إنه إنسان آخر. صاح العجوز من مقعده الخلفي متابعاً بنظراته الرجال الأربعة وهم يبتعدون عن السيارة، ويغذّون السير باتجاه المدينة الكبيرة، بينما البرد الشرس مايزال يعتصر الكون: -... وهل كتب علينا أن نظل حيث نحن، أسرى هذه السيارة اللعينة؟؟!! نظر إليه السائق نظرة ملؤها الخشية والأسى والحذر. صاح صوتٌ آخر من جوف السيارة، صوت يائس متهدّج. -... الخلل ياجماعة كبير كبير جداً.. ويبدو أنّ إصلاحه ليس بالأمر الهيّن.. وأن السيارة لن تقلع من مكانها أبداً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |