شواطئ الأحلام - اسكندر نعمة

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-تداعياتٌ في لحظات الاكتمال-

في أعماق القلب نبتت قرنفلة.. ارتوت بنسغ الدم المتدفّق ودفء الأماني.. تطاولت وريقاتها غضةً مرتعشة... كان الشتاء طويلاً، ذرّ صقيعه في الحنايا والأعصاب.. بدأت آلفه وأعتاد ثوانيه الجليديّة، حتى بت أخاف نسمات الهواء الدافئة.. أهرب من الشمس والضياء.. إلا أن الشتاء انهزم... لملم صقيعه من الخلايا ورحل.. رحل ببطء.. وقبل رحيله، ترك على الوسادة بطاقةً مكتوبة بحبرٍ سرّي... بطاقة تنبئ عن عواصف مزمجرة مكتومة...‏

القرنفلة أينعت.. ارتوت بالدم المتدفّق. تحدّت وريقاتها حلكة الظلام. سخرت من صخور الجليد. تأهّبت.. من خلالها، ومضت في عينيّ لحظة الاكتمال. لحظة الإبداع والنور. استمرّ الوميض قوياً ساطعاً. أضاء لي أعماق عينيكِ الصافيتين.. أفصح عن حزنٍ عميق يعتصر جبينك. تمنّيت لو أرفع كفيّ بهدوءٍ، ولين، وأمسح عن جبينك آثار الحزن والصقيع والآلام...‏

أذكر. أذكر جيداً. أنني قلت لك ذات يوم: "تماسكي.. لاتخافي، فأنا أعرف جيداً كيف أبدّد آثار الشتاء الطويل.. كيف أسحب من عينيك حزن الأيام المتدبّق".. ثقي جيداً بي. فأنا العطاء والأمل. أنا شمس حياتك التي تحاولين إرغامها على الأفول والتلاشي. سأظلّ شمس وجودكِ ومستقبلك. سأتسلّل كالطيف الناعم إلى أعماق نفسك الموصدة.. أحفر في جليدها أخاديد عميقة. أبعث الدفء لينفث الرعشة في قلبك وحياتك. سأقتحم حياتك بعنف، أهزّها من الأعماق، أوقظ فيها نبضاتٍ لم تعرفها امرأةٌ قبلك قط. فلا تحسبيني كعهدك سراباً يتلاشى. فأنا أجمل حقيقة تراها عيناك الذابلتان. أنا الحقيقة الراسخة. أنا أكسير الحياة الذي عجز عن صنعه سحرة العصور. لاتخافي. لاتحاولي الالتفات إلى الوراء.. ألقي عنك عباءة الماضي الموغل في الوحشيّة والفظاظة.. فذات يوم كاد الجوع والسجن والألم يقتل الحياة في القلوب والعيون. ذات عهدٍ تقيأتنا الحياة على شاطئها الصخري الموحش.. أتذكرين أيّتها الغارقة في السّبات الرمادي. سبات الأيام التي اغتالت البسمة من شفاهنا. أتذكرين رسالتي إليك.. الرسالة القادمة من جوف الظلام. أتذكرين كلماتها الملوّنة بالخوف والحزن والألم. "أجل ياحبيبتي عندما احتوتني ظلمة الزنزانة، كنت ماتزالين تغطّين في نومٍ هادئ لذيذ.. منذ سنة وأنا أقطن هذه الغرفة المظلمة. الغرفة مجانيّة، لايزاحمني فيها أحد، إلا الرطوبة والظلمة والنزيز. يتدلّى من سقفها العالي جداً مصباح كهربائي ينثر نوراً أصفر باهتاً، يبدّد شيئاً من ظلمة هذا القبر المجاني المعطّر برائحة الصّنان والموت. عالم القبر منقطعٌ عن كل شيء، يتصل بالحياة بواسطة كوّة مستديرة صغيرة توضّعت في وسط باب الزنزانة السميك"...‏

لاشك أنك تتذكرين رسالتي تلك. لاتخافي أيّتها الغارقة في سبات الأيام والألم. لماذا أراك ترتعشين لدى استعادة كلماتها. كلماتها التي كانت ذات يوم مخيفة...‏

"ثلاثون يوماً وأنا أتردّد بين جدران القبر وغرفة التحقيق، وأتجاذب أطراف "الحديث الشيّق" مع محققي العظيم والجلادين الثلاثة الشجعان. بلغت الصبوة مداها، واشتدّ لهيب الحبّ بيننا. وتسعّر الشبق حتى تلاشت لغة اللسان. وبتنا نتبادل أحاسيسنا وعواطفنا عن طريق لغة الفلق ورعشات الكهرباء، وضغط أعقاب السجاير على الأيدي، وفتح صنابير الماء البارد على الجسد العاري.. ووو.. حتى تستبدّ بي الرعشة، فتصطكّ الأسنان وتذبل العيون، ويتدحرج الجسد مستسلماً لأحلام لولبيّة تنقلني إلى عالم آخر"‏

...... عنيفةٌ تلك الأحلام. متماهية مع التمزّق والموت الآنيّ بلا حدود. لاتعتقدي أنني أريد أن أخيفك.. لا.. أريد أن أستقطر فيك أملاً وأستنبت شجاعة. تذكري جيداً رسالتي تلك المنبعثة من جوف الظلمة...‏

..... "لا تخافي ياحبيبتي.. لاتقلقي. ولمَ الخوف. فأنا ماأزال أمنحك حبيّ وعواطفي السامية التي تشقّ عتمة قبري، وتطير نحوك.. لا.. لاتخافي. أما تزالين تحبّين السهر كعهدي بك. لقد عقدت عهود صداقة ومحبة مع السهر منذ سنة. أسهر ليلاً في غرفة التحقيق. وأتكوّم نهاراً في زنزانتي متدثراً بالعتمة. لا تحاولي أن تزوريني. فالعتمة تفصل بيننا، ولن تستطيعي أن تخترقي حجبها الكثيفة. اسهري دائماً وأطيلي السهر. استمعي لأشرطة الكاسيت، واقرئي كثيراً في كتب الأدب والفلسفة. ولا تخافي أن يحلّ بك ماحل بي. بل انتظريني، فسوف آتيك ذات يوم".‏

اقرئي رسالتي تلك أيّتها الغارقة في السّبات، مرّات ومرّات. استمدّي منها قوة أملٍ وتحدٍّ. مزّقي سباتك الهرم. توسّدي حناني وألقي بأثقالك على منكبي. فأنا الظلّ والواحة والضّياء. ستمسح أناملي عن جبينك وصدرك كلّ وحشة الماضي، كل آثار آلامه وجراحه. سأعيدك طفلةً لتموت كل الأشباح الخرافية من حولك. فشمسي تبدّد كلّ الخيالات والأوهام. في عطر وجهك كلّ أريج الشرق. وبين شفتيك تنثال حقائق مروّعة، يغتالها الخوف دون أن يتهّيّب شيئاً. أشدّ ما أخشاه أن ينتزعك الخوف منّي، فتنسابين من بين ذراعيّ، وتتلاشين في الرمال الهشّة وفي ثنايا اللجّة المهتاجة أبداً.‏

أعرف أن عالمي ليس سديمياً كالضباب، ولامنساباً كالماء أو الدخان. وأن جنّتي هي أرض الواقع التي قُدّت من صخرٍ صافٍ...‏

أعيش معك كلّ لحظات عمري. أعيش أرقك وعذابك. ولكنك سريعاً ماتودّين الهروب بأجنحةٍ غير مرئية.. مسافرةٌ أبداً إلى بلاد هلامية لاهويّة لها...‏

***‏

ينبعث رنينٌ مدوٍّ. أتلفّت حولي. أدور حول المدفأة الملتهبة.. أهو طنينٌ في أذني يحطّم رأسي، أم جرس التلفون. الرنين يتواصل. يعلو. أحسّه يملأ أركان الدنيا. تمتدّ يدي، تخطف السمّاعة بعنف. توتُّرٌ شديد يسود أعضائي كلها. ألسنة اللهيب لا تبدّد صفيع الحجرة. أجلس إلى جوارها على الأرض. أتقوقع كالأطفال. أضع السمّاعة على أذني اليسرى. أضغطها بوحشية. أتصورك بجانبي. أمدّ يدي اليمنى إلى كتفك وأعتصره. أشعر بالدفء والاعتدال..‏

-... ألو.. ألو...‏

-.........‏

-... رائعة هذه النبرة.. مموسقة هذه الكلمات.. لماذا؟؟.. أقبلي!!.. كأنيّ!!.. أنا أنتظر.. سآتيك.. بل ستأتين.. أجل سـتأتين.. أجل.. لن أنتظر كثيراً.‏

-............‏

تغيبُ الكلمات. أسافر إلى بلاد بعيدة. أتهلّل للّقاء كطفل يحبو.. أرى في عينيك شواطئ وغابات جديدة. لقد تمزّق رداء الخوف، ومات السّبات الرمادي..‏

-...ألو ...ألو... قبل مجيئك مزّقي رسالتي إليك.. تلك التي جاءتك عبر الظلام. مزّقيها.. ألو.. ألو.. لقد غابت الكلمات. الخط مقفل.‏

أضع السمّاعة. تمتدّ يدي الثانية إلى الكتف الآخر.‏

أعتصر الجسد المنتصب أمامي. جميلة أنت أيتها القادمة إليّ. أخاف عليك إغراء الجسد والعينين. أرى ألف نظرة إعجاب تلفّ خصرك النحيل. تخنقني الغيرة. أراك شامخةً تسوطين الحزن والخوف بكبرياء، فأنت عندي الأصل والحقيقة والواقع والمستحيل..‏

سأبني لك أسواراً عالية، تدرأ عنك كل خطر. سأحوطك برفقٍ حتى تشعري بالطمأنينة.. يدك في يدي دوماً حتى نبدّد كل صمت الحزن إلى الأبد. سأدثّرك كطفل حتى تألفي الدفء، وأحتويك حتى تحسّي بالأمان. سيكون لنا عالم واحد وجنّة واحدة.. ستغمضين عينيك على صورتي. وتسكنين إليّ برفق.‏

الرنين يتواصل من جديد، عالياً متقطّعاً. أقفز إلى الهاتف.. أخرس صامت. أرمي السمّاعة.. أنتصب أمام الباب. الرنين يتواصل متقطعاً مداعباً. أغمض عينيّ بفرح طفولي غامر. ومن خلال العينين المغمضتين، أرى القرنفلة ريّانة حمراء...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244