|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:49 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أحــــلام إلى زوجتي خولة الأنوار تنطفئ كلها. كلها تنطفئ وفوق كل طيف مرتجف تنزل ستارة- بساط الموت عنيفة كهبوب عاصفة هوجاء فتنهض الملائكة ترفع أقنعتها وتؤكد بأن المسرحية. مأساة اسمها -الإنسان- وأن بطلها هو الدود القاهر ادغار ألن بو- ليجيا لما بلغ ع. س سن الرشد قرر الزواج من فتاة كان قد رآها لمرة واحدة فقط. وقد وافقت الفتاة واسمها أحلام فوراً دون أن تكون على معرفة تامة بـ ع. س. لكنها وجدت في الزواج فرصة مناسبة. بل وفرصتها الوحيدة للتخلص من الكبت العائلي في مجتمعها البطريركي. كانت أحلام شغوفة بمشكلة الحرية. بل أن الحرية كانت همها الوحيد. ديدنها. كان ع. س يرى أحلام أجمل امرأة في العالم. وكانت تجده شخصاً رقيق المشاعر. جذاباً. وقد تعلق كلاهما بالآخر. كان ثمة رباط سري يربط بين مشاعريهما وقلبيهما. بالنسبة لـ ع. س كانت أحلام هي الدنيا وقد أختزلت في روحها وجسدها. أما بالنسبة لأحلام فقد أتيح لها أن ترى نور الحرية لأول مرة في حياتها. وكان التقاء جسديهما أشبه بسمفونية تعزفها أوركسترا بارعة تحكي -ولا بد- ملحمة من ملاحم الحب الخالدة. وفي اليوم السابع لزواجهما همست أحلام في أذن ع. س: - لِمَ لا نذهب في نزهة خارج المدينة. هناك عند أطرافها سمعت عن وجود حدائق غناء ورياض لا مثيل لها. ثم أن حر المدينة قاتل. صخبها لا يطاق. وقد راقت الفكرة لـ ع. س. أليست هذه رغبة أحلام؟ ولكن ما إن خرجا خارج المدينة حتى وجدا نفسيهما بغتة في المقبرة. وقد وقف كلاهما ذاهلاً مرتاعاً. مرت لحظة صمت. ثم هجم ليل مفاجئ. وكان العراء شاحباً. عندئذٍ قررا العودة إلى منزليهما. لكن الآوان كان قد فات. فتحت فجأة القبور وخرج منها الموتى. رجالاً ونساء وأطفالاً. التف الجميع حول ع. س وأحلام وجعلوا يحملقون فيهما باستغراب وبلاهة. وكان الهلع والذعر يملأ قلب الزوجين. دنا أحد الموتى منهما. كان عارياً إلا من بقايا الكفن. ولم يكن جسده قد بلي تماماً لكنه كان أصفر شاحباً. وعلى الجلد أخذ يزحف دود غريب الشكل. سأل الميت: - عم تبحثان هنا؟ ولِمَ طرقتما أبواب عالمنا؟ رد ع. س متلعثماً: - كنا نرغب بالقيام بنزهة خارج المدينة. قال الرجل: - إنها فعلاً نزهة. رد ع. س: - لا يبدو الأمر كذلك على الاطلاق. قال الرجل: - بل هي بالفعل كذلك. إن هذه النزهة معدّة خصيصاً لكما. وقد سمعنا كثيراً أحاديث عن ذلك في عالمنا. أقصد عن أناس يقومون بأمثال هذه النزهات التي قد تبدو للوهلة الأولى غريبة بعض الشيء. رَدَّتْ أحلام باستغراب: - عالمكم؟!.. وهل ثمة أحاديث في عالمكم؟!.. أجاب الرجل: - عالمنا عالم غريب. غريب حتى عنا. لكنه غني في الوقت نفسه. تساءلت أحلام: - غني بماذا؟!. عندها اقترب شيخ طاعن في السن. كان يبدو هو الآخر مهترئاً. وذا جسد مملوء بالدود قال: - نحن هنا نحتسي الصديد. ثم تقدم آخر وقال: - نغتسل بالدماء. ثم قال آخر: - يشاركنا الدود حتى في التفكير. قاطعهم ع. س وقد استبد به شعور غامض بالفضول: - هل ثمة حساب؟!.. قال رجل: - سؤال سخيف. وتابع آخر: - نلتحف الحجارة والتراب. وقال آخر: - ليس ثمة ليل أو نهار. إنه بين بين. لكن الرجل الأول عاد فأكد: - لكننا سعداء. ونتمتع بحرية واسعة ولا حدود لها. تساءلت أحلام: - كيف ذلك؟ رد الرجل: - عندنا دولة. عندنا ملوك. عندنا أنبياء. عظماء وفلاسفة. شعراء. أبطال الأساطير القديمة. ثم وهذا أهم ما عندنا. ثمة قبر جماعي لأحد الملوك القدماء. نجلس كل ليلة في حضرته. وتغني الأوركسترا تلك التي دفن موسيقيوها مع الملك أحياء. والمغنيات يعزفن على القيثارة. - قاطعه ع. س قائلاً: - لقد نقبت في أور. واكتشفنا فيها هذه المقبرة التي تتحدث عنها. سأله الميت: - ولكن ما هو عملك بالضبط. رد ع. س: - أنا عالم أركيولوجي. لم يأبه الرجل لما قاله ع. س. بل تابع يقول: - ثم إن لدينا كل أدواتنا التي كنا نستعملها في عالم الأحياء. هنا ليس ثمة شعور بالقلق. بل طمأنينة مطلقة. سكينة. لا غثيان. لا يأس. لا خوف من المجهول. ليس لدينا أية عقدة من عقدكم التي تكابدون الشعور بها في عالمكم. كان ع. س يقف ذاهلاً. وبدا أن أحلام قد أخذت بحديث الرجل واستسلمت لتفكير عميق وطويل. استسلمت لحلم أبدي ومطلق. لكن الليل ازداد حلكة. وازداد عصف الريح. ثم بغتة قال الرجل: - لقد انتهى اللقاء بيننا. هل ترغبان في دخول عالمنا. أصيب ع. س بهلع وصرخ: - لا. لكن أحلام ردت بعد تأمل طويل: - أجل سوف أرافقكم. وأحس الرجل بغبطة. على حين عقدت الدهشة لسان ع. س. بدا كأنه يزدرد الكلمات. أراد أن يقول شيئاً فلم يفلح. تأبطت أحلام ذراع الرجل ثم غادر الجميع عائدين إلى القبور. ولم يعد يرى منهم أحداً. عندها صرخ ع. س: - أحلام. أحلام... لم يسمع ع. س أي رد. غادرته أحلام برفقة الموتى. خطر له أن أحلام لم تكن أبداً موجودة معه لا في السابق ولا الآن. بدا له كأن أحلام طيف مرّ سريعاً بخاطره ثم اختفى إلى الأبد. قال ع. س إن هذا الكابوس فظيع. إنه ضياع محض. تدهور في المشاعر والرؤى. فوضى العقل ولا منطقية الوجود. كومة من الطلاسم والألغاز والأسرار. أحس ع. س أنه يسقط في هاوية لا قرارة لها. قال في سره: - كان بإمكاني أن أرافق أحلام أينما ذهبت. لكن قوة خفية. لعله الخوف من العدم شدتني إلى عالم الأحياء. كان ع. س يقف وحيداً. حوله مقابر وشواهد. ثم ليل دامس وريح صرصر. تمتم في سره: - إنه بؤس لا حدود له. عار لن يلحق بي وحسب. بل بكل إنسان. ثم غادر المقبرة وعاد إلى منزله وحيداً دون أحلام. وقد نهشت المرارة كبده وفؤاده. 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |