عالم غريب - معن مصطفى الحسون

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الـمصير

الـمصير

حين عدت إلى البيت من رحلة طويلة. فوجئت بوجود رسالة غريبة في صندوق بريدي كانت تحمل توقيع شخص اسمه -س- قرأت الرسالة. كانت تقول:

-تعرت الأغنيات. الوطن حبيبة فض الغزاة بكارتها، وتركوها تسبح في دمائها المقدسة في قلب صحراء جدباء ويابسة. صحراء لا تعرف الرحمة أبداً. افتضح أمر العقل. وإنجاب الغمام عن عتمة داكنة. وعن بيوت لا عدد لها ولا حصر لعنكبوت ضخم وخرافي. لم يعد التاريخ حلماً مقدساً. إنما كابوس. شحاذ رث الثياب يبحث عن مريدين. ويشحذ الشفقة والإيمان. شحاذ يحاول أن يخدع أمة بأسرها. أمة مملوءة بالعباقرة والساسة والشعراء. أما الحاضر فهو عبارة عن خيمة ثوى في داخلها طفل رضيع يطارح أمه الغرام الأمنيات صعبة وعسيرة تخرج من تراب الروح نكداً مثل نبات خبيث. العقل شجرة لا تنمو صاعدة نحو السماء، وإنما تحولت إلى مجرد جذور ضخمة وهائلة تضرب في أرض التخلف والتيه حول الغزاة العقل إلى صحراء. الروح إلى صحراء، القلب إلى صحراء، الصحراء إلى صحراء موغلة أكثر فأكثر في التصحر والجفاف. وأقاموا سداًمنيعاً أمام الحرية والأحلام والأمنيات. الانتصارات هزائم، والمدن تفتح أبوابها للتردد والفضائح. تفتح أبوابها لمجرمين يعشقون سفك الدماء وفض بكارات العذارى والسكر والسهر والعربدة والتدمير.

على كل افتضحت لعبة الشاعر على حد قول أحد الشعراء. إنها مجرد تمثيلية كتبتها أنا ومثلتها أنا وأخرجها رجل غريب. سري وغامض. لم نعد نحلم إلا بأقل الكوابيس ضغطاً  على الدماغ. والدماغ بدأ يضمر مثل شيخ أصابه الخرف. فهل نستطيع أن نتخيل أمة دماغها يضمر. من سيحرك كوننا إن غفلت عين العقل عنه لحظة.قد تقول القوانين. أقول إن هذا وهم. فنحن من يصنع هذه القوانين. اعلم أن هزيمة العقل هو فقر لهذه القوانين واختلال في ميزانها. فليس هناك فارق بين العقل الذي يحرك كوننا وبين القوانين التي تتحكم في مصيرنا البائس والتعس.

 المدينة مومس تخدع عاشقها. أمي زانية. وأبي سكير وشحاذ. الشارع ذئب. الطريق إلى الحلم يمر عبر صحراء من ثلج أسود. الأفكار تنقسم إلى قسمين. قسم هو عبارة عن ديناصور بائد وقسم آخر هو عبارة عن قطع شطرنج يحركها حاوٍ يتقن اللعب بمهارة. التاريخ فالصو. الفن دعارة، السياسة من اختصاص الآلهة القابعين في جبال الأولمب. الفكر إسفنج رخو ولين.

عليك أن تسبح في هذا الوحل. وأن تجد مخرجاً. الأرض أضيق من تصورنا، ومن أحلامنا الخلاص. الخلاص هو ما يجب أن تنشده روحك السائبة.

إلى هنا انتهت الرسالة.

هامت بي الأحلام والأطياف. حرت قليلاً. ما عساي فاعل؟ ثارت في داخلي الشكوك. قلت أي قدر ساقني إلى هذا أو ساق هذا إليّ. قلت الأوهام تسيطر عليّ. وأنا أعتقد بأني  إنسان مريض ومحطم. قلت سأتمشى قليلاً. المشي رياضة. وهو محرض كبير على التفكير. قلبت الرسالة كياني. فهرعت نحو أسياد البلدة. قالوا:

- ممّ تشكو؟!...

 قلت:

 -أنا مريض بمرض الغربة. الغربة في وطني. غريب عن الكون، غريب عن الناس. غريب عن التاريخ، غريب عن الأفكار، وأنا أشعر بحيرة كبيرة وأتساءل. هل أنا غريب فعلاً عن كل هذا أم أن هذه الأشياء هي الغريبة عني!!...

قالوا:

- هذه تمثيلية ونحن نجهل من هو المخرج.

 قلت:

- أريد خمرة تطيح برأسي دفعة واحدة.

 قالوا:

-الخمرة حرام.

قلت:

- وكرامتي.

قالوا:

- أنت وحدك من يصونها. فإما أن ترضى بالقدر، وإما أن تنهش لحمك غربان الغربة والتيه والقلق والجوع والظمأ والكبت...الخ.

قلت:

- الحرية إذاً!...

قالوا:

- عليك أن تغامر في سبيل الحصول عليها. أن تقتل نفسك. فإن كان ثمة حياة أخرى كان ثمة حرية. وإن لم تكن هناك حياة أخرى فقد تحررت تلقائياً من وهمك ويأسك وقنوطك.

غادرت الأسياد وهرعت نحو العبيد. عبيد البلدة.

قالوا:

- الأسياد واهمون. الضحية أقوى من قاتلها. هذا ديننا. صحيح أن المسيح لم يظهر بعد رغم أنه ظهر أكثر من أعور دجال حتى الآن، ولكن الأمل في أن يحررنا شخص ما مازال في صلب فلسفتنا.

 قلت في سري. الأسياد حكماء. وفلسفتهم واضحة. وسأجرب قتل نفسي.

هرعت نحو السياف. وقلت له مستعجلاً:

- اقطع رأسي.

 هزّ رأسه باسماً. ثم قال بحنو:

- الناس ثلاثة أصناف. صنف هم الحكماء والشعراء والصادقين وهؤلاء نقطع رؤوسهم بدون أي شعور بالإثم. وقسم ليس لهم رؤوس أصلاً كي نقطعها. وقسم يقع بين بين وهؤلاء  نفضل أن تظل رؤوسهم على أكتافهم حتى يتعذبوا أكثر فأكثر وهذا يشفي غليلنا ويرضينا.

تركت السياف وتوجهت صوب دار العاهرات. قالت كبيرة العاهرات:

 - اللذة الناقصة هي الحقيقة الوحيدة في هذا العالم.

قلت:

- العالم لوحة لم يكملها الفنان ومات قبل ذلك.

 قالت:

- تعال وعش معنا.

حانت مني التفاتة. فلاحظت مومساً في مقتبل العمر. كانت تجهش بالبكاء. دنوت منها وسألتها عن علة ذلك.

قالت:

- لا لذة في هذا الوجود تعادل لذة الإيمان بالله. الواحد الأحد. المطلق. القهار.

أصابني قنوط وخيبة أمل. لكن خاطراً باغتني. هجست قليلاً وأنا كالحالم. قلت:

- آه... ماذا يحدث لو استطعت أن ألتقي أبا العلاء المعري!!....

فجأة رن جرس الهاتف. تناولته  بحركة آلية. وقلت:

- الو. من المتكلم؟!...

جاءني صوت ثاقب وصارم:

- أنا أبو العلاء المعري.

قلت يائساً:

تعبت من الركض خلفك. خلف الحقيقة. خلف هذه الحياة الخائبة.

قال:

- اسمع. ليس المهم أن تحقق ما تريد. إنما المهم هو أن تعرف ماذا تريد.

ثم أطبق السماعة. وتركني أسيراً لحيرة نهشت فؤادي. ضاق صدري. وخلت الأنفاس فيه كمياه المجاري القذرة. قلت تلاشت أحلامي بعالم مملوء بالحب والإبداع والذكاء. قلت: الروح أسيرة لقوى خفية ولتاريخ أسود غامض.

دخلت مطعماً. كنت أرغب بتناول فنجان  من القهوة وتدخين سيجارة. اتخذت مقعداً منزوياً وناديت النادل. خفّ إليَّ. ابتسم بعذوبة. ثم قال:

- بماذا يرغب جنابك؟!...

 حرت قليلاً.نسيت نفسي. خلتها تسبح غائصة في لجة التيه. لكني تماسكت وقلت له:

- أريد امرأة تضع يدها في يدي ثم نهيم سوية في الشوارع والطرقات.

قال مدهوشاً:

- طلبك غريب.

قلت:

- إنه ليس غريباً. الواقع هو الغريب في رأيي.

قال:

- النساء كثر.

 قلت:

- إني أشترط أن تكون مدمنة على الهمزة... وأن تشعر بآلام جمة. وأن تفهم قضيتي.

قال باسماً:

- كل النساء مدمنات على الخمرة. وعلى ماهو أعتى من ذلك. وكلهن يشعرن بآلام جمة. قاطعته:

 - وأن تفهمني

قال أسفاً:

- أعتقد أن هذا ليس أمراً مستحيلاً، لكنه صعب للغاية.

غادرت المطعم وأنا أشعر باليأس والضنى. أخالني ذئباً جائعاً يهيم في برية جدباء قاحلة. خلت جسدي أشبه بجسم العنكبوت.حدقت في الشارع الممتد أمامي كان مملوءً بالديناصورات البائدة والمنقرضة. فجأة لسعتني عقرب. فهرعت مذعوراً نحو المستشفى. وهناك قابلت الدكتور، قلت باسماً بعد أن فحصني طويلاً بأناة واهتمام.

- هذه ليست لسعة عقرب.

قلت دهشاً.

- وما عساها تكون؟!...

قال بثقة:

- قبلة أم زانية.

أعطاني دواءً. فالتهمته دفعة واحدة علّي أشفى من وجعي. فانهالت على جسدي اللسعات قلت في سري:

- كبر جرحي. وهذا الكابوس يجثم فوق صدري. الكون غابة بيرقها القوة والقسوة والبطش بغتة تحولت إلى إسفنجة امتصت لعنات الأرض بأسرها. ثم أسلمت نفسي إلى امرأة فهصرتني ……فنزت اللذة عني روحاً مملوءة بالصديد ………

 قلت سأعاقر الخمرة. وأنسى هذا العالم المأفون. جلست في الحانة أحتسي الخمرة. فاجأتني أغنية تقول:

عين أمي

 

يا ابو الهيل جوز البنات الغرّب

ويلي من الله

 

يا ابو الهيل عيني على الزغيرة

لم أتابع سماع بقية الأغنية بل همست في سري:

- أي والله. هذا حق. يا ويلك من الله.

أوغلت في صلاتي هذه. فزادت آلامي. قالت أمي:

- هذا موسوس. خذوه إلى الشيخ فلان. فهو أملنا ورجاؤنا. وعنده الحل والدواء.

وهكذا اقتادوني في موكب مهيب. وكان الليل أغنية حزينة أو موسيقى جنائزية. وقفت في حضرة الشيخ. تأملني ملياً ثم قال.

- اعلم أني شيخ كبير. وأنا أعرف عنك كل شيء. عندي مريدون يمكن أن تعدهم بالالآف لدرجة أني قادر على تشكيل جيش منهم. واعلم أني أكتب الحجب وهي لا تخيب أبداً. إنها  دواء لكل داء. إنها بعض الألغاز والطلاسم. لا يفهم أحد معناها. حتى أنا لا أعرف شيئاً عنها. لكنها دواء شاف لكل شيء الأمراض والعقم والجنون. وكل شيء. كما أعلم أني وبعد أن درست قضيتك فقد كفرتك.

قاطعته متوسلاً:

- لماذا؟!....

 قال بنبرة صارمة:

- إنك تؤمن بالحرية. وتؤمن بإعادة دراسة التراث. وتؤمن بمحاولة فهم العقلية العربية والإسلامية واختراع أدوات تفكير جديدة وتؤمن وتؤمن وكل هذا كفر في رأيي. إضافة إلى أنك تشرب الخمرة وتحب النساء وهذا كفر على كفر.

غادرت الشيخ وأنا أحس بأن أملي ضاع. وأنه لم يعهد لي ما أرجوه من دنياي وآخرتي. لكن الأمر-بكل أسف- لم يقف عند هذا الحد. فقد سرى حديث في المدينة عني. وأصبحت قضيتي على كل لسان. وبدا كأني أوشكت أن أصبح نجم الحفل. وبأني قد أشكل خطراً على الأمن والسلام. فهاجمني بعض الرجال، واعتقلوني. وهناك وقفت في حضرة ضابط مرعب.

قال الضابط بلهجة صارمة:

- اعترف..

قلت متسائلاً:

- بماذا؟!...

رد بنزق:

- اعترف بجرمك. لن يفيدك إخفاء أي معلومات. نحن نعرف عنك كل شيء.

قلت دهشاً:

- وما هو جرمي؟!...

ضرب الطاولة بقبضته وصرخ:

- أنت لاتسأل. أنت تعترف وحسب.

قلت قانطاً:

- حسناً سأعترف. مادام أمري قد افتضح.

 قال هازئاً:

- كنت واثقاً من حكمتك.

قلت:

- اعترف بأني أحب بلادي واصلي وشرقي العظيم. أحب أمي وأبي وإخوتي. أحب الدولة ومؤسساتها العظيمة رغم أن ثمة بعض الأخطاء ولكن هذا نسبي ويمكن تجاوزه. أحب الحرية. أحب التطور والتقدم. أحب التاريخ والشعر. أحب الخمرة والنساء. أكره الجهل والتخلف والتبعية بمختلف أشكالها. أكره تدهور الحضارة. أحب الله والأنبياء الثلاثة. أحب بناء كوني على طريقتي. أحب الكتب والمجلات والجرائد وأكره التلفزيون والقنوات الفضائية والفيديو كليب... أحب وأكره. هذه هي اعترافاتي.

هز الضابط رأسه.

لم يتم اعتقالي أو شنقي. وحار الجميع في أمري. أخيراً تقرر عرض قضيتي على مختصين فأجمع الجميع على أنه يجب أن يحجر عليّ، حتى لا تسري عدواي إلى المجتمع. وهكذا تم الحجر عليّ في غرفة مربعة لها شباك صغير يطل منه ضوء القمر. وحين خلوت إلى نفسي ناجيت القمر. كان شاحباً وتظلله الظلال. قلت:

- أي سن العظيم أرحم صلاتي وتقواي.

ثم ناجيت البحر. كان هائجاً وساكناً في الوقت نفسه. قلت:

- أي انكي العظيم. غط هذا العالم بظلك الثقيل.

ثم ناجيت الأرض قائلاً:

- ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

وناجيت السماء:

- يا سيدة الأكوان. كلنا ظل لظلك. صدى لصوتك الجبار. الرحمة. الرحمة هي ما نبغي الخلاص. النجاة. أيتها السماء الخالدة. يا الله. صرختي مكتومة لكنك تسمعها وإن كانت في الخفاء.

ثم قلت في سري وكنت أحس بأني نبي يتنبأ:

- لن يطلع الفجر حتى يخونني عضو من أعضاء جسدي.

ولكن أعضائي بأسرها خانتني. أول من خانتني هي المعدة وهي بيت الداء. بعدها الكبد ثم القلب. وظل الدماغ يقاوم حتى اللحظات الأخيرة محتفظاً بصفاء العقل. ثم لم أعد أعي أي شيء. فطواني المجهول.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244