|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
قصــــة حب أو الرجل الثاني راح ع.س. يضرب بقدميه الصاخبتين شوارع المدينة. سائراً على غير هدى. الحياة صحراء جدباء وقاحلة. وقد أحس بنفسه وسطها نبتة أصابها الجوع والظمأ. النفس تدور في دوامة. دوامة الحب والوله.وسألها بلهفة: - ما اسمك؟!... ابتسمت ثم ردت بعذوبة: -حياة.. قال: - أحبك. ضحكت حتى انقلبت على ظهرها ثم تمتمت: - عشاقي كثيرون. وأنا لا أذهب إلا مع من أشتهيه. ماذا عندك من جديد لتقدمه لي؟!... قال: - الدنيا كابوس مرّ. الأحلام نأت بي نحو الخطيئة. الروح عريانة تنشد الستر. النفس ذئب جائع يهيم في بريّة لا تخوم لها. الليل أبيض شاخت روحه وأرهقته وعثاء السنين. صحراء الروح. التشظي. تتحول الأحلام فجأة إلى سكينة مغروسة في القلب. ثم قال: - سأنتزع كبدي من بين أضلاعي. أشويه ثم أقدمه لكِ. ابتسمت بعذوبة ثم همست: - قديمة. حار هنيهة. ثم قال: - سأشنق نفسي بضفائر شعرك. صمتت قليلاً. بدت كأنها تحلم ثم قالت: - حسناً. ابق معي. عش معي. وستكون لك غرفة خاصة بك أسوة بسواك. وهكذا وجد ع.س. مأوى وجسداً. لكن الأحلام سفينة تاهت بين أمواج بحر عملاق وهائج. أصبح له غرفة في القصر الكبير. أسوة بسواه. أصبح مثله مثل غيره. لكل منهم غرفته الخاصة. تابع ع.س. تخبطه في شوارع المدينة. واصل هيمانه المطلق والأبدي. النفس طائر جريح شاة تكومت حولها مجموعة من الذئاب وقد باشرت عملية افتراس قاسية وضارية. النفس حائرة. تائهة. ضائعة. لكنها بطبعها لجوجة وتتوق إلى المستحيل. ثم تساءل: - كيف تطور الإنسان من البدائيةإلى الألوهية؟.. الدنيا بحر واسع. ضخم وهائل. غول أو سعلاة. وقد شعر ع.س. بأن أنفاسه تتلاطم مثل أمواج هذا البحر. الخواء منارة السفن التائهة. أي أنك بعد أن تعجزك الحيلة وأنت تكابد وعثاء المسير لا تكاد تصل إلى مكان. بل إلى اللامكان. صاح هاتف يلاحقه كظله. يركض خلفه في الشوارع والطرقات: - ماذا بشأن الزمان؟!.. أجاب ع.س: - الزمان معدوم تماماً. إنه فراغ. لا شيء. قال الهاتف متسائلاً: - إذاً؟!... رد ع.س.: - إنها حالة انعدام وزن. تابع ع.س. سيره في شوارع المدينة. هاجم الليل الأشياء. فشعت أنوار مباغتة من كل حدب وصوب. وعجب ع.س. لهذه الظاهرة. قال في سره: - يحاول الإنسان تقليد الله. شعر ع.س. بأن الأرض تضيق به.وتساءل عن سر وحدته وغربته. لكنه عاد وأكدّ في سره قائلاً: - أنا الرجل الثاني. صاح الهاتف به: - ومن هو الرجل الأول؟!... أجاب ع.س. مقطب الجبين بصرامة وحزم: - أبي آدم. دخل ع.س. باراً. احتسى فنجاناً من القهوة الساخنة ودخن بشراهة. وهو يفكر بصمت. فكر في حياته. تاريخه. ثم قال في سره: - أنا إنسان لقيط. ولدت في الشوارع. لا أعرف أمي ولا أبي. كبرت أوكبر سني وأنا أفكر في الماضي. حتى التقطتني امرأة. عطفت علي وأسكنتني في قصرها عديد الغرف. كانت غريبة الأطوار. في البداية عشقتني وعشقتها. لكنها في الحقيقة الآن مجرد عشيقة. في البداية كانت كل حبي. أملي. أما الآن فقد أصابني الملل والسأم من عشقها وجسدها. حدث هذا بعد أن اكتشفت وبعد فترة وجيزة من إقامتي في قصرها أنها مومس. تمارس الحب في الليل آلاف المرات مع آلاف الرجال. وقد خفف هذا من شدة حماسي ولظى هواي لكنها مع ذلك ما زالت ترعاني وتعطف عليّ. وأنا أعيش في كنفها وتحت ظلها.لكن شعوراً غامضاً بالبرود بدأ ينمو في داخلي.تجمدت عواطفي. انهارّ حماسي لحبها. أوهذا ماخيّل إليّ في بداية الأمر. فقد أخذت أمارس الحب معها كأي رجل آخر من رجالها الكثر.خيّل إليّ أن الحب غدا مثل الأكل والشرب والموت والحياة. غريزة كسائر الغرائز. وقد زاد الطين بلة أن هذه المرأة متسلطة وجبارة.وهي تعامل عشاقها المحبين بسادية مطلقة. على حين تعامل زبائنها العاديين بلا مبالاة ولا اكتراث. صمت ع.س. لحظة يلتقط أنفاسه. ثم تابع مونولوجه الداخلي: - عندها قررت التمرد. صاح الهاتف به: - كيف؟!... رد ع.س. وقد اضطربت أنفاسه: - صرت أخرج في الصباح الباكر. ولا أعود إلا في وقت متأخر. وقت النوم. أذرع الأرصفة والطرقات. أهيم في الشوارع والبارات والخمارات مثل ذئب جائع يبحث عن فريسة. قال الهاتف: - حل معقول. لكن ع.س. أجاب بتشكٍ: - لكن الجرح ما انفك يكبر. وتكبر المأساة معه. تساءل الهاتف باستغراب: - ولكن ما السبب؟!... أجاب ع.س. بقنوط: - اكتشفت بعدفترة وجيزة من تمردي أني مازلت عاشقاً. والهاً. أحبها أعشقها. لكني أغار لأنها تعرف رجالاً غيري. - رد الهاتف باستغراب: - لكنها امرأة متسلطةوجبارة!!... رد ع.س. باكياً: - لكنها التقطتني أنا اللقيط من الشوارع. وحمتني من الجوع والتشرد. ثم أردف: قال الهاتف: - وهل ستقضي بقية حياتك هائماً كالمتسول. تعيش في دوامة كهذه. حائراً. تائهاً. رد ع.س. وقد عاد يتمالك نفسه: - بالطبع لا. تساءل الهاتف: - وماذا ستفعل؟!.... أجاب ع.س: - لقد بدأت ثورتي بهجرةالبيت. القصر. ولسوف أنهيها هذه الليلة. تساءل الهاتف: - كيف ستنهي هذه المسرحية؟!.. قال ع.س. بصراحة: - سوف أواجهها الليلة بالحقيقة. كل الحقيقة. عندها كفّ الهاتف عن ملاحقة ع.س. الذي توجه صوب القصر وقد أكل الغيظ والغضب نياط قلبه. وتوجه فوراً للقاء سيدته التي استقبلته بلطف وحنو. قالت بعذوبة:" - هاقد عدت أخيراً. كنت بانتظارك. لقد أكثرت في الآونة الأخيرة من غيابك خارج البيت أثناء النهار. وهذا غريب ولا أكاد أفهمه. هلا فسرته لي. استجمع ع.س. كل قواه المبددة بفعل رؤيته لجمالها الأخاذ. ثم صرخ: - اسمعي. لن أقبل بعد اليوم بكل مايجري داخل هذا القصر. إما أن تكفي عن استقبال الرجال في الليل والنهار. وتكفي عن التصرف حسب هواكِ كامرأةمتسلطة وجبارة. وأن تكتفي بي وحسب. أنا رجلك الوحيد. عشيقك. أنا لكِ وأنت لي. إما أن تكفّي عن كل هذا وتخضعي لي خضوعاً مطلقاً. أنا رجلك الوحيد. تنصاعين لما يأمر به وما ينهى عنه. إما أن تكوني كذلك. وتجري الأمور حسب هواي ورغبتي. وأما أن أغادر هذا القصر إلى غير رجعة. ولست بحاجة إلىجسدك وغذائك ومأواك. ما إن لفظ ع.س. هذه الكلمات حتى أحس بأنه يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة. أحس بأنه يحتضر. لكنه تماسك بانتظار ردة فعلها. كانت تنظر نحوه بهدوء وبرودة مطلقين. وعندما شعرت بأنه أنهى مرافعته التاريخية. نهضت واقفة بثقة وثبات. أشارت بإصبعها نحو الباب قائلة بهدوء وجبروت: - اذهب إلى غرفتك. وعش كما كنت معي طوال حياتك. هكذا. عندها طأطأ ع.س. رأسه. أحس بجسده عارياً. وبروحه مثل دخان السجائر تتطاير في الهواء. أحس بالهباء. بل إنه شعر بأنه يشبه الهواء بلا وزن. تمتم آنئذٍ في سره: - لابد أنه ينقصني شيء ما. غادر مكتب سيدته. وتوجه صوب غرفته منصاعاً لأوامرها. يائساً وقانطاً من ثورته وعاد يمارس حياته كما كان يفعل في السابق. 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |