عالم غريب - معن مصطفى الحسون

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الحالــــــة س

لقد نقبت في نفسي‏

هيراقليطس- الشذرات.‏

-1-‏

أزحت الستارة بيد مرتجفة. فإذا بي ألمحه يرقب باب داري.‏

أقلقني منذ أيام شعوري بأنه يراقبني، يلاحقني، يمشي خلفي مثل ظلي من مكان إلى مكان. خلت الأمر مصادفة بادئ الأمر. وقلت لعله أحد هواجسي. وقد تفاقمت حالتي في الآونة الأخيرة.‏

قال لي الدكتور:‏

- مم تشكو؟‏

أجبت بانكسار:‏

- أنا ضائع منذ ألف ومائتي سنة.‏

وقلت:‏

- إني أبحث عن ذاتي، عن هويتي، عن كينونتي.‏

ردّ بلهجة حزينة:‏

- أخشى أن لا يكون الأمر مجرد تعب بسيط:‏

راعني ما أسمع فقلت له:‏

- ماذا تعني؟‏

قال:‏

- علينا أن نرقب الحالة بدقة.‏

آه... يا نفسي الحائرة، يا جرحاً ما انفك يكبر. قادت الأمواج العاتية بقايا حطام سفينتي إلى جزيرة تقع خلف حدود الخيال. جزيرة التيه والحيرة والضياع. جزيرة القلب المحطم والمعزز بالأماني الحالمة.‏

وانصرفت هائماً على وجهي. أذرع أرصفة مدينة لاتظلم إلا أهلها.‏

المدينة مومس تتسلى وهي ترى عاشقيها وقد شواهم لظى التشوق لرؤيتها. المدينة عاهرة تمقت عاشقيها، كأنها تنتقم منهم. كأنها تجد فيهم سر حرماتها المنتهكة. آه... يا مدينة تقدس غزاتها.‏

دخلت مطعماً، كان بي جوع شديد، ولكني رغبت في ارتشاف فنجان من القهوة تدخين سيجارة. وكنت أحب الجلوس قرب النافذة أرقب السيارات والمارة. عندها شاهدته. خلته للمرة الأولى أحد العابرين. لكنه توقف غير بعيد عني وجعل يرمقني بنظرات غريبة وذات مغزى. دهشت للوهلة الأولى. لكني سرعان ما أشحت ببصري عنه. أحسست بأنه أشبه بكابوس، وكنت أريد نسيانه. لكنه بغتة دخل المطعم. اختار طاولة بعيدة عني. وكان يستطيع ملاحظتي. طلب فنجاناً من القهوة ثم أشعل لفافة تبغ وجعل يرمقني بفضول.‏

حاولت اعتبار الأمر عادياً. نقلّت بصري بينه وبين الشارع المقابل وبين جدران المطعم. واستقر نظري على نقطة في السقف. قلت لعل هذا يمضي بسلام. تذكرت في تلك اللحظة قول الدكتور:‏

- التيه تيه العقل، أما الجسد فإنه لا يهيم أبداً.‏

عدت بنظري صوبه. فلاحظته يرقبني بفضول وشغف. كأنه كان يهم بمبادرتي بالكلام. أوهذا -على الأقل ما خيل إليّ- طلبت طعاماً، ففعل مثلي. لم أذق لقمة واحدة. فقد راعني ما يحدث. نهضت ففعل مثلي. غادرت المطعم. فغادره في إثري. جعلت أضرب الأرصفة والطرقات. وكان يعدّ خطواتي. الخطوة تلو الأخرى. همت مرة أخرى في شوارع المدينة أحس بنفسي عصفوراً بريئاً يخشى غدراً ما أومكيدة. فجأة هطل المطر. مطر غزير. فالتجأت إلى مقهى. ففعل الرجل ما فعلت تماماً. توقف المطر، وبزغت شمس لطيفة. كان ربيعاً. والربيع في مدينتي نادر وجميل مثل حبيبة في مقتبل العمر. عندها عدت أدراجي ميمماً شطر بيتي. وكنت أقطن في حي فقير ومزرٍ. وها أنذا أجلس قبالة النافذة أرقب الشارع وأستطيع أن أراه يقف عند الناصية يرقب مدخل بيتي.‏

-2-‏

اليوم الثاني نهار جميل. غادرت المنزل متوجهاً صوب عملي. كنت قد نسيته ليلة البارحة لكني عدت فتذكرته لحظة شاهدته يقف في نفس المكان.‏

تبعني فازداد قلقي، بل لقد تحول إلى رعب طاغٍ. الأمر جديّ هذه المرة لابد أن وراء الأكمة ما وراءها، هذه ليست تخيلات. إنه واقع، واقع أعيشه بمرارة. وأكابده بأسى وخوف. هاجمتني الهواجس والأفكار، وتفاقم الصراع في داخلي. الخوف أغنيتي، وهذي الروح أضناها الجوى، هلكت اللذات في بحر الرعب، وسلطت المدينة سيوفاً مثلمة على عنقي. كان السحاب يمر بطيئاً. والشمس أنشودة كئيبة. الشوارع تضج بالصراخ وتعلو خفقات قلبي.‏

قلت في سري:‏

- إنها ولابد مكيدة. مكيدة حاكها إبليس حولي.‏

جعلت أغذ السير، هذه الدنيا قطار يمر مسرعاً، فلا يقف إلا في محطة نائية ليس فيها سكان ولا ناس. هذه الدنيا سيمفونية غريبة تعزفها قوى خفية. بل سرية وغامضة. ليس الأمر أمر مرض أو هواجس أو تخيلات، إنها عملية مراقبة حقيقية وأنا الهدف هذه المرة.‏

دخلت مقر عملي عجلاً، فاستقبلني أحد الأصدقاء بقوله:‏

- لقد تأخرت على غير عادتك اليوم؟!...‏

تمتمت بكلمات غير مفهومة. لاحظ اضطرابي لكنه قال غير عابئ بذلك:‏

- على كل حال المدير طلب مقابلتك.‏

توجهت صوب غرفة المدير. قرعت الباب. ثم دخلت. غرفة أنيقة جداً ولطالما حلمت بمثلها. اقتربت من طاولة المدير وراعني ما رأيت. لم يكن مديري العادي والذي أعرفه بل كان هو. هو نفسه الرجل الذي يراقبني. اجتاحت كياني قشعريرة باردة. وصرخت خلايا جسدي من ألم دوّى داخل قلبي. أصابني هلع وقلت لعلي أصبت بعته. لم يلحظ الرجل وجودي. كان يبدو منشغلاً في تقليب بعض الأوراق. أصابني دوار لكني تماسكت. وهربت نعم لقد خرجت لا ألوي على شيء. واستقبلني حر الشارع. أحسست بأنه لاهب على غير عادته. قلت هل هجم الصيف بغتة؟!..جعلت أسرع في مشي سرعان ما تحول إلى ركض وركض وكانت نظراته السابلة تلاحقني مستفهمة ولكني لم أكن ألوي على شيء.‏

توجهت صوب مخفر الشرطة. دخلت لاهثاً. واستقبلني رجل بارد القسمات. لاحظ ارتباكي وهلعي. فبادرني بالقول:‏

- ماذا هناك. هل أصابك مسّ؟‏

قلت وأنا ألتقط أنفاسي المتهدجة وقد استندت بساعدي على طرف طاولته العتيقة.‏

- أريد أن أتشكى.‏

تساءلت مستغرباً:‏

- من مَنْ؟‏

قلت:‏

- أنا مراقب. هنالك رجل يراقبني كظلي.‏

فانفرجت أساريره بغتة. لكنه قطب متفكراً بعض الوقت. ثم قال بعد مرور دقيقة صمت:‏

- هذه قضية فردية. قضية خاصة. ونحن ننظر فقط في القضايا العامة. لا أستطيع أن أفعل لك شيئاً. عليك أن تراجع المحكمة.‏

باغتني كلامه وتغير حاله المفاجئ. عاد الرعب يتملكني. تصببت عرقاً وارتجفت مفاصلي إنه هذيان. هذيان مستمر. هذا أشنع كوابيسي. أي محكمة هذه؟ التفت أنشوطة باغية حول عنقي. تقلص قليلاً. خلت أني أحتضر. شعرت بأن الأرض تكاد تميد من تحت قدميّ. يأسرني الذهول. قلت إنها دوامة أو لعلي لعبة بيد أقدار متسلطة وباغية. ازدردت الغصة تلو الغصة. وتكاثف الزبد حول فمي. وانهال سيل الأسئلة على مخيلتي الضعيفة. وحين أوحى إليّ الشرطي بأنه عاجز عن فعل أي شيء غادرت مخفر الشرطة. وحين كنت أهم بالخروج اصطدمت بالرجل. كاد يسقط من هول الصدمة واستطعت آنئذٍ أن أراه عن قرب كان عجوزاً. ماذا كان يروم؟ هل كان يهم بالدخول في إثري؟ هل كان يحاول فعل أي شيء؟ أم عرف بأني سوف ألجأ إلى المحكمة وسوف ينتهي أمره! أجل لقد حزرت هذه المرة. لقد أدرك بأني وضعت يدي على الجرح وكان يحاول منعي. لكن مسعاه خائب هذه المرة. أنا لاأحمل أي شيء ضده البتة. لكن قدره التعس ساقه إليّ. اشتطت غضباً. وحين كنت أهم بفعل شيء ما كان هو يسارع إلى القول بلهجة مؤدبة:‏

- أنا آسف. آسف جداً يا سيدي. لم أنتبه إليك وأنت خارج على عجل على كل سرتني معرفتك. إنما أنا محارب قديم وأدعى -س-.‏

ثم دخل المخفر تاركاً إياي غارقاً في ذهول عميق.‏

-3-‏

المحكمة... المحكمة.. موطن الغرائب والأسرار. لغز هذا الكون ولغز إنسانه الغريب. ملجأ الملاجئ. وبلد يحتمي فيه الغرباء الخائفون من طغيان هذا العالم المأفون. عند أعتابها ينكسر تيه القلب ويضيع الضياع. المحكمة غاية الضعفاء. غاية العدالة السامية والخالدة.‏

عند بابها قال لي الحارس:‏

- ادخل.‏

دخلت فإذ بي أجد القاضي. كان شيخاً مهيب الطلعة وقد جعل يبتسم بحنو وهو يقول:‏

- كنت بانتظارك.‏

دهشت لكني تماسكت وقلت:‏

- هل تعرفني؟...‏

ردّ باسماً:‏

- هذا اليوم مخصص لاستقبالك أنت بالذات.‏

قلت بأني حزين وتائه. فقال بأنه يتفهم نبل مقصدي. وحين قلت له بأني أشكو من رجل يراقبني. ابتسم بهدوء ثم مالبث أن ضحك وهو يقول:‏

- حسناًهدئ من روعك. لست أول من يعرض هذه الظلامة. هذا أمر اعتدنا عليه الآن.‏

أكلت الدهشة فؤادي. تمتمت:‏

- هل تعرفون من يراقبني. ولماذا يراقبني وما هي قضيتي؟...‏

قال:‏

- نحن نعرف شيئاً واحداً فقط. وهو أن عليك أن تعود إلى بيتك الآن وتبحث في كتبك وأوراقك وأشيائك الشخصية. عليك أن تنقب في تاريخك علّك تعثر على ضالتك.‏

-4-‏

هل هذا قدر أم بلاء من الله. بلاء يقصد منه امتحان قوة إرادتي وعزمي وتصميمي على بلوغ أهدافي. راعني ماقاله القاضي، ولم أفهم منه أي شيء، وقد انسحب تاركاً إياي في حيرة وبؤس كئيبين.‏

الدوامة تتسع وإخال الأنشوطة تضيق حول عنقي. ولكني تنبهت إلى أنه لا بد من فعل أي شيء. لابد من البحث عن الأسباب والتفتيش عن الحقائق. يبدو الأمر متعلقاً بي، ويخصني بشكل صميمي. هذا ما قاله القاضي إن عليّ أن أجدّ في محاولة تقصي حقيقة الأمر. أن أوغل في التفكير. أن أقاوم سلبيتي وانفعالي بإزاء الأشياء. أن أدور حول نفسي عليّ أعثر على حل لهذا اللغز.‏

-5-‏

حين غادرت باب المحكمة. كان الرجل ما يزال يراقبني. توجهت صوب داري. دلفت من الباب واتجهت فوراً نحو النافذة. أزحت الستارة فوجدته يرقب باب بيتي. عندها قررت يجب أن أتمثل كلام القاضي فهو يعي ما يقوله بدقة. جعلت أفتش في دفاتري وكتبي وأوراقي فتشت كل بيتي عليّ أعثر على دليل ما يمكن أن يقودني إلى حل أو يفتح لي نافذة أمل.‏

عندها باغتني خاطر مفاجئ. بحثت عن بطاقتي الشخصية.أخرجتها من جيب سترتي. حدقت فيها وجعلت أقرأ الاسم. كان حرف -س- كبيراً جداً لدرجة أنه غطى الورقة بكاملها.‏

1997‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244