عالم غريب - معن مصطفى الحسون

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

جلجامش(1)

أنا جلجامش. ملك الملوك وسيد الرجال أجمعين منذ خروج آدم من جنة الله وحتى دخول الناس بأسرهم إلى جهنم.‏

أنا جلجامش. بقرت بطون الحبالى. تزوجت العذارى ذبحت الأطفال هتكت الأعراض. هاجمت البلاد. وأحرقت الزرع والضرع. أبدْتُ الأمم وسقت أبطالها أسرى وعلقتهم على مشانق خالدة أمام بوابات بابل. ولم أفعل ذلك رغبة مني في سفك دماء العباد. ولكن الأعداء تألبوا عليّ. أقاموا حلفاً ضدي وضد شعبي وأمتي. فوجدت نفسي مضطراً إلى تسيير الجيوش وسحقهم عن بكرة أبيهم(2) .‏

وهكذا دانت لي الأرض بأسرها. ولكن بالي لم يهدأ البتة. ظللت أغوص في بحيرة القلق والتيه. كل هذا السلطان لي وأنا لا أملك من أمر نفسي شيئاً. وهذا ما أثار الرعب في داخلي الرعب والقلق شيطانان يحومان حول مخدعي. أنا الملك. وجميع جنود الأرض حراس لي ولكن الشياطين قوة باغية وطاغية.‏

ولما مات البطل أنكيدو. صديقي. تفاقم جزعي. وتنامت قوى القلق والحيرة في داخلي.‏

واستطعت بفضل تدخل بعض الآلهة أن أطلع على أحوال الموتى. فاقتربت من الجدار الذي يفصل عالم الأحياء عن عالم الأموات. ولم يكن ميسوراً رؤية أي شيء. ولكني كنت قادراً على سماع كل شيء وعلى تلقي رسائل أنكيدو ووحيه إليّ حيث قال:‏

- اعلم يا صديقي جلجامش أن الأبطال هنا يسقون صديداً أصفرَ لامعاً. وأن النساء يغتسلن بالدم والمرارة وأن اليأس المطلق يخيم على الأفئدة. وإنهم يأكلون التراب والأعشاب الضارة ويحقنون بالسم الزعاف. وأن ظلاماً بهيماً وحالكاً يخيم على المكان. وأن الدود يخرج من بين الأجساد والخلايا ويبدأ بنهش ما تبقى من بقايا الجسد وأن الروح أسيرة الغربة والأماني ثم ما لبث أن سكت أنكيدو بغتة.‏

هالني ما سمعت. وثارت في داخلي الشكوى؟. وقُرعت أجراس الخطر والرعب في فؤادي.‏

وخيم حزن عميق على روحي السائبة. فجهزت سفينتي وانطلقت أبحث عن اوتنا بشتيم الخالد.‏

إنه الآن في غياهب اليم. العتمة تلف الكون. وها هو ذا يدفع سفينته نحو حتفها المجهول. لا بوصلة سوى قلبه. ولا أنوار في الأفق. يناديه ضوء الحقيقة خافتاً خلف ظل المدى. يحث سفينته. يدفعها. البحر واسع. كأنه فك حيوان خرافي يبتلع الأمواج. والسفينة والقلب ورقة في مهب الريح.‏

من بعيد. لاح بصيص ضوء. اقترب أكثر. إنها منارة. اقترب أكثر فأكثر. ثمة من يقف بجوارها يشير إليه أن أقبل. كيف تأتى له أن يراه؟!.. الأسرار في داخلك على حين تعجز أنت عن فك طلاسمها.‏

اقتربت السفينة من الشاطئ الغريب. لاح رجل عجوز. لكنه بدا قوياً وثابتاً. انفجرت الفرحة داخل قلب جلجامش. قال له العجوز:‏

- عمّ تبحث أيها الملك في صحراء الظلام؟!..‏

ردّ جلجامش:‏

- عنك يا عماه.‏

قال العجوز دهشاً:‏

- هل تعرفني!؟..‏

ردّ بلهفة:‏

- أجل، حق المعرفة. وقد قطعت أرجاء الكون كي أصل إليك.‏

ارتسمت على شفتي العجوز المجعدتين ابتسامة كئيبة وقال:‏

- اسمي زيوسودرا.‏

هاله ما سمع فهتف:‏

- ألست اوتنا بشتيم! بلى. أنت هو.‏

دهش العجوز وقال:‏

- بل أنا زيوسودرا. وأنا رجل خالد.‏

قال جلجامش:‏

- أعرف ذلك. ولكن الزمان طوى صفحة سومر. ومحى زيوسودرا معها. ولم يتبق من الكون سوى بابل العظيمة. وقد بدلوا اسمك وجعلوه بابلياً ألا وهو اوتنا بشتيم.‏

حزن الشيخ حزناً عميقاً. ران صمت رهيب. ثم ما لبث أن قطعه العجوز متسائلاً:‏

- وماذا تروم؟!..‏

ردّ جلجامش:‏

- سر الخلود.‏

- أجاب الشيخ بلهجة حازمة:‏

- سوف تجده في المكان الذي تركته.‏

عاد جلجامش من رحلته الطويلة والغريبة، وقد عقد العزم على قهر الموت. فشرع يبني الأسوار والمدن والأبراج والقلاع. شرع يشق قنوات الري. كتب شرائع بابل العظيمة(3) .‏

أقام العدل. وحكّم القانون فوق رقاب البابليين والشعوب المقهورة التي انضوت تحت لوائها.‏

وهكذا كرس جلجامش بقية عمره ليخلد اسمه. وليغدو حتى عصرنا هذا أهم ملك في التاريخ هكذا لامس جلجامش الخلود بأطراف أصابعه. لامسه وحسب.‏

لكن القلق ما انفك يعتمل في داخله. الخوف والرعب توأمان لنومه ويقظته. القلق وحش خرافي ومفترس. الليل دامس. والقلب تائه في بحيرة من اليأس والقنوط والتوجس.‏

عندها صعد جلجامش فوق برج بابل وصرخ:‏

آه.. كم أحبك أيتها الأبدية.‏

(1) اعتمدنا على النص البابلي من أسطورة جلجامش وليس على النص السومري وذلك لنقص هذا الأخير.‏

(2) جزء من هذا المقطع ينسب للملك الآشوري آشور بانيبال ولكن الكاتب نسبة إلى جلجامش لضرورات فنية صرفة.‏

(3) تنسب كتابة الشرائع البابلية إلى الملك البابلي حمورابي وليس إلى جلجامش ولكن الكاتب فعل هنا ما فعله مع نص آشور بانيبال وقد بدا في هذا النص القصير وكأنه يتحدث عن ثلاثة ملوك هم جلجامش السومري وحمورابي البابلي وآشور بانيبال الآشوري.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244