عالم غريب - معن مصطفى الحسون

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مدينة الشحاذين

آه كم أحبك أيتها الأبدية‏

نيتشه‏

أخيراً قررت مغادرة الصحراء والتوجه صوب المدينة. المدينة حلمي الجميل. وقد بت أشعر في الآونة الأخيرة أن صحرائي غدت ضحلة ومملة. وأنا رجل أحب التفكير والإبداع والاختراع. ولم تعد تلبي الصحراء كل حاجاتي الروحية والمادية. كما أن هاجساً للبحث عن المستحيل بدأ يغلي في داخل قلبي الصغير. قلت سأطرق باب المدينة وسأقابل الحاكم الأكبر فيها.‏

سرت في طرق ملتوية ومتعرجة. كابدت وعثاء البحث المضني. رغم أن النهر كان يجري منساباً بهدوء مطلق وخالد على أرض ممهدة بالحصى.‏

دخلت أول مدينة صادفتني. وعند بابها التقيت رجلاً رث الثياب. سألته:‏

- ما هذه المدينة؟!..‏

نظر إلى هيئتي باستغراب ثم سألني:‏

- هل أنت غريب؟‏

تبرمت قليلاً. لكني أجبته على مضض:‏

- أجل.‏

- ابتسم ابتسامة ذات مغزى وأجاب وهو يشير إليّ بالدخول:‏

- هذه مدينة الشحاذين.‏

هاجني ما سمعت. وثارت في داخلي الشكوى والألم. خلت أن الأمر غريب للغاية. وخطر ببالي أن أعود من حيث أتيت. وأن أتخلى دفعة واحدة عن مشاريعي وأحلامي. لكن الهاجس كان أقوى. الحنين قوة ضارعة. وقلبي تواق لركوب موجة المستحيل. قلت لعل هذا بالضبط ما أبحث عنه.‏

قلت للحارس:‏

- أريد مقابلة الحاكم الأكبر‏

ردّ وقد عاودته ابتسامته الماكرة:‏

- تعني حاكم الشحاذين؟!..‏

قلت بتبرم:‏

- أجل.‏

قال:‏

- هذا ليس مستحيلاً وإن كان صعباً قليلاً. عليك بالمحاولة.‏

دخلت المدينة. وهناك قابلت أهلها. التفت حول منظري الغريب جموع من البشر والسابلة.‏

وبادرني أحدهم بالقول:‏

- نحن جميعاً هنا شحاذون.‏

نهشت قلبي حيرة مريرة. ولكني تماسكت كي لا أتزعزع وسألت:‏

- وماذا تشحذون؟!..‏

ردّ الشاب بسخرية:‏

- كل شيء.‏

لم أفهم معنى هذا، وتصنعت ذلك علّي أحظى بمزيد من الأجوبة لسيل الأسئلة الذي جعل يتدفق في ذهني.‏

تقدم مني جندي في ثياب رسمية وقال:‏

- نحن هنا نشحذ الهمم استعداداً للحرب المقدسة.‏

- وقال شيخ طاعن في السن:‏

- بل نشحذ التقوى والإيمان.‏

وقال آخر وكان رث الثياب هو الآخر:‏

- أنا أغنى رجل في هذه المدينة، وأنا لا أشحذ إلا النقود.‏

وقالت امرأة:‏

- نشحذ اللذة والهوى.‏

وقال آخر:‏

- أنا أحب الأكل والطعام والشراب.‏

وصاح آخر:‏

- هذا كله كذب وافتراء. هذه المدينة مقدسة. ونحن نشحذ فيها الأفكار السامية، الفلسفة والأدب، الشعر والخطابة. والعلم والمعرفة.‏

وقال آخر:‏

- إننا نخترع الشحاذة لنفوز باختراع الحياة وابتكار أحدث الوسائل لممارستها.‏

وعقّب عليه آخر:‏

- أي أن الشحاذة ليست غاية بحد ذاتها. إنها وسيلتنا لامتصاص آخر قطرة من دم الحياة.‏

صاح شاب متمرد:‏

- نحن وحوش.تديسين‏

وصرخ آخر:‏

- بل نحن ..؟..‏

وثارت ثائرة الجماهير الغفيرة حولي. وأنا أكابد الغوص أكثر فأكثر في بحيرة الحيرة والدهشة.‏

اقترب مني رجل أنيق الثياب. وقد أثار هذا استغرابي ودهشتي. همس في أذني:‏

- أنا شاعر وقد اعتزلت الشحاذة منذ زمن.‏

سألته:‏

- وما علة ذلك؟!..‏

قال:‏

- لقد اكتشفت أخيراً أن الوجدان البشري خائب لا رجاء منه.‏

قلت متشككاً:‏

- لعلك تبالغ في يأسك هذا!.‏

ابتسم بحزن. ربت على كتفي ثم انصرف مبتعداً عني وعن الشحاذين.‏

ألتفت نحو الجمهور وصحت بصوت عال:‏

- أريد مقابلة حاكمكم الأكبر.‏

ردّ الجميع بصوت واحد:‏

- هذا جد ميسور.‏

واقتادوني في أزقة وحارات. حتى وصلنا إلى بيت هو أشبه بالخربة. وقد ثوى أمامه رجل في مقتبل العمر. رث الهيئة والثياب. قالوا له:‏

- هذا الغريب يبغي مقابلتك.‏

تأوبتني الحيرة والدهشة. قلت هذا مستحيل. إنه جنون مطبق. ولكني حاولت التماسك وعدم الظهور بمظهر من تزعزعت أركان قلبه وعقله. سألته بلهفة:‏

- من أنت؟!..‏

أجاب باسماً:‏

- أنا حاكم مدينة الشحاذين. أي أنا الشحاذ الأكبر هنا. ولقد ولوني عليهم حاكماً مطلقاً. إني أخمن ما يدور في ذهنك وخاطرك. أنتم في الصحراء لا تعيشون على طريقتنا رغم أنها أصبحت الطريقة الوحيدة السائدة في هذا العالم الصغير. في كل أرجاء المعمورة. على حين بدأتم أنتم وصحراؤكم بالانقراض والتلاشي. أليس كذلك؟‏

قلت ذاهلاً:‏

- يبدو هذا الكلام أقرب إلى المعقول. ولكن من أين تنحدرون أنتم؟..‏

ردّ بصرامة:‏

- من الشمال البارد.‏

قلت مستغرباً:‏

- ولكن الشحاذة!!.. هذا غريب!.‏

قال باسماً:‏

- لا.. إنما أنت الغريب وحسب. وقد بدأت بالتخلص من حالة الغرابة التي تعيشها منذ اللحظة التي قررت فيها اللجوء إلينا. ذلك أنك أدركت أن حالتنا هي المثالية وأنها الخلاص الذي تنشد. بل إنها الجسر الذي سوف تعبر عليه من حالتك الحيوانية إلى مستوى الرسل والأنبياء.‏

لم أفه بحرف. وكنت غارقاً في ذهول عميق. نهض الرجل ولاحظت آنذاك أنه أشقر الشعر أبيض السحنة. ربت على كتفي وقال:‏

- سأشرح لك الأمر باختصار‏

إن الحرية والألوهية هي غايتنا. ونحن نتفانى منذ أقدم العهود في سبيل بلوغ ذلك. لذا لم نترك وسيلة تفيدنا في الوصول إلى غايتنا هذه إلا وابتكرناها. لم نترك باباً إلا وطرقناه.حلالاً كان أم حراماً. نحن نركض -وبغض النظر عن الوسيلة- وراء أهدافنا. لكل منا هدفه الذي يسعى من أجله. ولكل شيخ طريقة ولكن الغاية واحدة وإن تعددت الأسباب والوسائل وقد اجتمعنا على بناء هذه المدينة. مدينة الشحاذين. وهي مدينة مجهزة بأحدث الوسائل وبكل المؤسسات الضرورية بما فيها مؤسسة الحكم والجيش والدين. لقد استطعنا وعبر مسيرتنا الطويلة أن نحيل الشحاذة إلى أسلوب في الحياة. ولقد بذلنا في سبيل ذلك جهوداً فضية. واعتقد أننا نستحق التقدير مع ذلك هل بدأت تفهم الآن؟!..‏

قلت وقد تهالكت على قارعة الطريق:‏

- لعل الأمر بدأ يهون قليلاً. إن هذا يخفف من حدة قلقي رغم أنه لا يزيله تماماً.‏

حدجني بنظرة متفحصة وقال:‏

- لا تستعجل الأمور. عليك أن تبدأ خطوة خطوة. وعليك أن تقرر الآن إما أن تعيش شحاذاً في مدينتنا أو تعود إلى صحرائك القاحلة واليابسة.‏

قلت:‏

- إن الأمر ليس هيناً بالنسبة إلى غريب مثلي. ولا يمكن اتخاذ قرار صعب كهذا بكل بساطة وسهولة. ولكني مبدئياً قد أقرر البقاء هنا لبضعة أيام. قل هي نوع من الاستجمام. وسوف أجرب خلال ذلك ممارسة فن الشحاذة علّي أصل إلى مبتغاي ورجائي.‏

وهكذا دخلت مدينة الشحاذين وأصبحت شحاذاً فيها.‏

1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244