عالم غريب - معن مصطفى الحسون

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القــــرف

حينما عدت إلى البيت من رحلة طويلة. فوجئت بوجود امرأة غريبة. سألت أمي عنها فأجابت باسمة:‏

- إنها الخادمة الجديدة.‏

كانت الخادمة قبيحة للغاية. قلت في سرّي لعلهم اختاروها بالضبط كذلك. إنها ولا شك مؤامرة. مكيدة حاكتها أمي وإخوتي وجيراني وكل الناس. وأنا المقصود هذه المرة.‏

قلت في سرّي:‏

- حسناً ليكن الأمر كذلك.‏

أويت إلى غرفتي. احتسيت فنجان قهوتي. دخنت سيجارة وطفقت أفكر. كان القمر في الخارج أصفر باهتاً. وكان الليل رمادي اللون. وقد جعل الضوء يشعُّ في الغرفة باعثاً مزيداً من الكآبة والبؤس.‏

عندها خطر لي خاطر. قلت في سرّي:‏

- حسناً. سوف أغوي هذه الخادمة القبيحة.‏

بدت لي من بعيد سراً أعجمياً. كانت تغطي شعرها بحجاب أسود، وترتدي لباساً محتشماً طويلاً. وجهها متعب ومن وعثاء الحياة. عيناها غائرتان وشفتاها يابستان. قلت سأجرب. هذه مغامرة جديدة. وهي مغامرتي الأولى بعد عودتي من سفري الطويل. راقبتها من بعيد.‏

تأملتها ملياً. كان الهدوء والسكون يخيم على حركاتها. بدت لي ميتة أو أشبه بهيكل عظمي يتحرك على أنغام موسيقى جنائزية.‏

قال أبي:‏

- الحياة كابوس‏

وقالت أمي:‏

- العبرة في التقوى‏

وقال إخوتي:‏

- سوف نعيد بناء العالم من جديد.‏

الكون أشبه بآلة عملاقة تسحق كل شيء. هذه الدنيا سراب. وما الحياة المثالية الأخرى سوى كابوس آخر يجثم على صدر مخيلتنا. أنشوطة تلتف حول أعناقنا. تقيدها بأمراس صارمة ومتينة.‏

قلت للخادمة ذات مرة:‏

- حسناً. هل ستساعدينني في اختيار عروس لي.‏

ابتسمت بهدوء. قهقهت أمي. سعل أبي وصرخ أخوتي بحماس مثير. على حين جعلت النار تهدر داخل المدفأة طاردة حمى البرد والصقيع. وكان الليل يثوي في الخارج مثل ذئب مفترس وضارٍ.‏

حاولت غواية الخادمة. تأرقت. سهرت أحتسي القهوة وأنفث دخان السجائر. أخطط فيما ينبغي عليّ فعله من أجل جر الخادمة إلى فراشي الدافئ. كانت الخادمة قبيحة جداً ولكن المغامرة استهوتني. قلت أخالني سأمر بتجربة نادرة وجديدة في غياهب هذه الحياة الخائبة.‏

وكانت سفني ترسو على شواطئ القلق والتيه. قلت سأخلق من ثنايا القبح جمال الوجود وبهاءه. سأفتش في الجسد علّي أعثر على حل لطلسم الكون والنفس التواقة إلى الخلود. هذه الحياة قدَّت من إسفنج رخو وبارد. الخلود. الخلود. تلك أغنيتي وهي أغنية دافئة وحائرة.‏

قلت سأمارس المستحيل. سأطرق أبواب الجسد البض علّي أصل إلى هدفي ومرماي.‏

السكينة هي بالضبط ما أروم وأبغي. الطمأنينة في عالم خال من الأحاسيس الدافئة والإنسانية صفو العقل وتوقده. هدوء الروح واستجابتها لنداءات الطبيعة والوجود الآسرة. جمال الجسد ونموه. هذه هي أماني وغاياتي. وهذه هي أفكاري وطموحاتي.‏

لذا فقد قررت غواية الخادمة القبيحة. وقلت في سرّي:‏

- علّ التجربة تنجلي عن عالم جديد وغريب. عن حالة إبداعية وأصيلة.‏

قاومت الخادمة القبيحة رغباتي ومحاولاتي اليائسة. أرقتني ليالٍ طويلة. كأنما كانت تفهم وتدرك وتحس سرّ ولهي وولعي بها. كأنها كانت تعي أن رغباتي هذه حولتها إلى شيء أساسي في حياتي. شيء لم أعد أستطيع فك قيودي منه. أحسست آنئذٍ بأني قيدت نفسي بنفسي.‏

وحين حالف النجاح خططي المدبرة بذكاء وفطنة رجوليتين استسلمت الخادمة لإغرائي وغوايتي. سقطت في أحابيلي التي نسجتها لها. عندها تعرت أمامي. كنا وحيدين في غرفة باهتة الضوء. وكان الرعد والمطر ينعقان في الخارج والظلام يلف أرجاء المعمورة. على حين يخيم سكون أصفر على الوجود. انخرطت أمارس الحب مع هذا الجسد القبيح. فبردت أطرافي وتجمد الدم في عروقي وتصلبت أوردة جسدي. خلتني كمن جعل ينبش قبر حبيبته. يخرج الهيكل العظمي ثم ينخرط في مضاجعته. تصلبت عروقي وعضلات جسدي وخلت نفسي تغرق في يم لا قرارة له. بحيرة الحب الدافئة استحالت إلى بركة من الدم والصديد الأصفر اللامع وعليك أن تسبح فيها وتمارس الشعور باللذة والنشوة.‏

هذا ما اعتراني من إحساس فتركت المرأة عارية في فراشي وخرجت من البيت أركض عارياً دون أن ألوي على شيء.‏

ركضت في الشوارع الموحلة. وكان الليل أسطورة أو أشبه بمطرقة جعلت تنهال على رأسي فتذكرني بأمجاد أجدادي الغابرين. بيأسي المطلق. وخيبتي الأبدية. ظللت أركض وأركض في الشوارع والأزقة والطرقات. ودهش الناس لرؤيتهم إياي أركض عارياً وعلى كتفي أحمل صليبي ورايات الموت واليأس المطلقين.‏

غادرت المدينة. وتوجهت إلى الصحراء، أمي. قلت سأحظى بحل لكل هذه الأساطير والألغاز والأسرار. هناك وسط الصحراء، شاهدت نهراً يجري منساباً بهدوء مطلق ورزين وقد نصب عليه جسر. دهشت لذلك. ولكني صعدت الجسر ثم انحنيت صوب النهر وتقيأت دماً وصديداً وألماً. تقيأت روحي وكل نبضة في جسدي. تقيأت نفسي. تقيأت تاريخي وأحلامي وأمنياتي. تقيأت الحلو والمر في هذه الدنيا الطويلة والعريضة. كانت السماء مملوءة بالنجوم الزاهية وكانت الصحراء خالية وصامتة. وكان الرمل تحت قدميّ الحافيتين بارداً ورطباً.‏

بغتة وجدتني محاطاً بأناس لا حصر لهم ولا عدد. أدركت بعدئذٍ أن المدينة غادرت نفسها في إثري. توجهتْ خلف هذا الرجل العاري نحو الصحراء. غادر الناس المدينة وتبعوني إلى الصحراء. وهناك أحاط خلق الله بي. ثم لم أعد أدرك شيئاً. فجأة أغمي عليّ. وتلقفتني الأيادي بحنو. وفي غرفة الإنعاش في مستشفى بعيد وناء بدأت باستعادة وعيي رويداً رويداً.‏

وكانت أنفاسي متهدجة وروحي مضطربة وجسدي دافئاً ورخواً.‏

1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244